فوائد حفظ
الشيخ : وفي الحديث من الفوائد: إثبات الغَيْرة لله عز وجل، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن من أحدٍ أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته ) إن من أحدٍ: إن نافية، يعني: ما من أحد أغير من الله، وإن تأتي لعدّة معاني ذكرناها في التفسير ولا حاجة لإعادتها، لكنها هنا نافية.
( أغير من الله ) الغيرة انفعالٌ نفسي، يكون عند حماية الإنسان أو عند إرادة الإنسان أن يحمي ما غار عليه، كغيرة المرأة من ضَرّتها وما أشبه ذلك، ولكن غيرة الله عز وجل ليست كغيرتنا غيرة نقص، بل هي غيرة كمال. وقوله: ( أن يزني عبده أو تزني أمته) العبد الرجل، والأمة المرأة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) ثم قال: ( يا أمة محمد خاطب ) جميع الأمة، لأن خطابه للصحابة رضي الله عنهم خطاب للأمة كلها، إذ لا فرق، فالجميع قد أرسِل إليهم الرسول عليه الصلاة والسلام، فهم أمّته
(وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) أقسم عليه الصلاة والسلام وهو البار الصادق من غير قسم، أننا لو نعلم ما يعلم من الأهوال والأمور والعقاب وغير ذلك. (لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا) أي لكثُر بكاؤُكم وقلّ ضحككم مما يلحقكم من الهموم، والغموم، على ما تعلمون
ثم قال: ( أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ) ألا أداة استفتاح، والمقصود منها: تأكيد الجملة التي بعدها وهي أيضاً للتنبيه، ألا هل بلّغت؟: استفهام يراد منه تقرير المخاطَب لا تعليم المخاطب، يعني لا يقصد به ان المخاطب يقول بلغت أو لم أبلغ، بل يراد به تقرير المخاطَب في ذلك، وفي رواية مالك : ( إن الشمس والقمر آيتين من آيات الله )
في هذا الحديث فوائد، منها: وقوع خسوف الشمس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقع خسوف للقمر، ولا خسوف للشمس مرّة ثانية، ومن الفوائد اللغوية جواز إطلاق الخسوف على كسوف الشمس، خلافاً لمن قال: إنه يتعيّن أن يكون خسوفٌ للقمر، وكسوفٌ للشمس، نقول: اللغة تجوّز هذا وهذا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن صلاة الكسوف تُفعل على ما فعلها الرسول عليه الصلاة والسلام، أي أنها تُطال جدّاً، ويكون فيها أربع ركوعات في أربع سجدات، فهل يجوز أن تُفعل كسائر السنن أي ركعتين في ركوعين في أربع سجودات؟ قال بعض أهل العلم: إنه يجوز أن تُفعل كنافلة، ولكن الصحيح أنه لا يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها على هذا الوصف، وقال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وهذا وإن كان في الفرائض فهو أيضاً يشمل كل شيء، والإنسان إذا صلاها ركعتين فقط فقد خالف سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وصلّوا )، وهذا أمرٌ مطلق؟ قلنا: أمرٌ مطلق ولكنه مقرون بسبب معين ،وصفة معينة وهي صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، فنتقيّد بها.
ومن فوائد هذا الحديث: تطابق الشرع والقَدر، وتوازنهما، ويتفرّع على هذا بيان حكمة الله عز وجل، وجه ذلك، أن خسوف القمر وكسوف الشمس أمرٌ كوني غير عادي، خارج عن العادة، قوبِل بصلاة شرعية على غير العادة.
ومن فوائد الحديث: الإطالة في صلاة الكسوف في القراءة، والركوع، والسجود، والقيام، والقعود، ومنها: أن كل ركعة دون الركعة الأولى، وكل ركوع دون الركوع الأول، وهذا من مراعات أحوال الناس، لأن الإنسان أول ما يبدأ في العبادة يكون نشيطاً يتحمّل، ثم يفتُر ويتْعب، فروعي بذلك حال الناس، وصار يخفف، كل ركعة أخف من الأولى، ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي لمن صلى صلاة الكسوف أن يراعي حال الكسوف، بحيث لا ينصرف من صلاته إلا وقد تجلى الكسوف في القمر أو في الشمس فإن قال قائل: هذا لا يُعلم، قلنا: أما فيما سبق فنعم فلا يُعلم، لكن في وقتنا الحاضر، يُعلَم، لأنه يُبيّن أه سيكون كسوف أو خسوف، من الساعة الفلانية، إلى الساعة الفلانية وأنه كسوف كلي أو جزئي، أو ما أشبه ذلك.