شرح قو المصنف : وقوله :ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء
الشيخ : (( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ )) (( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً )) أي شديد الضيق والعياذ بالله ثم مثل قال (( كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ )) يعني كأنه حين يعرض عليه الإسلام كأنه يتكلف الصعود إلى السماء ولهذا جاءت الآية (( يَصَّعَّدُ )) ولم يقل يصعد كأنه يتكلف الصعود بمشقة شديدة نعم وهذا الذي يتكلف الصعود لا شك أنه يتعب ويسأم ويمل، ولنفرض أن هذا رجل طلب منه أن يصعد جبلا رفيعا صعبا هذا إذا قام يصعد هذا الجبل سوف يتكلف وسوف يضيق نفَسه ويرتفع ويلهث لأنه يجد من هذا ضيقا، وعلى ما وصل إليه المتأخرون الآن يقولون إن الذي يصعد في السماء كلما ارتفع وازداد ارتفاعه كثر عليه الضغط وصار أشد حرجا وضيقا وسواء كان المعنى الأول أو المعنى الثاني فإن هذا الرجل الذي يعرض عليه الإسلام والعياذ بالله يجد الحرج والضيق كأنما يصعد في السماء .
نأخذ من هذه الآية الكريمة : إثبات إرادة الله عز وجل، والإرادة المذكورة هنا إرادة كونية لا غير لأنه قال (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ )) (( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ )) وهذا التقسيم لا يكون إلا في الأمور الكونيات أما الشرع فالله يريد من كل أحد أن يستسلم لشرع الله فالأرادة هنا كونية وفيها من السلوك والعبادة دليل على أنه يجب على الإنسان أن يتقبل الإسلام كله أصله وفرعه وما يتعلق بحق الله وما يتعلق بحق العباد وأنه يجب عليه أن يشرح صدره لذلك فإن لم يكن كذلك فإنه من القسم الثاني الذين أراد الله إضلالهم، قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( من يرد الله به خيراً، يفقهه في الدين ) والفقه في الدين يقتضي قبول الدين لأن كل من فقه في دين الله وعرفه قبله وأحبه، وقال الله تعالى : (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً )) شوف كيف الآن إقسام مؤكد بلا (( فلا وربك )) إقسام بأخص ربوبية من الله عز وجل لعباده ما هي ؟ ربوبية الله للرسول عليه الصلاة والسلام إقسام بربوبية الله الخاصة لرسوله على قبول ما جاء به هذا الرسول .
رابعا هنا قال : (( حَتَّى يُحَكِّمُوكَ )) أنت خاصة (( فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ )) فمن طلب التحاكم إلى غير الرسول عليه الصلاة والسلام بل إلى غير الله ورسوله فإنه ليس بمؤمن فإما كافر كفرا مخرجا عن الملة وإما كافر كفرا دون ذلك نعم .
الثاني : إذا حكموه لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضى بل يجدوا القبول والانشراح لما قضاه النبي عليه الصلاة والسلام .
الثالث : يسلموا تسليما وأكد التسليم بالمصدر يعني تسليما كاملا، فاحذر أيها المسلم أن ينتفي عنك الإيمان .
ولنضرب لهذا مثلا : تجادل رجلان في حكم مسألة شرعية فاستدل أحدهما بالسنة فوجد الثاني في ذلك حرجا وضيقا كيف يريد أن يخرج عن متبوعه إلى اتباع هذه السنة ؟ ما تقولون في إيمان هذا الرجل ناقص ولا لا ؟ ناقص بلا شك في إيمانه لأن المؤمن حقا هو الذي إذا ظفر بالنص من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام فكأنما ظفر بأكبر غنيمة يفرح بها ويقول : الحمد لله الذي هداني لهذا نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، خلاف والعياذ بالله الذي يتعصب لرأيه ويحاول أن يلوي أعناق النصوص حتى تتجه إلى ما يريده هو لا ما يريده الله ورسوله فإن هذا على خطر عظيم.
وبعد أن تكملنا على آيات الإرادة على ما شاء الله نقول إن الإرادة تنقسم إلى قسمين :
قسم : إرادة كونية وهذه الإرادة مرادفة تماماً للمشيئة فأراد فيها بمعنى شاء لا غير هذه الإرادة تتعلق فيما يحبه الله وما لا يحبه، وعلى هذا إذا قال قائل هل أراد الله الكفر ؟ فقل بالإرادة الكونية نعم أراده ولو لم يرده الله عز وجل ما صار طيب .
ثانيا : هذه الإرادة يلزم فيها وقوع المراد يعني أن ما أراده الله فلا بد أن يقع ولا يمكن أن يتخلف انتبه فصارت هذه الإرادة فيها بحثان :
البحث الأول : هل هي خاصة فيما يحب الله أو عامة فيما يحبه وزما لا يحبه ؟ عامة .
ثانيا البحث الثاني : هل يتعين فيها وقوع المراد أو لا ؟ يتعين فيها وقوع المراد على كل حال سواء كان مما يحبه الله أو لا .
الإرادة الشرعية : تختص بما يحبه الله لا يريد الله الكفر بالإرادة الشرعية ولا يريد الفسق بالإرادة الشرعية طيب .
ثانيا البحث الثاني فيها : أنه لا يلزم فيها وقوع المراد بمعنى أن الله يريد شيئا ولا يقع فهو سبحانه وتعالى يريد منا أن نعبده هل يلزم وقوع هذا المراد ؟ لا قد نعبده وقد لا نعبده بخلاف الإرادة الكونية فصار الفرق بين الإرادتين من وجهين :
الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم .
الإرادة الشرعية تختص فيما يحبه الله، والكونية لا تختص عامة فيما يحبه وما لا يحبه .
فإذا قال قائل : كيف يريد الله تعالى كونا ما لا يحبه يعني كيف يريد الكفر أو الفسق أو العصيان كيف يريد ذلك وهو لا يحبه ؟
فالجواب : أن هذا محبوب إلى الله من وجه مكروه إليه من وجه آخر فهو محبوب إليه لما يتضمنه من المصالح العظيمة، مكروه إليه لأنه معصية له ولا مانع من أن يكون الشيء محبوبا مكروها فها هو الرجل يقدم طفله الذي هو فلذة كبده وثمرة فؤاده يقدمه إلى الطبيب ليشق جلده ويخرج المادة المؤذية فيه ولا لا ؟ لكن لو يجي واحد يريد أن يشقه بظفره ما هو بالمشرط ويش يسوي فيه ؟ قاتله لكن هو يذهب إلى الطبيب ليشقه من كعبه إلى ركبته وهو ينظر إليه وهو فرح مسرور يذهب به إلى الطبيب ليحمي الحديد على النار حتى تلتهب حمراء ثم يأخذها ويكوي بها ابنه وهو راض بذلك ولا لا ؟ راض بذلك لماذا يرضى بذلك وهو يتألم الابن ويصح ؟ لأنه مراد لغيره للمصلحة العظيمة التي تترتب على ذلك طيب .
إذا المراد كونا لا بد أن يقع المراد كونا قد يكون فيما يجبه الله وقد لا يكون فيما يحب .
المراد شرعا قد يقع وقد لا يقع المراد شرعا يختص فيها يحبه الله عز وجل .
ولنضرب لهذا أمثلة : ماذا نقول في إيمان أبي بكر رضي الله عنه ؟ مراد شرعا وكونا مراد شرعا لأن الله يحبه يحب الإيمان كونا لأنه وقع فإذا قال قائل : إلى أين نرجع إذا أردنا أن نعرف أن هذه إرادة شرعية ؟ قلنا للكتاب والسنة من أين نعرف أن هذا مراد كونا ؟ بالوقوع فما وقع علمنا أنه مراد كونا فهمت لكن المراد شرعا نعرفه من الكتاب والسنة والمراد كونا نعرفه من الوقوع طيب .
ما تقولون في كفر أبي طالب ؟ مراد كونا لا شرعا كفر أبي طالب إيمان أبي طالب مراد شرعا لا كونا كذا طيب .
إيمان أبي لهب اصبر مراد شرعا لا كونا إيمان أبي لهب مراد شرعا لا كونا طيب نعم لأن الله يحبه يحب أن يؤمن إي كونا هذا لكن لو آمن لكان أحب إلى الله طيب من يمثل لنا بمثال غير مراد لا شرعا ولا كونا ؟ غير مراد لا كونا ولا شرعا .
الطالب : ... .
الشيخ : كفر أبي بكر صح طيب تحاشيا لهذه التسمية الحقيقة أن هذه ثقيلة على الناس نقول كفر المؤمن أو ما يصلح كفر المؤمن كذا لأنك لو تجي واحد كفر أبي بكر لكان عامي يبي يمسكك كيف كفر أبي بكر إلا أن يكون رافضيا سوف يفرح نعم نعوذ بالله إنما بدل من أن نقول كفر فلان المعين من المؤمنين نقول : كفر المؤمن انتبه لهذا نقول هذا غير مراد لا شرعا ولا كونا لا شرعا لأن الله لا يحب من المؤمن أن يكفر ولا كونا لأن المؤمن لم يكفر باق على إيمانه إي نعم والله أعلم .
وعلى آله وأصحابه أجمعين سبق لنا بيان إثبات المشيئة لا تنقسم بل هي قسم واحد ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن سواء مما يحبه أو مما يكرهه وسواء من فعله أو فعل عباده وأما الإرادة فتنقسم إلى قسمين : إرادة كونية وإرادة شرعية فالإرادة الكونية هي التي بمعنى المشيئة فما أراده الله كونا كان وما لم يرده لم يكن لا فرق بين فعله وفعل عباده ولا فرق بين ما يحبه وما لا يحبه عرفتم .
وأما الإرادة الشرعية فهي التي بمعنى المحبة وحينئذ تكون خاصة فيما يحبه سواء وقع أم لم يقع وسبق لنا أيضا أن بين الإرادتين عموما وخصوصا وجهيا لا مطلقا تنفردان في صورة ويفترقان في صورة نعم تجتمعان في صورة وتختلفان في صورة وأن الفرق بينهما من وجهين :
الوجه الأول : الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد بخلاف الشرعية .
الإرادة الكونية تتعلق بما يحبه وما لا يحبه بخلاف الشرعية كيف الفارق ؟ الشرعية تتعلق فيما يحبه وإن لم يقع بخلاف الكونية .
طيب (( يريد الله بكم اليسر )) ما نوعها ؟ شرعية لأنها لو كانت كونية ما وجد الناس عسرا أبدا مع أن العسر موجود (( إن مع العسر يسرا فإن مع العسر يسرا )) واضح طيب (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا )) إرادة كونية لأنها ما هي متعلقة بما يحبه والدليل على أنها إرادة كونية أن الله عبر بالمشيئة في موضعه فقال (( مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )) (( وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )) نظير (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ )) (( وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )) انتبهوا أنا غلطت العكس (( (( مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ )) نظير (( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا )) (( وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )) نظير (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ )) أفهمتم الأن طيب نأخذ أمثلة على الفرق وأظنها إن شاء الله واضحة إيمان أبي بكر مراد شرعا وكونا كفر الكافر مراد كونا لا شرعا كذا ولا لا ؟ كفر الذي هو مؤمن الآن غير مراد لا شرعا ولا كونا تمام طيب كفر المؤمن لا شرعا ولا كونا هي المثل الذي ذكرنا الآن وكفر الكافر مراد كونا لا شرعا طيب الحمد لله .
سألنا سائل : هل الإرادة مرادفة للمحبة ؟ الشرعية مرادفة للمحبة .
سألنا سائل : هل الإرادة مرادفة للمشيئة ؟ الكونية مرادفة للمشيئة ولهذا المؤلف رحمه الله جاء بها على هذا الترتيب أول ما ذكر المشيئة (( وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ )) ثم ذكر الإرادة بعضها في المشيئة وبعضها في المحبة ثم ذكر آيات المحبة فقال طيب قبل أن نتجاوز آيات الإرادة ماذا تفيد معرفتنا للإرادة من الناحية المسلكية ؟ تفيد أمرين :
الأمر الأول : أن نعلق رجاءنا وخوفنا وجميع أحوالنا وأعمالنا بمن ؟ بالله لأن كل شيء بإرادته وهذا يحقق لنا التوكل .
ثانيا : أن نفعل ما يريده الله شرعا فإذا علمنا أنه مراد لله شرعا ومحبوب إليه فإن ذلك يقوي عزمنا على إيش ؟ على فعله، هذا من فوائد معرفتنا بالإرادة من الناحية إيش ؟ المسلكية أن نفوض الأمر إلى الله وأن نعلق أمرنا به وهذا باعتبار الإرادة إيش ؟ الكونية وأن نحرص غاية الحرص على ما يرديه تعالى من الطاعات وهذا باعتبار الإرادة الشرعية طيب نعم .
الطالب : ... ؟
الشيخ : ما هو ؟
الطالب : الإرادة الشرعية تؤخذ من الكتاب والسنة والإرادة الكونية تؤخذ من الوقوع ؟
الشيخ : إي يعني طريقة معرفتها ؟ نعم .
الطالب : ... .
الشيخ : ليش خربنا القاعدة ما دام تعلقنا بالله هذا من الإيمان بالقدر .