مقدمة بين يدي الشرح فيها ترجمة للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله : " الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد :- فهده رسالة كشف الشبهات للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله تعالى - . وقبل أن ندخل في موضوع الرسالة نتكلم عن المؤلف والتعريف به من أجل أن يكون عند طالب العلم معرفة بهذا المؤلف وطريقته في دعوته لأن هذا من الأمور المهمة في معرفة الأئمة والدعاة إلى الله ومعرفة نشأتهم ودعوتهم من أجل أن يسير طلاب العلم على نهجهم ويقتبسوا من سيرتهم ويقتدوا بهم . فهو الشيخ الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن علي بن مشرف التميمي النجدي ولد رحمه الله في بلدة العيينة وهي قرية في شمال الرياض ، وكانت محل أسرته . نشأ في بيت علم فأبوه كان القاضي في البلد وجده الشيخ سليمان كان هو المفتي والمرجع للعلماء وأعمامه كلهم علماء . فنشأ في بيت علم . ودرس على يد أبيه عبدالوهاب وعلى أعمامه منذ صغره فقد حفظ القرآن الكريم قبل أن يبلغ سن العاشرة فاشتغل في طلب العلم وحفظ القرآن على أبيه . وقرأ كتب التفسير والحديث حتى برع في العلم وهو صغير وأعجب أبوه والعلماء من حوله بذكائه ونبوغه وكان يناقش في المسائل العلمية حتى أنهم استفادوا من مناقشته فاعترفوا له بالفضل ثم إنه لم يكتف بهذا القدر من العلم وإن كان فيه الخير إلا أن العلم لا يشبع منه . فرحل لطلب العلم وترك أهله ووطنه وسافر إلى الحج وبعد الحج ذهب إلى المدينة والتقى بعلمائها في المسجد النبوي خصوصاً الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن سيف وكان إماما في الفقه وأصوله وهو من أهل نجد من أهل المجمعة في سدير وكذلك ابنه إبراهيم بن عبدالله مؤلف كتاب العذب الفائض شرح ألفية الفرائض . والتقى كذلك بالمحدث الشيخ محمد حياة السندي وأخذ منه إجازة في مروياته من كتب الحديث ثم رجع إلى بلاده ، ولم يكتف بهذا بل سار إلى بلاد الأحساء في شرق بلاد نجد وفيها العلماء من حنابلة وشافعية ومالكية وحنفية وأخذ عنهم خصوصاً عن الحنابلة ومنهم محمد بن فيروز و عبدالوهاب بن فيروز أخذ عنهم الفقه . وأخذ عن عبدالله بن عبداللطيف الأحسائي . ولم يكتف بهذا بل ذهب أيضاً إلى العراق - إلى البصرة خاصة - وكانت آن ذاك آهلة بالعلماء في الحديث والفقه فأخذ عن علمائها خصوصاً الشيخ محمد المجموعي وغيره . وكان في كل تنقلاته إذا ظفر بكتاب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ومن كتب تلميذه ابن القيم نسخه بقلمه ونسخ كثيراً من الكتب في الأحساء وفي البصرة فتجمعت لديه مجموعة عظيمة من الكتب . ثم إنه هم بالسفر إلى بلاد الشام لما فيها من أهل العلم خصوصاً من الحنابلة وأهل الحديث ، ولكنه بعدما سار إليها شق عليه الطريق وحصل عليه جوع وعطش وكاد أن يهلك في الطريق ، وأنتم تعلمون الإمكانات في ذلك الوقت وبعد المسافة .. فرجع إلى البصرة وعدل عن السفر إلى الشام ثم رجع إلى نجد بعد ما تسلح بالعلم وبعد ما حصل على مجموعة كبيرة من الكتب إضافة إلى الكتب التي كانت عند أهله وعند أهل بلده ثم اتجه إلى الدعوة والإصلاح ونشر العلم النافع ولم يرض بأن يسكت ويترك الناس على ما هم عليه بل أراد أن ينتشر علمه وأن يدعو إلى الله فنظر في مجتمعه فوجد فيه من الشر و الشرك الأمور الكثيرة فأخذته الغيرة على دين الله والرحمة للمسلمين ورأى أنه لا يسعه السكوت على هذا الوضع . وكان علماء نجد يعنون بالفقه وهم في العقيدة على عقيدة المتكلمين من أشاعرة وغيرهم ليس لهم عناية بعقيدة السلف كما هو في الشام وفي مصر وغيرها من الأقطار وكانت العقيدة المنتشرة فيها هي عقيدة الأشاعرة ، مع ما عند كثير منهم من الإخلال بتوحيد الألوهية . وأما عقيدة السلف فقل من يعنى بها وطغت على الكثير منهم الخرافات والبدع والشرك في العبادة المتمثل بعبادة القبور هذا من الناحية العلمية . وأما من الناحية السياسية فكانوا متفرقين ليس لهم دولة تجمعهم بل كل قرية لها أمير مستقل بها . فالعيينة فيها حاكم و الدرعية فيها حاكم والرياض فيها حاكم وكل قرية صغيرة فيها حاكم ، وكانت بينهم حروب وسلب ونهب فيما بينهم وبين القرى والبادية . فمن الناحية السياسية كانت البلاد في قلق وتفرق وفي تناحر وضياع حتى أن أهل البلد الواحد يقاتل بعضهم بعضاً . وفي بلاد نجد عبادة القبور والاستغاثة بالأموات ، فقد كانت عندهم قبور للصحابة كقبر زيد بن الخطاب رضي الله عنه الذي استشهد مع جماعة من الصحابة في حرب مسيلمة الكذاب وكانوا يستنجدون بها ويستغيثون بها وعلى قبر زيد قبة وكانوا يأتون إليها من بعيد وهي مشهورة عندهم . وعندهم أشجار ونخيل يعتقدون فيها ويتبركون بها بل كانت عندهم النحل الباطلة مثل الصوفية ووحدة الوجود في الرياض والخرج ، هكذا كانت حالتهم الدينية والعلماء ساكتون عن هذا الوضع بل إن بعض العلماء يشجعون على هذه الخرافات ويؤيدونها . فلما رأى - رحمه الله - حال المسلمين تحرك للدعوة إلى الله عز وجل وقام يدعو إلى الله ويدرس التوحيد وينكر هذه الشركيات والخرافات ويقرر منهج السلف الصالح فتكون عنده تلاميذ من الدرعية والعيينة ممن أراد الله له الخير . ثم إنه اتصل بأمير العيينة وعرض عليه الدعوة فقبل منه الأمير ووعده بالمناصرة في أول الأمر وهدم قبة زيد بن الخطاب حيث طلب من الأمير هدمها لأنه لا يمكن أن يهدمها إلا من له سلطة أما الفرد فلا يستطيع ، ذلك فاستجاب له الأمير . وجاءت إلى الشيخ امرأة اعترفت بالزنا وطلبت منه أن يقيم عليها الحد فردها حتى كررت عليه الطلب مثل ما فعلت الغامدية رضي الله عنها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فأقام عليها الحد ورجمها . فلما بلغ أمير الأحساء هدم القبة وأنه رجم المرأة أرسل إلى أمير العيينة وقال : إما أن تطرد هذا المطوع وإلا قطعت عنك المساعدة التي أرسلها إليك . فجاء الأمير إلى الشيخ وعرض عليه الأمر وقال أنا لا أقدر أن أقاوم هؤلاء فهدأه الشيخ ووعده بالخير وأن يتوكل على الله وأن الرزق بيد الله وأن هذه عقيدة التوحيد من قام بها فإن الله يعينه وينصره . لكن الأمير أصر على خروج الشيخ من بلده فخرج الشيخ من العيينة في وقت القيلولة وذهب إلى الدرعية وكان له فيها تلميذ من خيار التلاميذ يقال له ابن سويلم فذهب الشيخ من العيينة إلى الدرعية ليس معه إلا المروحة اليدوية يهوي بها على وجهه وهو يمشي ويقول : (( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب )) يردد هذه الآية وهو يمشي فلما وصل إلى تلميذه في الدرعية أصاب التلميذ خوف وقلق من مجيء الشيخ لأنه يخشى على نفسه وعلى الشيخ من أهل البلد لأنهم متحاذرون من هذا الشيخ ، فهدأه الشيخ وقال : لا يخطر في بالك شيء أبداً توكل على الله جل وعلا فهو ينصر من نصره . وفيما هم كذلك علمت زوجة أمير الدرعية وكانت امرأة صالحة فعرضت على زوجها الأمير محمد بن سعود أن يناصر هذا الشيخ الذي جاء وأنه نعمة من الله ساقها إليه فالبدار باغتنامه ، فأدخلت عليه الطمأنينة وحب الدعوة وحب هذا العالم فقال الأمير : يأتيني ، فقالت زوجته بل اذهب أنت إليه لأنك إذا أرسلت إليه وقلت يأتيني ربما يقول الناس طلبه من أجل أن يبطش به ، لكنك إذا ذهبت إليه يكون هذا عزاً له ولك .. فذهب إليه الأمير في بيت التلميذ وسلم عليه وسأله عن قدومه ... فشرح له الشيخ وبين له أنه ليس عنده إلا دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وهي الدعوة إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله ، وشرح معناها وبين له أنها عقيدة الرسل ... فقال الأمير : أبشر بالنصر والتأييد ، وقال له الشيخ : وأبشر بالعز والتمكين لأن هذه الكلمة - لا إله إلا الله - من قام بها فإن الله يمكن له . فقال له الأمير : لكني أشترط عليك شرطاً ، قال وما هو ؟ قال أن تتركني وما آخذ من الناس ، قال الشيخ لعل الله يغنيك عن هذا ويفتح لك باب رزق من عنده . فتفرقا على هذا وقام الشيخ بالدعوة وقام الأمير بالمناصرة . ثم توافد الطلاب على الدرعية وصار للشيخ مكانة فيها ، فكان هو الإمام في الصلاة والمفتي والقاضي ، فتكونت إمارة للتوحيد في بلاد الدرعية من ذلك الوقت وأرسل الشيخ رسائل إلى أهل البلدان والقرى يدعوهم إلى الله والدخول في عقيدة التوحيد وترك البدع والخرافات فمنهم من استجاب وانضم إلى الدعوة بدون جهاد وبدون قتال ومنهم من مانعة وعانده فقاتل جنود التوحيد بقيادة الأمير محمد بن سعود وريادة الشيخ محمد بن عبدالوهاب قاتلوا من عاند وعارض ... وامتدت الدعوة في بلاد نجد وسلمت له البلاد ومن حولها ، حتى أمير العيينة الذي كان له موقف مع الشيخ دخل في ولاية محمد بن سعود . وكذلك دخلت الرياض بعد قتال شديد وامتدت إلى الخرج وما رواء الخرج وإلى الشمال والجنوب حتى عمت من حدود الشام شمالاً إلى حدود اليمن جنوباً ومن البحر الأحمر إلى الخليج العربي شرقاً كلها صارت تحت ولاية الدرعية بادية وحاضرة . وأفاء الله على الناس في الدرعية الخير والرزق والغنى والثروة وقامت بها أسواق تجارية واستنارت بالعلم والقوة ببركة هذه الدعوة السلفية التي هي دعوة الرسل عليهم السلام " هذا كلام الشي الفوزان باختصار يسير .