تعليق الشيخ على قول شارح الطحاوية " ... ولهذا كان أئمة السنة لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه "غيره "، ولا أنه" ليس غيره ". لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو، إذ كان لفظ " الغير "فيه إجمال، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل: فإن أريد به أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها - فهذا غير صحيح، وإن أريد به أن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة - فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها، وإنما يعرض للذهن ذات وصفة، كل وحده، ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال. ولو لم يكن إلا صفة الوجود، فإنها لا تنفك عن الموجود، وإن كان الذهن يفرض ذاتا ووجودا، يتصور هذا وحده، وهذا وحده، لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج. وقد يقول بعضهم: الصفة لا عين الموصوف ولا غيره. وهذا له معنى صحيح، وهو: أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها، وليست غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته واحد غير متعدد. فإذا قلت:" أعوذ بالله "، فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه. وإذا قلت:" أعوذ بعزة الله "، فقد عذت بصفة من صفات الله، ولم تعذ بغير الله. وهذا المعنى يفهم من لفظ" الذات "، فإن" ذات "في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم، إلى غير ذلك من الصفات. فـ" ذات كذا "بمعنى صاحبة كذا: تأنيث ذو. هذا أصل معنى الكلمة. فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه، وإن كان الذهن قد يفرض ذاتا مجردة عن الصفات، كما يفرض المحال. وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ). وقال صلى الله عليه وسلم: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ). ولا يعوذ صلى الله عليه وسلم بغير الله. وكذا قال صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك ). وقال صلى الله عليه وسلم: ( ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا ). وقال صلى الله عليه وسلم: ( أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ). وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره ؟ وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه: فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك - فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله ونحو ذلك - فالاسم هاهنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال: فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم - فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى ".