شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم ) . قالت : قلت : يا رسول الله ،كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ؟! قال : ( يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم ) متفق عليه . هذا لفظ البخاري ... " .
الشيخ : ثم ذكر المؤلف حديث عائشة رضي الله عنها : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه يغزو جيش الكعبة ) : الكعبة المشرفة حماها الله وأنقذها من كل شر ، هذه الكعبة هي بيت الله بناه إراهيم وابنه إسماعيل ، وكانا يرفعان القواعد من البيت ويقولان : (( ربنا تقبل مِنا إنك أنت السميع العليم )) ، هذا البيت أراد أبرِهة أن يغزوه من اليمن ، فغزاه بجيش عظيم في مقدَّمته فيل عظيم يريد أن يهدم به الكعبةَ بيتَ الله ، فلما قرب من الكعبة ، ووصل إلى مكان يقال له المـُغَمَّس حَرَنَ الفيل ، حَرَن ، أبى أن يتقدم ، فجعلوا ينهرونه ليتقدم إلى الكعبة فيأبى ، فإذا صرفوه نحو اليمن هرول وأسرع ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة الحديبية ، لما أن ناقته حَرَنَت ، وأبت أن تمشي فقال الصحابة : ( خلأت القصواء ، خلأت القصواء ) يعني : حَرَنت ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( والله ما خلأت القصواء ، وما ذاك لها بخلق ) ، النبي عليه الصلاة والسلام يدافع عن بهيمة ، لأن الظلم لا ينبغي ولو على البهائم ، قال : ( ما خلأت وما ذاك لها بخلق ) : ما هي عادتها ، ( ولكن حبسها حابس الفيل ) حابس الفيل هو الرب عز وجل : ( والذي نفسي بيده لا يسألونني خُطَّة يعظمون فيها حُرمات الله إلا أجبتم عليها ) .
المهم أن الكعبة غزيت من قبل اليمن في جيش عظيم يقوده هذا الفيل العظيم ليهدم الكعبة ، فلما وصلوا إلى المغمَّس أبى الفيل أن يمشي وحَرَن ، انتهروه ولا فيه فائدة ، فبقوا هناك انحبسوا فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل ، أبابيل يعني : جماعات كثيرة ، طيور أرسلها الله عز وجل ، كل طير يحمل حجرا قد أمسكه برجله ، ثم يرسله على الواحد منهم حتى يضربه مع هامته ويخرج من دبره ، (( فجعلهم كعصف مأكول )) : كأنه زرع أكلته البهائم ، اندكوا في الأرض وفي هذا يقول أمية بن الصَّلت :
" حبسَ الفيلَ في المـُغمَّسِ *** حتى ظَلَّ يَحبو كَأَنَّهُ مكبولُ " ،
فحمى الله عز وجل بيته من كيد هذا الملك الظالم ، الذي جاء ليهدم بيت الله وقد قال الله عز وجل : (( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ )) ، في آخر الزمان يغزو قومٌ الكعبة ، قوم جيش عظيم ، ( جيشٌ الكعبة ، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض ) : يعني بأرض واسعة متسعة ، ( خَسَفَ الله بأولهم وآخرهم ) : خسف ، خسف ، خُسِفت بهم الأرض وساخوا فيها هم وأسواقهم وكل من معهم ، وفي هذا دليل على أنه جيش عظيم ، لأن معهم أسواقهم ، البيع والشراء وغير ذلك ، فيخسف الله بأولهم وآخرهم ، لما قال هذا ورد على خاطر عائشة رضي الله عنها سؤال : ( كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم ) ؟ أسواقهم الذين جاؤوا للبيع والشراء ، ما جاؤوا لقصد سيء لغزو الكعبة ، وفيهم ناس ليسوا منهم تبعوهم من غير أن يعلموا بخطتهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يُخسف بأولهم وآخرهم -وأسواقهم ومن ليس منهم- ثم يبعثون يوم القيامة على نياتهم ) ، كلٌ له ما نوى ، وهذا فرد من أفراد قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) ، وفي هذا الحديث عِبرَة .