شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا ) متفق عليه . ومعناه : لا هجرة من مكة لأنها صارت دار إسلام ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما نقله عن عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا هجرة بعد الفتح ، وإذا استنفرتم فانفروا ) ، ( لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا ) : في هذا الحديث نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة بعد الفتح ، فقال : ( لا هجرة ) : وهذا النفي ليس على عمومه ، يعني أن الهجرة لم تبطل بالفتح بل : ( إن الهجرة لا تنقطع حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها ) كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن المراد بالنفي هنا نفي الهجرة من مكة ، كما قاله المؤلف رحمه الله ، لأن مكة بعد الفتح صارت بلاد إسلام ، ولن تعود بعد ذلك بلاد كفر ، ولذلك نفى النبيُ صلى الله عليه وسلم أن تكون هجرة بعد الفتح ، يعني بعد فتح مكة ، وكانت مكة تحت سيطرة المشركين ، وأخرجوا منها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فهاجر صلى الله عليه وسلم بإذن ربه إلى المدينة ، وبعد ثماني سنوات رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحا مظفَّرا منصورا صلوات الله وسلامه عليه ، فصارت البلد بدلا مِن كونها بلد كفر ، صارت بلد إيمان وبلد إسلام ، ولم يكن منها هجرة بعد ذلك ، وفي هذا دليل على أن مكة لن تعود إلى أن تكون بلاد كفر ، بل ستبقى بلاد إسلام إلى أن تقوم الساعة ، أو إلى أن يشاء الله ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : ( ولكن جهاد ونية ) : يعني الأمر بعد هذا جهاد ، يعني يخرج أهل مكة مِن مكة إلى الجهاد ، والنية : النية يعني النية الصالحة في الجهاد في سبيل الله ، وذلك بأن ينوي الإنسان بجهاده أن تكون كلمة الله هي العليا ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( وإذا استنفرتم فانفروا ) : يعني إذا استنفركم ولي أمركم للجهاد في سبيل الله فانفروا وجوبا ، وحينئذ يكون الجهاد فرضَ عين ، إذا استنفر الناس للجهاد وجب عليهم أن ينفروا وألا يتخلف منهم أحد إلا من عذره الله ، لقول الله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئا )) ، المهم أنه إذا استنفر الإمام ، الولي على الناس إذا استنفر الناس ، وجب عليهم أن ينفروا ، ولا يحل لأحد أن يتخلف إلا من عذره الله ، وهذا أحد المواضع التي يكون فيها الجهاد فرضَ عين ، الموضع الثاني : إذا حصر بلدَهُ العدو ، يعني : إذا جاء العدو حتى وصل البلد وحصر البلد صار الجهاد فرض عين ، ووجب على كل أحد أن يقاتل حتى على النساء والشيوخ القادرين في هذه الحال ، لأن هذا قتال دفاع ، وفرق بين قتال الدفاع وقتال الطلب ، فيجب في هذه الحال أن ينفر الناس كلهم للدفاع عن بلدهم ، الحال الثالثة : إذا حضر الصف والتقى الصفان صف الكفار وصف المسلمين ، صار الجهاد حينئذ فرضَ عين ، ولا يجوز لأحد أن ينصرف ، كما قال الله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )) ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم التولي يوم الزحف من السبع الموبقات ، الموضع الرابع : إذا احتيج إلى الإنسان ، بأن يكون السلاح لا يعرفه إلا فرد مِن فرد ، وكان الناس يحتاجون إلى هذا الرجل لاستعمال هذا السلاح الجديد مثلا ، فإنه يتعين عليه أن يجاهد ، وإن لم يستنفره الإمام ، وذلك لأنه مُحتاجٌ إليه ، ففي هذه المواطن الأربعة يكون الجهاد فرض عين ، وما سوى ذلك فإنه يكون فرض كفاية ، قال أهل العلم : " ويجب على المسلمين أن يكون منهم جهاد في العام مرة واحدة " ، ولو مرة واحدة يجاهدون أعداء الله ، يقاتلونهم لتكون كلمة الله هي العليا ، لا لأجل أن يدافعوا عن الوطن من حيث إنه وطن ، لأن الدافع عن الوطن مِن حيثُ إنه وطن يكون من المؤمن والكافر ، حتى الكفار يدافعون عن أوطانهم ، لكن المسلم يدافع عن دين الله ، فيدافع عن وطنه لا لأنه وطنه مثلا ، ولكن لأنه بلد إسلامي فيدافع عنه حماية للإسلام الذي حل في هذا البلد ، ولذلك يجب علينا في مثل هذه الظروف التي نعيشها اليوم ، يجب علينا أن نذكر جميع العامة بأن الدعوة إلى تحرير الوطن وما أشبه ذلك ، دعوة غير مناسبة ، وأنه يجب أن يعبأ الناس تعبئة دينية ، ويقال : إننا ندافع عن ديننا قبل كل شيء لأن بلدنا بلد دين بلد إسلام ، تحتاج إلى حماية تحتاج إلى دفاع ، فلا بد أن ندافع عنها بهذه النية ، أما الدفاع بنية الوطنية أو بنية القومية فهذا يكون من المؤمن والكافر ، ولا ينفع صاحبه يوم القيامة ، وإذا قتل وهو يدافع بهذه النية فليس بشهيد ، ( لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل حَميَّة ويقاتل شجاعة ويقاتل ليُرى مكانه ، أي ذلك في سبيل الله ؟ فقال : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) ، انتبهوا لهذا القيد : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ) ، لا لأنه وطنه ، إيش وطنك ؟ إذا كنت تقاتل للوطن فأنت والكافر سواء ، لكن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، ممثلا في بلدك ، أو ممثلة في بلدك ، لأن بلدك بلد إسلام ، ففي هذا الحال ربما يكون القتال قتالا في سبيل الله ، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما مِن مَكلُومٍ يُكْلَمُ في سبيل الله والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله ) يُكْلم : يعني يُجرح ، ( إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعُب دمًا ، اللون لون الدم ، والريح ريح المسك ) : فانظر كيف اشترط النبي صلى الله عليه وسلم للشهادة أن يكون الإنسان قاتل في سبيل الله ، والقتال في سبيل الله : أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فيجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس أن القتال للوطن ليس قتالا صحيحا ، وإنما يُقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، وأقاتل عن وطني لأنه وطن إسلامي فأحميه من إعدائه وأعداء الإسلام ، فبهذه النية تكون النية صحيحة ، والله الموفق .