فائدة : دفع المفسدة مقدم على جلب المنفعة .
الشيخ : ولهذا تركَ النبيُ صلى الله عليه وسلم بناء الكعبة على قواعد إبراهيم خوفا من الفتنة ، فقال لعائشة رضي الله عنها : ( لولا أنَّ قومكِ حديثوا عهد بكفر ، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم ، ولجعلت لها بابين : بابا يدخل منه الناس ، وبابا يخرجون منه ) : مِن أجل أن يتمكن الناس من دخول بيت الله عز وجل ، لكن ترك ذلك خوف الفتنة مع كونه مصلحة ، بل أعظم من ذلك أن الله تعالى نهى أن نَسُبَّ آلهة المشركين ، مع أن آلهة المشركين جديرة بأن تُسبَّ وتُعاب وينفر منها ، لكن لما كان سبها يؤدي إلى سب الرب العظيم المنزه عن كل عيب ونقص ، قال الله عز وجل : (( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )) : فالمهم أنه ينبغي أنْ نعلم أن الشيء قد يكون حسنا في حدِّ ذاته وفي موضوعه ، لكن لا يكون حسنا ولا يكون من الحِكمة ولا من العقل ولا من النصح ولا من الأمانة أن يُذكر في وقت من الأوقات أو في مكان من الأماكن أو في حال من الأحوال ، وإن كان هو في نفسه حقا وصدقا وحقيقة واقعة ، ومن ثَمَّ كان ينبغي للإنسان أن يستشير ذوي العلم والرأي والنُصح في الأمر قبل أن يُقدِم عليه ، حتى يكون لديه برهان ، لأن الله قال لأشرف خلقه عليه الصلاة والسلام ، وأسدِّهم رأيا وأبلغِهم نُصحاً محمدٍ صلى الله عليه وسلم قال : (( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه )) ، هذا وهو مَن ؟ مَن هو ؟
الطالب : الرسول صلى الله عليه وسلم .
الشيخ : الرسول صلى الله عليه وسلم أَسَدُّ الناس رأيا وأرجحهم عقلا وأبلغهم نصحا صلوات الله وسلامه عليه ، الإنسان ربما تأخذه العاطفة فيندفع ويقول : هذا لله ، هذا أنا أفعله ، سأصدع بالحق سأقول سوف لا تأخذني في الله لومة لائم وما أشبه ذلك من الكلام ، ثم تكون العاقبة وخيمة ، ثم إن الغالب أن الذي يحكِّم العاطفة ويتبع العاطفة ولا ينظر للعواقب ولا للنتائج ولا يقارن بين الأمور ، الغالب أنه يحصل على يديه مِن المفاسد ما لا يعلمه إلا الله عز وجل ، مع أن نيته طيبة ، وقصده حسن ، لكن لم يحسن أن يتصرف ، لأن هناك فرقا بين حسن النية وحسن التصرف ، قد يكون الإنسان حسن النية لكنه سيء التصرف ، وقد يكون سيء النية ، والغالب أن سيء النية يكون سيء التصرف ، لكن مع ذلك قد يحسن التصرف لينال غرضه السيء ، فالإنسان يُحمد على حسن نيته ، لكن قد لا يحمد على سوء فعله ، إلا أنه إذا عُلِم منه أنه معروف بالنصح والإرشاد فإنه يعذر بسوء تصرفه ، ويُلتمس له العذر ، ولا ينبغي أيضا أن يُتخذ مِن فعله هذا الذي لم يكن موافقا للحكمة ، لا ينبغي بل لا يجوز أن يُتخذ منه قدح في هذا المتصرِف ، وأن يُحمَّل ما لا يتحمله ، ولكن يعذر ويبين له وينصح ويرشد ويقال : يا أخي هذا كلامك أو فعلك حسن طيب ، وصوابه في نفسه ، لكنه غير صواب في محله أو في زمانه أو في مكانه ، المهم أن في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يستشير مَن هو أكمل منه رأيا ، وأكثرُ منه علما .
وفيه أيضا من الفوائد : أنه ينبغي للمستشير أن يذكر الأمر على ما هو عليه حقيقة ، لا يلوذ يمينا وشمالا ، بل يذكر الأمر حقا على ما هو عليه حتى يتبين للمستشَار حقيقة الأمر ، ويبني مشورته على هذه الحقيقة ، ولهذا قال سعد : " إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة " ، فقوله : " إني ذو مال " : بيان لسبب العطية التي يريد أن يعطيها ، " ولا يرثني إلا ابنة لي " : بيان لانتفاء المانع ، يعني ما في مانع أني أُعطي كثيرا لأني ما عندي وارث ، ففيه أنه ينبغي في الاستشارة أن يذكر الإنسان أسباب الشيء ، وأن يذكر موانعه وجميع ما يتعلق به ، حتى يكون المشير على بينة وبرهان ، فيشير بما يرى أنه حق ، والمستشار عليه أن يتقي الله عز وجل فيما أشار فيه ، وألا تأخذه العاطفة في مراعاة المستشير ، لأن بعض الناس إذا استشاره الشخص ورأى أنه يميل إلى أحد الأمرين أو أحد الرأين ذهب يشير عليه به ، يقول : أنا أحب أن يوافق الذي أرى أنه يناسبه ، وهذا خطأ ، خطأ عظيم وخيانة ، الواجب إذا استشارك أن تقول له ما ترى أنه حق وأنه نافع سواء أرضاه أم لم يرضه ، وأنت إذا فعلت هذا كنت ناصحا وأديت ما عليك ، ثم إن أخذ به ورأى أنه صواب فذاك ، وإن لم يأخذ به فقد برئت ذمتك ، أما أن تستنتج من كلامه أنه يميل إلى كذا ثم تشير عليه فيه ، فهذا غلط ، غلط عظيم خيانة ، مع أنك ربما تستنج شيئا خطأ ، قد تستنتج أنه يريد كذا وهو لا يريده ، فتكون خسرانا من وجهين : من جهة الفهم السيء ، ومن جهة القصد السيء - يرحمك الله - وفي قول الرسول عليه الصلاة والسلام : ( لا ) : دليل على أنه لا حرج أن يستعمل الإنسان كلمة : لا ، وليس فيها شيء ، فالنبي عليه الصلاة والسلام استعمل كلمة : لا ، وأصحابه رضي الله عنهم استعملوا معه كلمة : لا ، فجابر رضي الله عنه لما أعيا جمله ، ولحقه النبي عليه الصلاة والسلام -هي قصة عجيبة- جابر كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر وكان على جمل هزيل لا يمشي ، تعب فلحقه النبي صلى الله عليه وسلم ، كيف لحقه وهو هزيل ؟ يعني أن الجمل قدام الناس ؟ لا ، لكن من عادة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه راعي أمته أنه يمشي في الآخر ، ما يمشي قدامهم ، يمشي وراهم ، لأجل أحد احتاج ولا شيء يساعده عليه الصلاة والسلام ، شوف التواضع وحسن الرعاية ، لحق جابرا وإذا جمله أعيا ما يمشي ، فضربه النبي ، ضرب الجمل ودعا له ، وقال : ( بعنيه بأوقية فقال جابر : لا ) ، شوف قال : لا للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا أنكر عليه الرسول عليه الصلاة والسلام ، والنبي عليه الصلاة والسلام هنا لما قال له سعد : ( أتصدق بثلثي مالي . قال : لا ) إذن ما في مانع أن تقول : لا ، وليس سوء أدب ولا سوء خلق ، كثير من الناس الآن يأنف أن يقول : لا ، يقول : سلامتك ، سلامتك ، سلامتك لا بأس طيب تدعو له بالسلامة ، لكن إذا قلت : لا ، فليس عليك عيب .
ومن فوائد هذا الحديث أنه لا يجوز للمريض مرضا مخوفا أن يُعطي أكثر من الثلث ، إلا إذا أجازه الورثة ، لأن الورثة تعلق حقهم بالمال ، لما مرض الرجل تعلق حق الورثة بالمال ، فلا يجوز أن يعطي أكثر من الثلث ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الثلثين لا ، وفي النصف لا ، وفي الثلث قال : ( الثلث والثلث كثير ) .
وفيه دليل على أنه ينبغي أن يكون عطاءه أقل من الثلث كما قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الثلث والثلث كثير ) ، والله الموفق .
وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وأصحابه أجميعن ، أما بعد :
فقد سبق لنا بعض الفوائد من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يعودُه من مرض كان به ، وأنه استشار النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتصدق به ، فاستشار النبيَ صلى الله عليه وسلم أن يتصدق بالثلثين ، ثلثي ماله ، فقال : ( لا . قال : فالشطر ؟ قال : لا ، قال : فالثلث ؟ قال : الثلث والثلث كثير ) ، ثم بين النبيُ صلى الله عليه وسلم أنه إذا ترك ورثته أغنياء كان خيرا من أن يتركهم عالة يتكففون الناس .
فمن فوائد هذا الحديث بالإضافة إلى ما سبق : أنه لا يجوز للإنسان إذا كان مريضا مرضا يُخشى منه الموت أن يتبرع بأكثر من الثلث من ماله ، لا صدقة ولا مشاركة في بناء مساجد ، ولا هبة ، ولا غير ذلك ، لا يزيد على الثلث ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع سعد بن أبي وقاص أن يتصدق بما زاد على الثلث .
ومن فوائده أنه ينبغي أن يغض من الثلث ، يعني الربع الخمس دون ذلك ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أشار إلى استحباب الغض من الثلث في قوله : ( والثلث كثير ) ، وبهذا استدل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث قال : ( لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الثلث والثلث كثير ) .
والوصية كالعطية ، فلا يجوز أن يوصي الإنسان بشيء مِن ماله بعد موته زائدٍ على الثلث ، بل يكون من الثلث فأقل ، والأفضل في الوصية أن تكون بالخمُس ، بخمس المال ، لأن أبا بكر رضي الله عنه قال : " أرضى بما رضيه الله لنفسه الخمس " : فأوصى بخمسه رضي الله عنه ، ومن ثَمَّ قال فقهاؤنا رحمهم الله : " يُسن أن يوصي بالخمس إن ترك مالا كثيرا " .
ومن فوائد هذا الحديث : أنه إذا كان مال الإنسان قليلا ، وكان ورثته فقراء فالأفضل ألا يوصي بشيء لا قليل ولا كثير ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ) ، خلافا لما يظنه بعض العوام أنه لابد من الوصية ، هذا خطأ ، الإنسان الذي ماله قليل وورثته فقراء ليس عندهم مال ، لا ينبغي له أن يوصي ، الأفضل ألا يوصي ، ويظن بعض العامة أنه إذا لم يوص لم يكن له أجر وليس كذلك ، بل إذا ترك المال لورثته فهو مأجور في هذا ، وإن كان الورثة سوف يرثونه قهرا ، لكن إذا جاء مسترشدا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم لقوله : ( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ) : فإنه أجره في ذلك أفضل من أن يتصدق عنه بشيء من ماله .
ومن فوائد هذا الحديث : خوف الصحابة المهاجرون الذين هاجروا من مكة ، خوفهم أن يموتوا في مكة ، لأن سعدًا رضي الله عنه قال : ( أُخلَّف بعد أصحابي ) ، وهذه الجملة استفهامية يعني أأخلف ؟ وهذا استفهام توقعي مكروه ، يعني أنه لا يحب أن يتخلف فيموت في مكة ، وقد خرج منها مهاجرا إلى الله ورسوله ، وهكذا كل شيء تركه الإنسان لله لا ينبغي له أن يرجع فيه ، وقد سبق لنا في شرح الحديث أن من ذلك ما فعله بعض الناس حيث تخلصوا من جهاز التلفزيون لما رأوا مِن مضاره ومفاسده ما يربو على منافعه ومصالحه ، تركوه لله فكسروه ، ثم جاؤوا يسألون هل يعيدونه مرة ثانية ؟
نقول : لا تعده مرة أخرى ، ما دمت قد تخلصت منه ابتغاء وجه الله فلا ترجع فيما تركته لله .