شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يقول : ( انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار ، فقالوا : إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم . قال رجل منهم : اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران ، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا ، فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما ، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين ، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا ، فلبثت - والقدح على يدي - أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي ، فاستيقظا فشربا غبوقهما . اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة ، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما نقله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( انطلق ثلاثة نفر ) : يعني ثلاثة رجال ، فآواهم المبيت فدخلوا في غار : يعني ليبيتوا فيه ، والغار هو ما يكون في الجبل مما يدخله الناس يبيتون فيه أو يتظللون فيه عن الشمس أو ما أشبه ذلك ، فهم دخلوا حين آواهم المبيت إلى هذا الغار ، فتدحرجت عليهم صخرة من الجبل حتى سدت عليهم باب الغار ، ولم يستطيعوا أن يزحزحوها ، لأنها صخرة كبيرة ، فرأوا أن يتوسلوا إلى الله سبحانه وتعالى بصالح أعمالهم ، فذكر أحدهم بِره التام بوالديه ، وذكر الثاني عِفته التامة ، وذكر الثالث ورعه ونصحه ، أما الأول يقول : ( إنه كان له أبوان شيخان كبيران ، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا ) : الأهل يعني مثل الزوجة والأولاد ، والمال مثل الأرقاء وشبهه ، وكان له غنم فكان يسرح فيها ، ثم يرجع في آخر النهار ويحلب الغنم ، ويعطي أبويه الشيخين الكبيرين ، ثم يعطي بقية أهله وماله يقول : ( فنأى بي طلب الشجر ذات يوم ) : يعني أبعد بي طلب الشجر : يعني الشجر الذي يرعاه ، فرجع فوجد أبويه قد ناما ، فنظر هل يُسقي أهله وماله قبل أبويه ؟ أو ينتظر حتى يستيقظ الأبوان ؟
فرجح هذا ، يعني أنه بقي فأمسك الإناء بيده حتى برق الفجر : يعني حتى طلع الفجر وهو ينتظر استيقاظ أبويه ، فلما استيقظا وشربا اللبن أسقى أهله وماله ، قال : ( اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك ، فافرج ) ، ( اللهم إن كنت فعلتُ ذلك من أجلك فافرج عنا ما نحن فيه ) : يعني معناه : اللهم إن كنت مخلصا في عملي هذا ، فعلته من أجلك ، فافرج عنا ما نحن فيه ، وفي هذا دليل على الإخلاص لله عز وجل في العمل ، وأن الإخلاص عليه مدار كبير في قبول العمل ، فتقبل الله منه هذه الوسيلة ، وانفرجت الصخرة لكن انفراجا لا يستطيعون الخروج منه ، وذكر بقية الحديث في الرجل العفيف كامل العفة ، والرجل الأمين كامل الأمانة ، والله أعلم .
القارئ : الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، قال -رحمه الله تعالى- في سياق حديث ابن عمر : " ( قال الآخر : اللهم إنه كانت لي ابنة عم ، كانت أحبَّ الناس إلي - وفي رواية : كنت أُحبها كأشد ما يحب الرجال النساء - فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمـَّت بها سنة من السنين ، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخليَ بيني وبين نفسها ففعلت ، حتى إذا قَدِرت عليها - وفي رواية : فلما قعدت بين رجليها - قالت : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه ، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ ، وتركت الذهب الذي أعطيتها . اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة ، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها . وقال الثالث : اللهم استأجرت أُجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ، ترك الذي له وذهب ، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال ، فجاءني بعد حين ، فقال : يا عبد الله ، أدِّ إلي أجري ، فقلت : كل ما ترى من أجرك : من الإبل والبقر والغنم والرقيق ، فقال : يا عبد الله ، لا تستهزىء بي ! فقلت : لا أستهزئ بك ، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا . اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون ) ، متفق عليه " .