شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... قال الآخر : اللهم إنه كانت لي ابنة عم ، كانت أحب الناس إلي - وفي رواية : كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء - فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت ، حتى إذا قدرت عليها - وفي رواية : فلما قعدت بين رجليها ، قالت : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ وتركت الذهب الذي أعطيتها . اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة ، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها . وقال الثالث : اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين ، فقال : يا عبد الله ، أد إلي أجري ، فقلت : كل ما ترى من أجرك : من الإبل والبقر والغنم والرقيق ، فقال : يا عبد الله ، لا تستهزىء بي ! فقلت : لا أستهزئ بك ، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا . اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون ) متفق عليه ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
سبق لنا الكلام على أول هذا الحديث ، حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في قصة ثلاثة نفر آواهم المبيت إلى غار ، فدخلوا في الغار ينامون فيه ليقوموا في الصباح ، فتدحرجت عليهم صخرة سدت باب الغار ، وعجزوا عنها ، فتوسل كل واحد منهم بصالحٍ من صالح أعمالهم : أما أحدهم فتوسل فتوسل بشدة بره بوالديه وسبق الكلام على ذلك ، أما الثاني فتوسل إلى الله عز وجل بالعفة التامة ، وذلك أنه كان له ابنة عم ، وكان يحبها حبا شديدا ، كأشدِّ ما يحب الرجال النساء ، فأرادها على نفسها : يعني أرادها والعياذ بالله بالزنا ليزني بها ، ولكنها لم توافق وأبت ، فألمـَّت بها سنة من السنين : يعني أصابها فقر وحاجة ، فاضطرت إلى أن تجود بنفسها في الزنا من أجل الضرورة ، وهذا لا يجوز ، لكن على كل حال هذا الذي حصل ، فجاءت إليه فأعطاها مئة وعشرين دينارا : يعني مئة وعشرين جنيه من أجل أن تمكنه من نفسها ، ففعلت من أجل الحاجة والضرورة ، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته ، على أنه يريد أن يفعل بها ، قالت له هذه الكلمة العجيبة العظيمة : ( اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه ) : فخوفته بالله عز وجل ، وأشارت إليه إلى أنه إن أراد هذا الشيء بالحق فليس عندها مانع ، لكن كونه يفض الخاتم بغير الحق هي لا تريد ، ترى أن هذا من المعاصي ، ولهذا قالت له : ( اتق الله ) : فلما قالت له هذه الكلمة التي خرجت من أعماق قلبها دخلت في أعماق قلبه ، وقام عنها وهي أحب الناس إليه ، يعني ما زلت رغبته عنها ولا كرهها بل حبها باق في قلبه لكن أدركه خوف الله عز وجل ، فقام عنها وهي أحب الناس إليه ، وترك لها الذهب الذي أعطاها ، مئة وعشرين دينارا ثم قال : ( اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك لأجلك فافرج عنا ما نحن فيه ) : فانفرجت الصخرة إلا أنهم لا يستطيعون الخروج ، وهذا من آيات الله ، لأن الله على كل شيء قدير ، لو شاء الله تعالى لانفرجت عنهم بأول مرة ، ولكنه سبحانه وتعالى أراد أن يبقي هذه الصخرة حتى يَتم لكل واحد منهم ما أراد أن يتوسل به من صالح العمل ، والله الموفق .
بسم الله الرحمن الرحيم :
سبق الكلام على أول هذا الحديث ، وذلك في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت فلجؤوا إلى غار فدخلوه ، فانطبقت عليهم صخرة فسدت عليهم باب الغار ، وعجزوا عن زحزحتها ، فتوسلوا إلى الله سبحانه وتعالى بصالح أعمالهم ، أما أحدهم فتوسل إلى الله بالبر التام بوالديه ، وأما الثاني فتوسل إلى الله تعالى بالعفة التامة عن الزنا ، وأما الثالث : فتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالأمانة والإصلاح والإخلاص في العمل ، فإنه ذكر أنه استأجر أجراء على عمل من الأعمال ، فأعطاهم أجورهم إلا رجلا واحدا ترك أجره فلم يأخذه ، فقام هذا المستأجِر فثمَّر المال ، ثمر أجره ، يعني صار يتكسب به بالبيع والشراء وغير ذلك حتى نما ، وصار منه إبل وبقر وغنم ورقيق : عبيد ، أموال عظيمة ، فجاءه بعد حين فقال له : ( يا عبد الله أعطني أجري ، فقال له : كل ما ترى فهو لك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال : لا تستهزئ بي ) : الأُجرة التي لي عندك قليلة ، كيف هي كل ما أرى من الإبل والبقر والغنم والرقيق ، لا تستهزئ بي ، ( فقلت : هو لك ، فأخذه واستقاه كله ، ولم يترك له شيئا . اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك من أجلك فافرُج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة ، وانفتح الباب وخرجوا يمشون ) ، لأنهم توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم التي فعلوها إخلاصا لله عز وجل .