شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... باب الصبر ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- : " باب الصبر " : الصبر معناه الحبس ، هذا معناه في اللغة .
والمراد به في الشرع حبس النفس على أمور ثلاثة : على طاعة الله ، وعن محارم الله ، وعلى أقدار الله المؤلمة ، هذه أنواع الصبر التي ذكرها أهل العلم ، أن يصبر الإنسان على طاعة الله ، لأن الطاعة ثقيلة على النفس ، تصعب على الإنسان ، وكذلك ربما تكون ثقيلة على البدن بحيث يكون مع الإنسان شيء مِن العجز والتعب ، وكذلك أيضا يكون فيها مشقة مِن الناحية المالية ، كمسألة الزكاة ، ومسألة الحج ، المهم أن الطاعات فيها شيء من المشقة على النفس والبدن ، فتحتاج إلى صبر ، وإلى معاناة ، قال الله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ورابطوا )) .
أما الثاني : فهو صبر عن محارم الله ، النوع الثاني : صبر عن محارم الله ، بحيث يكف الإنسان نفسه عما حرم الله عليه ، لأن النفس الأمارة بالسوء تدعو إلى السوء ، فيصبر الإنسان نفسَه ، مثل الكذب ، الغش في المعاملات ، أكل المال بالباطل بالربا أو غيره ، الزنا شرب الخمر السرقة وما أشبه ذلك من المعاصي الكثيرة ، فيحبس الإنسان عنها حتى لا يفعلها ، هذا يحتاج أيضا إلى معاناة ويحتاج إلى كف النفس والهوى .
أما الثالث : فهو الصبر على أقدار الله المؤلمة ، لأن أقدار الله عز وجل على الإنسان ملائمة ومؤلمة ، الملائمة تحتاج إلى الشكر ، والشكر من الطاعات فالصبر عليه من النوع الأول ، ومؤلمة : بحيث لا تلائم الإنسان ، تكون مؤلمة فيبتلى الإنسان في بدنه ، يبتلى في ماله يفقده ، يبتلى في أهله ، يبتلى في مجتمعه ، المهم أن أنواع البلايا كثيرة تحتاج إلى صبر ومعاناة ، فيصبر الإنسان نفسه عما يحرم عليه مِن إظهار الجزع باللسان أو بالقلب أو بالجوارح ، لأن الإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات :
أن يتسخط ، وأن يصبر ، وأن يرضى ، وأن يشكر ، هذه أربع حالات تكون للإنسان عندما يصاب بالمصيبة .
أن يتسخط إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه ، التسخط بالقلب : أن يكون في قلبه والعياذ بالله شيء على ربه من السَخَط والشره على الله والعياذ بالله ، وما أشبه ذلك ، ويشعر وكأن الله تعالى قد ظلمه بهذه المصيبة .
وأما باللسان التسخط باللسان : فأن يدعو بالويل والثُبور : يا ويلاه ، واثبوراه ، وأن يسب الدهر فيؤذي الله عز وجل وما أشبه ذلك .
التسخط بالجوارح مثل أن يلطم خده ، أو يصفع رأسه ، أو ينتف شعره أو يشق ثوبه ، وما أشبه هذا ، هذا حال السخط حال الهلِعين الذين حرموا الثواب ولم ينجوا من المصيبة ، بل الذين اكتسبوا الإثم ، فصار عندهم مصيبتان : مصيبة في الدين بالسخط ، ومصيبة في الدنيا بما أتاهم مما يؤلمهم .
أما الثاني : فالصبر على المصيبة ، الحال الثانية : الصبر على المصيبة : بأن يحبس نفسه ، هو يكره المصيبة ولا يحبها ولا يحب أن وقعت لكن يصبر نفسه ، لا يتحدث باللسان بما يسخط الله ، ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله ، ولا يكون في قلبه شيء على الله أبدا ، صابر لكنه كاره لها .
والثالث ، الحال الثالثة : الرضا بأن يكون الإنسان منشرحا صدره بهذه المصيبة ويرضى بها رضا تاما وكأنه لم يصب بها .
والرابعة ، الحال الرابعة : الشكر ، فيشكر الله عليه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يكره يقول : ( الحمد لله على كل حال ) : فيشكر الله من أجل أن الله يرتب له من الثواب على هذه المصيبة أكثر مما أصابه ، ولهذا يذكر عن بعض العابدات أنه أُصيبت في أصبعها ، فحمدت الله على ذلك ، وقالوا لها : كيف تحمدين الله والأصبع قد أصابه ما أصابه ؟ قالت : " إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها " ، " إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها " ، فشكرت الله على هذه المصيبة ، فالحاصل أن أنواع الصبر ثلاثة :
صبر على طاعة الله ، وصبر عن معصية الله ، وصبر على أقدار الله المؤلمة ، والناس في هذا النوع الثالث بالنسبة للمصائب لهم أربع أحوال : تسخط ، وصبر ، ورضا ، وشكر ، والله الموفق .
بسم الله الرحمن الرحيم :
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- : " باب الصبر " : سبق لنا بيان أن الصبر ثلاثة أقسام : صبر على طاعة الله ، وصبر عن معصية الله ، وصبر على أقدار الله المؤلمة ، وأن للإنسان في أقدار الله المؤلمة أربع حالات : التسخط ، والصبر ، والرضا ، والشكر ، وبينا وجه ذلك .