تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ... والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) رواه مسلم ... " .
الشيخ : وأما الصبر فقال : إنه ضياء ، فيه نور لكن نور مع حرارة ، كما قال الله تعالى : (( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً )) فالضوء لابد فيه من حرارة ، وهكذا الصبر لابد فيه من حرارة وتعب ، لأن فيه مشقة كبيرة ولهذا كان أجره بغير حساب ، فالفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر : أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة لما في ذلك من التعب القلبي والبدني في بعض الأحيان ، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( والصدقة برهان ) : الصدقة يعني بذل المال تقربا إلى الله عز وجل للأهل والفقراء والمصالح العامة كبناء المساجد وغيرها هذا برهان ، برهان على أي شيء ؟ برهان على إيمان العبد ، وذلك أن المال محبوب إلى النفوس ، والنفوس شحيحة به ، فإذا بذله الإنسان لله ، فإن الإنسان لا يبذل ما يحب إلا لما هو أحب إليه منه ، فيكون في بذل المال لله عز وجل دليل على صدق الإيمان وصحته ، ولهذا تجد أكثر الناس إيمانا بالله عز وجل وبإخلافه تجدهم أكثرهم صدقة ، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( والقرآن حجة لك أو عليك ) : لأن القرآن هو حبل الله المتين ، وهو حجة الله على خلقه ، فإما أن يكون لك وذلك فيما إذا توصلت به إلى الله ، وقمت بواجب هذا القرآن العظيم من التصديق بالأخبار وامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتعظيم هذا القرآن الكريم واحترامه ، ففي هذه الحال يكون حجة لك ، أما إن كان الأمر بالعكس أَهنت القرآن وهجرته لفظا ومعنى وعملا ولم تقم بواجبه ، فإنه يكون عليك شاهدا عليك يوم القيامة ، ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مرتبة بين هاتين المرتبتين ، يعني لم يذكر أن القرآن لا لك ولا عليك ، لأنه لابد أن يكون إما لك وإما عليك على كل حال ، فنسأل الله أن يجعله لنا ولكم حجة نهتدي به في الدنيا وفي الآخرة إنه جواد كريم .
سبق الكلام على هذا الحديث إلا الجملة الأخيرة منه وهي قوله صلى الله عليه وسلم : ( كلُ الناس يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها ) : قوله عليه الصلاة والسلام : ( كل الناس يغدو ) يعني : كلُ الناس يبدأ يومه من الغدوة بالعمل ، وهذا شيء مشاهد فإن الله سبحانه وتعالى جعل الليل سكنا ، وقال : (( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ )) ، فهذا النوم الذي يكون في الليل هو وفاة صغرى ، تهدأ فيه الأعصاب ويستريح فيه البدن ويستجد نشاطه للعمل المقبل ، ويستريح مِن العمل الماضي فإذا كان الصباح وهو الغُدوة سار الناس واتجهوا كل لعمله ، فمنهم من يتجه إلى الخير وهم المسلمون ، ومنهم من يتجه إلى الشر وهم الكفار والعياذ بالله ، المسلم أول ما يغدو يتوضأ ويتطهر ، ( والطهور شطر الإيمان ) كما في هذا الحديث ، ثم يذهب فيصلي فيبدأ يومه بعبادة الله عز وجل ، بالطهارة والنقاء والصلاة التي هي صلة بين العبد وبين ربه ، فيفتتح يومه بهذا العمل الصالح ، بل يفتتحه بالتوحيد ، لأنه يُشرع للإنسان إذا استيقظ من نومه أن يذكر الله عز وجل ، وأن يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران : (( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )) إلى آخر السورة ، هذا المسلم ، هذا الذي يغدو في الحقيقة هو بائع نفسه ، لكن هل باعها بيعا يعتقها فيه ؟ نقول : نعم ، المسلم باعها بيعا يعتقها فيه ، ولهذا قال : ( فبائع نفسه فمعتقها ) هذا قسم ، ( أو موبقها ) يعني : معناه بائع نفسه فموبقها ، الكافر يغدو إلى العمل الذي فيه الهلاك ، لأن معنى أوبقها : أهلكها ، وذلك أن الكافر يبدأ يومه بمعصية الله ، حتى لو بدأ بالأكل والشرب فإن أكله وشربه يعاقبُ عليه يوم القيامة ، يحاسب عليه ، كل لقمة يرفعها الكافر إلى فمه فإنه يعاقب عليها ، وكل جغمة يبتلعها من الماء فإنه يعاقب عليها ، وكل لباس يلبسه فإنه يعاقَبُ عليه ، والدليل على هذا قوله تعالى : (( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )) للذين آمنوا لا لغيرهم (( خالصة يوم القيامة )) يعني ليس عليهم مِن شوائبها شيء يوم القيامة ، فمفهوم الآية الكريمة : (( قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) : أنها لغير المؤمنين حرام ، وأنها ليست خالصة لهم يوم القيامة ، وأنهم سيعاقبون عليها ، وقال الله تعالى في سورة المائدة ، وهي من آخر ما نزل ، والآية التي سقتها الآن في سورة الأنعام وهي مكية ، المائدة مدنية وهي مِن آخر ما نزل قال : (( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا )) فمفهوم الآية الكريمة أن على غير المؤمنين جناح فيما طعموه ، فالكافر من حين يصبح والعياذ بالله وهو بائع نفسه فيما يهلكها ، أما المؤمن فبائع نفسه فيما يعتقها وينجيها من النار ، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم .
في آخر هذا الحديث بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس ينقسمون إلى قسمين : قسم يكون القرآن حجة له كما قال : ( والقرآن حجة لك ) ، وقسم يكون القرآن حجة عليه كما قال : ( أو عليك ) وقسم يعتقون أنفسهم باعمالهم الصالحة ، وقسم يهلكونها بأعمالهم السيئة ، والله الموفق .