شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبه وابن حبه رضي الله عنهما قال ( أرسلت بنت النبي صلى الله عليه وسلم إن ابني قد احتضر فاشهدنا فأرسل يقرئ السلام ويقول ( إن لله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب ) ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما نقله عن أبي زيد ، أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهم ، وأسامة بن زيد كان ابن زيد بن حارثة ، وزيد بن حارثة كان مولىً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عبدا فأهدته إليه خديجة رضي الله عنها ، فأعتقه فصار مولى له ، وكان يلقب : بِحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حِب يعني الحبيب ، وابنه أيضا حِب ، فأسامة حِب وابن حِب رضي الله عنهما ، ذكر ( أن إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إليه رسولًا تقول له : إن ابنها قد احتضر ) يعني : حضره الموت وإنها تطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحضر ، فبلَّغ الرسولُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( مُرها فلتصبر ولتحتسب ، فإن لله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل شيء عنده بأجل مسمى ) : أمر النبيُ عليه الصلاة والسلام الرجلَ الذي أرسلته ابنتُه أن يأمر ابنتَه يعني أم هذا الطفل أم هذا الصبي بهذه الكلمات ، قال : ( فلتصبر ) يعني : تحبس نفسها عن السخط ، وتتحمل المصيبة ، ( ولتحتسب ) يعني : تحتسب الأجر على الله بصبرها ، لأن من الناس من يصبر ولا يحتسب ، يصبر على المصيبة ولا يتضجر لكنه ما يؤمل أجرها على الله ، فيفوته بذلك خير كثير ، لكن إذا صبر واحتسب الأجر يعني : أراد بصبره أن يثيبه الله ويأجره ، فهذا هو الاحتساب .
( مرها فلتصبر ) يعني على هذه المصيبة ، ولتحتسب أجرها على الله عز وجل ، ( فإن لله ما أخذ وله ما أعطى ) : هذه الجملة عظيمة ، إذا كان الشيء كله لله إن أخذ منك شيئا فهو ملكه ، وإن أعطاك شيئا فهو ملكه ، فكيف تسخط إذا أخذ منك ما يملكه هو ، عليك إذا أخذ الله منك شيئا محبوبا لك أن تقول : هذا لله ، له أن يأخذ ما شاء وأن يعطي ما شاء ، ولهذا كان يسن للإنسان إذا أصيب بمصيبة أن يقول : إن لله وإنا إليه راجعون ، يعني نحن ملك لله يفعل بنا ما شاء ، كذلك ما نحبه إذا أخذه من بين أيدينا فهو له عز وجل ، له ما أخذ وله ما أعطى ، حتى الذي يعطيك أنت لا تملكه هو لله ، ولهذا لا يمكن أن تتصرف فيه أي : فيما أعطاك الله ، إلا على الوجه الذي أذن لك فيه ، وهذا دليل على أن ملكنا لما يعطينا الله ملك قاصر ، ما نتصرف فيه تصرفا مطلقا ، لو أراد الإنسان أن يتصرف في ماله تصرفا مطلقا على وجه لم يأذن به الشرع قلنا له : أمسك لا يمكن ، لأن المال مال الله ، كما قال تعالى : ((وآتوهم من مال الله الذي آتاكم )) المال مال الله ما تتصرف فيه إلا على الوجه الذي أذن لك فيه ، ولهذا قال : ( لله ما أخذ وله ما أبقى ) : فإذا كان لله ما أخذ فكيف نجزع ؟ كيف نتسخط ؟! أن يأخذ المالك ما ملك سبحانه وتعالى هذا خلاف المعقول وخلاف المنقول .
قال : ( وكل شيء عنده بأجل مسمى ) : كل شيء عند الله بأجل مسمى ، كل شيء عند الله بمقدار ، كما قال تعالى في القرآن الكريم : (( وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ )) بمقدار في زمنه ومكانه وذاته وصفاته وكل شيء يتعلق به فهو عند الله مقدر ، كل شيء عنده بأجل مقدر ، بأجل مسمى يعني مسمى أي : معين ، فإذا أيقنت بهذا : أن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى ، اقتنعت ، وهذه الجملة الأخيرة يعني أن الإنسان لا يمكن أن يغير المكتوب المؤجل لا بتقديم ولا بتأخير ، (( لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ )) : فإذا كان الشيء مؤجلا لا يتقدم ولا يتأخر فلا فائدة من الجزع والتسخط ، لأنه وإن جزعت أو تسخطت لن تغير شيئا من المقدور .