شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال رضي الله عنهم فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي فأقعده في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال سعد يا رسول الله ما هذا فقال ( هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده ) وفي رواية ( في قلوب من شاء من عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ) متفق عليه ومعنى تقعقع تتحرك وتضطرب ... ".
الشيخ : ثم إن الرسول أبلغَ البنت بنتَ النبي صلى الله عليه وسلم ما أمره أن يبلغه إياها ، ولكنها أرسلت إليه تطلب أن يحضر ، فقام عليه الصلاة والسلام هو وجماعة من أصحابه ، وصل إليها ، ( فَرُفع إليه الصبي ونفسه تتقعقع ) : يعني تضطرب تصعد وتنزل ، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام دمعت عيناه فقال سعد بن عبادة ، وكان معه ، وكان هو سيد الخزرج ، يعني سيد القبيلة الكبيرة من الأنصار وهي الخزرج فقال : ( ما هذا ؟ ) : ظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم بكى جَزعا ما هذا ؟ كيف تبكي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذه رحمة ) : يعني بكيت رحمة بالصبي لا جزعا بالمقدور ، ثم قال عليه الصلاة والسلام : ( إنما يرحمُ الله من عباده الرحماء ) : ففي هذا دليل على جواز البكاء رحمة بالمصاب ، إذا رأيت مُصابا في عقله أو بدنه فبكيت رحمةً به فهذا دليل على أن الله تعالى جعل في قلبك رحمة ، وإذا جعل الله في قلب الإنسان رحمة كان من الرحماء الذين يرحمهم الله عز وجل ، نسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته .
الطالب : آمين .
الشيخ : المهم أن في هذا الحديث دليل على وجوب الصبر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مُرها فلتصبر ولتحتسب ) .
وفيه دليل أيضا على أن هذه الصيغة من العزاء أفضل صيغة ، أفضل من قول بعض الناس : أعظم الله أجرك وأحسن عزاك وغفر لميتك ، هذه صيغة اختارها بعض العلماء ، لكن الصيغة التي اختارها الرسول عليه الصلاة والسلام : ( اصبر واحتسب ، لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى ) ، هذه إذا سمعها المصاب اقتنع أكثر .
والتعزية في الحقيقة ليست تهنئة كما ظنها بعض العوام ، ليست تهنئة يُحتفل بها وتوضع لها الكراسي وتوقد لها الشموع ويحضر لها القراء والأطعمة ، لا ، التعزية تسلية وتقوية للمصاب أن يصبر ، ولهذا لو أن أحدا لم يصب بالمصيبة مثل لو مات له ابن عم ولم يهتم به ، فإنه لا يعزى ، التعزية ما هي تهنئة كأنه ولد له فإذا ولد له هنأناه ، التعزية تسلية وتقوية على الصبر ، ولهذا قال العلماء رحمهم الله : " تسن تعزية المصاب ولم يقولوا تسن تعزية القريب " ، لأن القريب قد لا يصاب بموت قريبه والبعيد يصاب لقوة صداقة بينهما مثلا ، فالتعزية للمصاب لا للقريب ، أما الآن مع الأسف فانقلبت الموازين ، وصارت التعزية للقريب ، حتى وإن كان قد فرح وضرب الطبول لموت قريبه فإنه يعزى ، يعني ربما يكون بعض الناس فقير ، وبينه وبين ابن عمه مشاكل كثيرة ومات ابن عمه وله ملايين الدراهم ، هل يفرح إذا مات ابن عمه في مثل هذه الحال أو يصاب ؟
غالبا يفرح ، يقول : الحمد لله الذي فكني من مشاكله وورثني ماله ، هذا لا يعزى ، كيف يعزى ؟! هذا يهنأ لو أردنا أن نقول شيئا .
المهم أنه يجب أن نعلم أن التعازي إنما هي لتقوية المصاب على الصبر ، وتسليته ، فيُختار لها من الكلمات أفضل ما يكون وأقرب ما يكون للتعزية ، ولا أحسنَ من الكلمات التي صاغها نبينا صلى الله عليه وسلم ، والله الموفق .