شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله تعالى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله تعالى فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به قال ما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل بسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهماً من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال بسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع في صدغه فوضع يده في صدغه فمات فقال الناس آمنا برب الغلام ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
في بقية هذا الحديث الطويل في قصة الغلام : لما قتل الملك الراهبَ ، وقتل جليسه ، جيء بالغلام فطُلب منه أن يرجع عن دينه إلى دين الملك ، ودين الملك دين شرك ، لأنه والعياذ بالله يدعو الناس إلى عبادته وتأليهه ، أبى الغلام أن يرجع ، فدفعه الملك إلى نفر مِن أصحابه ، يعني جماعة من الناس وقال لهم : ( اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا ) : جبل معروف عندهم شاهق رفيع ، ( فإذا بلغتم ذروته فاطرحوه ) يعني : اطرحوه على الأرض ، ليقع من رأس الجبل فيموت ، يقول : بعد أن تعرضوا عليه أن يرجع عن دينه ، ( فإن رجع وإلا فاطرحوه ، فلما بلغوا به قمة الجبل طلبوا منه أن يرجع عن دينه فأبى ) : لأن الإيمان قد وقر في قلبه ، ولا يمكن أن يتحول أو يتحلحل ، فلما هموا أن يطرحوه قال : ( اللهم اكفنيهم بما شئت ) دعوة مضطر مؤمن ، ( اللهم اكفنيهم بما شئت ) : بالذي تشاء ولم يعين ، ( فرجف الله بهم الجبل فسقطوا ) وهلكوا ، ( وجاء الغلام إلى الملك فقال : ما الذي جاء بك ، أين أصحابك ؟ فقال : قد كفانيهم الله عز وجل ، ثم دفعه إلى نفر آخر : جماعة آخرين وأمرهم أن يركبوا البحر في قرقور ) يعني سفينة ، ( فإذا بلغوا لجة البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه فإن لم يفعل رموه في البحر ، فلما توسطوا مِن البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه ، عن الإيمان بالله عز وجل فقال : لا ، أبى ثم قال : اللهم اكفنيهم بما شئت ، فانقلبت السفينة وغرقوا وأنجاه الله ، ثم جاء إلى الملك فقال : أين أصحابك ؟ فأخبره بالخبر ، ثم قال له : إنك لست قاتلي حتى تفعل ما آمرك به ، قال : وما هو ؟ قال : تجمع الناس في صعيد واحد ) : كل أهل البلد تجمعهم في مكان واحد صعيد ، ( ثم تصلبني على جذع ، ثم تأخذ سهما من كنانتي ، فتضعه في كبد القوس ثم ترميني به وتقول : بسم الله رب الغلام ، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني ، فجمع الملك ، جمع الناس في صعيد واحد ، وصلب الغلام ، وأخذ سهما من كنانته ، فوضعها في كبد القوس ثم رماه وقال : بسم الله رب الغلام ، ثم رماه فأصابه السهم في صُدغه فوضع يده عليه ومات ، فأصبح الناس يقولون : بسم الله رب الغلام ) ، وآمنوا بالله ، وكفروا بالملك ، وهذا هو الذي كان يريده هذا الغلام . ففي هذه القطعة من الحديث دليل على مسائل :
أولاً : على قوة إيمان هذا الغلام ، وأنه لم يتزحزح عن إيمانه ، ولم يتحول ، وفيه آية من آيات الله حيث أكرمه الله عز وجل في قبول دعوته ، فزلزل الجبل بالقوم الذين يريدون أن يطرحوه من رأس الجبل ، حتى سقط ، وفيه أن الله عز وجل يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ، فإذا دعا الإنسان ربه في حال ضرورة موقنا أن الله يجيبه فإن الله تعالى يجيبه ، حتى الكفار إذا دعوا الله في حال الضرورة أجابهم الله مع أنه يعلم أنهم سيرجعون إلى الكفر ، إذا غشيهم موج كالظلل في البحر دعوا الله مخلصين له الدين ، فإذا نجاهم أشركوا ، فينجيهم لأنهم صدقوا في الرجوع إلى الله تعالى عند دعائهم ، وهو سبحانه وتعالى يجيب المضطر ولو كان كافرا .
وفيه مِن الفوائد أيضًا : أن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامة للمسلمين ، فإن هذا الغلام دل الملك على أمر يقتله به ، ويُهلك به نفسه ، وهو أن يأخذ سهما من كنانته ويضعه في كبد القوس ويقول : بسم الله رب الغلام ، قال شيخ الإسلام : " لأن هذا جهاد في سبيل الله " : آمن أمة ، آمنت أمة وهو لم يفتقد شيئا ، لأنه مات وسيموت إن عاجلا أو آجلا .
فأما ما يفعله بعض الناس مِن الانتحار بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدم بها إلى الكفار ، ثم يفجرها إذا كان بينهم ، فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله ، ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم ، أبد الآبدين ، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام ، لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام ، لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مئة أو مئتين لم ينتفع الإسلام بذلك ، لم يُسلم الناس ، بخلاف قصة الغلام فإن فيها إسلام كثير ، كل الذين حضروا في هذا الصعيد أسلموا ، أما أن يموت عشرة أو عشرون أو مئة أو مئتان مِن العدو فهذا لا يقتضي أن يُسلم الناس ، بل ربما يتعنت العدو أكثر ويوغر صدرَه هذا العمل حتى يفتك بالمسلمين أشد فتكا ، كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين ، فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات وقتل ستة أو سبعة أخذوا مِن جراء ذلك ستين نفرا .