شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... فأتي الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم فيها النيران وقال من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق رواه مسلم . ذروة الجبل أعلاه وهي بكسر الذال المعجمة وضمها والقرقور بضم القافين نوع من السفن والصعيد هنا الأرض البارزة والأخدود الشقوق في الأرض كالنهر الصغير وأضرم أوقد وانكفأت أي انقلبت وتقاعست توقفت وجبنت . ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
في خاتمة هذا الحديث العظيم الذي فيه العبرة لمن اعتبر ، فيه أنَّ الملك الكافر الذي يدعو الناس إلى عبادته لما آمن الناس ، وقالوا : آمنا بالله رب الغلام ، جاءه أهل الشر وأهل الحقد على الإيمان وأهله ، وقالوا له : أيها الملك إنه وقع ما كنت تحذر منه ، وهو الإيمان بالله ، وكان يحذر من ذلك لأنه والعياذ بالله قد جعل نفسه إلها ، كما فعل فرعون ، وكان ملكا طاغيا ظالما ، فأمر بالأخدود على أفواه السكك فخُدت ، الأخدود يعني : حفر عميقة مثل السواقي ، على أفواه السكك يعني : على أطراف الأزقة والشوارع ، وقال لجنوده : ( مَن جاء ولم يرجع عن دينه فأقمحوه فيها ) : لأنه أضرم فيها النيران والعياذ بالله ، فكان الناس يأتون ولكنهم لا يرتدون عن دينهم وإيمانهم ، فيقحمونه في النار ، كل من لم يرجع عن دينه الحقيقي وهو الإيمان بالله قذفوه في النار ، ولكنهم إذا قذفوه في النار واحترقوا بها فإنهم ينتقلون من دار الغرور والبوار إلى دار النعيم والاستقرار ، لأن الملائكة تتوفاهم طيبين ، يقولون : سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعلمون ، ولا أعظم من هذا الصبر أن يرى الإنسان النار تتأجج فيقتحم فيها خوفا على إيمانه وصبرا عليه .
( فجاءت امرأة ومعها صبي ، صبي رضيع ، فلما رأت النيران كأنها تقاعست أن تقتحم النار هي وطفلها ، فقال لها الطفل : يا أماه اصبري فإنك على الحق ) ، يقول وهو صغير ما يتكلم ، لكن أنطقه الله الذي أنطق كل شيء ، وهو كرامة لهذه الأم ، أن الله أنطق ابنها من أجل أن تقوى على أن تقتحم النار ، وتبقى على إيمانها ، لأن تكلم هذا الصبي في المهد آية عظيمة ، وقد شهد هذا الصبي بأن أمه على الحق فصبرت واقتحمت النار ، وهذا مِن آيات الله ، وهو دليل على أن الله تعالى يُنَّجي الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء .