شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها ( أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد ) . رواه البخاري ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
نقل المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما نقله من الأحاديث الواردة في الصبر حديث عائشة ، وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه .
أما حديث عائشة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر : ( أن الطاعون رجز ) : يعني عذاب أرسله الله سبحانه وتعالى على من شاء من عباده ، والطاعون قيل : إنه وباء معين ، وقيل : إنه كل وباء عام يحل بالأرض فيصيب أهلها ويموت الناس منه ، وسواء كان معينا أم كل وباء عام مثل : الكوليرا وغيرها فإن هذا الطاعون رجز ، عذاب أرسله الله عز وجل ، ولكنه رحمة للمؤمن إذا نزل بأرضه وبقي فيها صابرا محتسبا ، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ، فإن الله تعالى يكتب له مثل أجر الشهيد ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أننا إذا سمعنا بالطاعون في أرض فإننا لا نقدم عليها ) : لأن الإقدام عليها إلقاء بالنفس إلى التهلكة ، ( ولكنه إذا وقع في أرض فإننا لا نخرج منها فراراً منه ) : لأنك مهما فررت مِن قدر الله إذا نزل بالأرض ، فإن هذا الفرار لن يغني عنك من الله شيئا ، واذكر القصة التي قصها الله علينا : (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ )) : ليبين لهم أنه لا مفر مِن قضاء الله إلا إلى الله ، خرجوا من ديارهم وهم ألوف ، قال بعض العلماء في تفسير الآية : " إنه نزل في الأرض وباء ، فخرجوا منها ، فقال الله لهم موتوا فماتوا ، ثم أحياهم حتى يتبين لهم أنه لا مفر من الله إلا إليه " .
ففي هذا الحديث حديث عائشة رضي الله عنه دليل على فضل الصبر والاحتساب ، وأن الإنسان إذا صبر نفسه في الأرض التي نزل فيها الطاعون ، ثم مات به ، كتب الله له مثل أجر الشهيد ، وذلك أن الإنسان إذا نزل الطاعون في أرضه فإن الحياة غالية عند الإنسان ، سوف يهرب يخاف من الطاعون ، فإذا صبر وبقي واحتسب الأجر وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له ، ثم مات به فإنه يكتب له مثل أجر الشهيد ، وهذا من نعمة الله عز وجل .