تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه فإن كان لا بد فاعلا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي ) متفق عليه ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
سبق الكلام على أول حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يتمنين أحد الموت لِضُرٍ نزل به ، فإن كان لا محالة فليقل : اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي ) : وذلك أن طلب الموت أو تمني الموت استعجال مِن الإنسان بأن يقطع الله حياته ، وربما يحرمه من خير كثير ، ربما يحرمه من التوبة وزيادة الأعمال الصالحة ، ولهذا جاء في الحديث : ( ما مِن ميت يموت إلا ندم ) : ما من ميت إلا ندم : أي ميت ، ( فإن كان محسناً ندم ألا يكون ازداد ، وإن كان مسيئا ندم ألا يكون استعتَب ) يعني : استعتب من ذنبه ، وطلب العتبى وهي المعذرة ، فإن قال قائل : كيف يقول : اللهم أحيني ما علمت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي ؟
نقول : نعم ، لأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما سيكون ، أما الإنسان فلا يعلم (( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ )) ، (( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً )) ، فأنت لا تدري قد تكون الحياة خيرا لك ، وقد تكون الوفاة خيرا لك ، ولهذا ينبغي للإنسان إذا دعا لشخص بطول العمر أن يقيد هذا فيقول : أطال الله بقاءك على طاعته ، حتى يكون في طول بقائه خير ، فإن قال قائل : إنه قد جاء تمني الموت مِن مريم ابنةِ عمران حيث قالت : (( يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً )) ، فكيف وقعت فيما فيه النهي ؟
فالجواب عن ذلك أن نقول : أولا : يجب أن نعلم : " أن شرع مَن قبلنا إذا ورد شرعنا بخلافه فليس بحجة " ، شرع من قبلنا إذا ورد شرعنا بخلافه فليس شرع من قبلنا بحجة ، لأن شرعنا نسخ لكل ما سبقه من الأديان ، ثانياً : أن مريم لم تتمن الموت ، لكنها تمنت الموت قبل هذه الفتنة ، ليست تريد أنها ماتت قبل ، يعني أنها تعجلت الموت ، ولكنها تمنت أنها ماتت قبل هذه الفتنة ولو بقيت ألف سنة ، المهم أن تموت بلا فتنة ، ومثل ذلك أيضا قول يوسف عليه الصلاة والسلام : (( أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ )) ، ليس معناه سؤال الله أن يتوفاه ، بل هو يسأل أن يتوفاه الله على الإسلام : (( تَوَفَّنِي مُسْلِماً )) ، وهذا لا بأس به ، لا بأس أن تقول : اللهم توفني على الإسلام ، على الإيمان ، على التوحيد ، على الإخلاص ، توفني وأنت راض عني وما أشبه ذلك ، فيجب معرفة الفرق بين شخص يتمنى الموت من ضيقة نزلت به ، وبين شخص يتمنى الموت على صفة معينة يرضاها الله عز وجل ، فالأول هو الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام ، والثاني جائز ، وإنما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت لضرٍ نزل به ، لأن من تمنى الموت لضرٍ نزل به ليس عنده صبر ، والواجب أن يصبر الإنسان على الضر ، وأن يحتسب الأجر من الله عز وجل ، فإن الضرر الذي يصيبه مِن هَمّ أو غم أو مرض أو أي شيء مكفر لسيئاتك ، فإن احتسبت الأجر كان رفعة لدرجاتك ، وهذا الذي ينال الإنسان مِن الأذى والمرض وغيره لا يدوم ، لابد أن ينتهي ، فإذا انتهى وأنت تكسب حسنات باحتساب الأجر على الله عز وجل ، ويكفر عنك من سيئاتك بسببه ، صار خيرا لك ، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ) : فالمؤمن على كل حال هو في خير ، في ضراء أو في سراء .