تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه وكان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً فقال عيينة لابن أخيه يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه فاستأذن فأذن له عمر فلما دخل قال هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يوقع به فقال له الحر يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم (( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين )) وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافاً عند كتاب الله تعالى رواه البخاري . ... " .
الشيخ : والجهل له معنيان : أحدهما عدم العلم بالشيء ، والثاني : السفه والتطاول ، ومنه قول الشاعر الجاهلي :
" ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا *** فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا " :
يعني لا يسفه أحد ويتطاول علينا فنكون أشد منه ، لكن هذا شعر جاهلي ، أما الأدب الإسلامي فإن الله تعالى يقول : (( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )) ، سبحان الله ! إنسان بينك وبينه عداوة أساء إليك ادفع بالتي هي أحسن ، فإذا دفعت بالتي هي أحسن ففورا يأتيك الثواب والجزاء : (( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )) أي : قريب صديق في غاية ما يكون من الصداقة والقرب ، الذي يقوله مَن ؟ هو الله عز وجل مقلب القلوب ، ما مِن قلب مِن قلوب بني آدم إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل ، يصرفه كيف يشاء ، فهذا الذي كان عدوا لك إذا دافعته بالتي هي أحسن فإنه ينقلب بدل العداوة صداقة ، صداقة كأنه ولي حميم ، فالحاصل أن هذه الآية الكريمة : (( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين )) : لما تليت على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف ، ولم يبطش بالرجل ، ولم يأخذه على جهله ، فينبغي لنا أيها الإخوة أنه إذا حصلت لنا مثل هذه الأمور الغضب والغيظ أن نتذكر كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مِن أجل أن نسير على هديه حتى لا نضل ، فإن من تمسك بهدى الله فإن الله يقول : (( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى )) ، والله الموفق .