شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... قال كعب : فلما بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي ، فطفقت أتذكر الكذب وأقول : بم أخرج من سخطه غدا ؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أظل قادما ، زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا ، فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعا وثمانين رجلا ، فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى ، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب. ثم قال : ( تعال ) ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : ( ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ ) قال : قلت : يا رسول الله ، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ؛ لقد أعطيت جدلا ، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ، وإن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله - عز وجل - والله ما كان لي من عذر ... " .
القارئ : قال المؤلف -رحمه الله- في سياق حديث كعب : " ( فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي ، فطفقت أتذكر الكذب ، وأقول : بم أخرج من سخطه غدا ؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي مِن أهلي ، فلما قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما ، زاح عني الباطل ، حتى عرفت أني لن أنجُ منه بشيء أبدا ، فأجمعت صدقه ، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعاً وثمانين رجلا ، فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى ، حتى جئت ، فلما سلمت تَبسَّم تبسُمَ المغضب . ثم قال : تعال ، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : ما خلَّفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ قال : قلت : يا رسول الله ، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ، لقد أُعطيتُ جدلا ، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ، وإن حدثتك حديث صدق تجدُ علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله عز وجل ) ".
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
نقل المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما بقي من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة تخلفه عن غزوة تبوك ، يقول رضي الله عنه : إنه لما بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع قافلا من الغزو بدأ يفكر ويشاور ، ماذا يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع ؟! يريد أن يتحدث بحديث وإن كان كذبا من أجل أن يعذره النبي صلى الله عليه وسلم فيه ، وجعل يشاور ذوي الرأي من أهله ماذا يقول ؟ ولكن يقول رضي الله عنه : فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ذهب عنه كلما جمعه مِن الباطل ، وعزم على أن يبين للنبي صلى الله عليه وسلم الحق ، يقول : ( فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ودخل المسجد وكان مِن عادته وسنته أنه إذا قدم بلده فأول ما يفعل أن يصلي في المسجد عليه الصلاة والسلام ، أول ما يفعل أن يصلي في المسجد ) ، وهكذا أمر جابر رضي الله عنه كما سأذكره إن شاء الله ، ( فدخل المسجد وصلى وجلس للناس ، فجاءه المخلَّفون الذين تخلفوا من غير عذر من المنافقين ، وجلعوا يحلفون له أنهم معذورون فيبايعهم ويستغفر لهم ) : ولكن ذلك لا يفيدهم والعياذ بالله ، لأن الله قال : (( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ )) ، يقول : ( أما أنا فعزمت أن أصدق النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبره بالصدق ، فدخلت المسجد فسلمت عليه فتبسم تبسُمَ المغضَب ) : يعني الذي غير راض عني ، ثم قال : ( تعال فدنوت منه ، فلما دنوت منه قال له : ما خلفك ؟ فقال رضي الله عنه : يا رسول الله إني لم أتخلف لعذر ، وما جمعت راحلتين قبل غزوتي هذه ، وإني لو جلست عند أحد من ملوك الدنيا لخرجت منه بعذر فلقد أوتيت جدلا ) يعني : لو أني جلست عند شخص من الملوك لعرفت كيف أتخلص منه ، لأن الله قد أعطاني جدلاً ، ( ولكنني لا أحدثك اليوم حديثا ترضى به عني ، فيوشك أن يسخط الله علي في ذلك ) : رضي الله عنه ، شوف الإيمان قال : ما يمكن أحدثك بالكذب ، لو حدثتك بالكذب ورضيت عني اليوم فإنه يوشك أن يسخط الله علي ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدق فأجله .
في هذا الحديث من الفوائد :
أولا : أن الله سبحانه وتعالى قد يمن على العبد فيعصمه من المعصية إذا علم من قلبه حسن النية ، فإن كعبا رضي الله عنه لما هم أن يُزَوِّر على النبي صلى الله عليه وسلم جلّ الله له ذلك عن قلبه ، وأزاحه عن قلبه ، وعزم على أن يصدق النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الفوائد : أنه ينبغي للإنسان إذا قدم بلده أن يعمد إلى المسجد قبل أن يدخل إلى بيته ، فيصلي فيه ركعتين ، لأن هذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية ، أما الفعلية فقد سمعتموها في حديث كعب هذا ، وأما القولية : ( فإن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حين باع على النبي صلى الله عليه وسلم جمله في أثناء الطريق ، واستثنى أن يركبه إلى المدينة ، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم شرطه ، فقدم جابر المدينة ، وقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم قبله ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يدخل المسجد فيصلي ركعتين ) : إذًا هذه -أعني صلاة ركعتين أول ما تقدم إلى بلدك- من سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية ، وما أظن أحدا من الناس اليوم إلا قليلا يستعمل هذه السنة ، ولكن لجهل الناس بها وإلا الأمر سهل والحمد لله ، وسواء صليت في مسجدك الذي كنت تصلي فيه القريب من بيتك ، أو صليت في أدنى مسجد من مساجد البلد الذي أنت فيه ، فإذا مثلا قدمت وصليت في أول مسجد على دربك وأنت داخل لبلدك في نفس البلد ، حصلت السنة .
وفي هذا من الفوائد ، في هذا الحديث من الفوائد : أن كعب بن مالك رضي الله عنه رجل قوي ، قوي الحجة ، فصيح ، لكن لتقواه وخوفه من الله امتنع أن يكذب ، وأخبر النبيَ صلى الله عليه وسلم بالحق .
ومن فوائده : أن الإنسان المغضب قد يتبسم فإذا قال قائل : كيف أعرف أن هذا تبسم رضا أو تبسم سخط ؟ قلنا : هذا يُعرف بالقرائن : بتلون الوجه وتغير الوجه ، فالإنسان يعرف أن هذا الرجل تبسم رضا بما صنع أو تبسم سخطا عليه .
ومن فوائد هذه القطعة من الحديث : أنه يجوز للإنسان أن يسلم قائما على القاعد ، لأن كعبًا سلم وهو قائم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( تعال ) .
ومن فوائد هذا الحديث أيضا : أن الكلام عن قرب أبلغ من الكلام عن بعد ، فإنه كان بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكلم كعب بن مالك ولو كان بعيدا عنه ، لكنه أمره أن يدنو منه لأن هذا أبلغ في الأخذ والرد والمعاتبة ، فلذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ادن ) .
ومن فوائد هذا الحديث أيضا : كمال يقين كعب بن مالك رضي الله عنه حيث قال : إنني أستطيع أن أخرج بعذر من الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولكن لا يمكن أن أخرج منه بعذر يعذرني فيه اليوم ثم يغضب الله علي فيه غدا .
وفيه أيضا : أن الله سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى ، فإن كعبا خاف أن يسمع اللهُ تعالى قوله ومحاورته للرسول صلى الله عليه وسلم ، فيُنزل الله فيه قرآنا كما أنزل في قصة المرأة المجادلة التي جاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام تشكو زوجها حين ظاهر منها ، فأنزل الله فيها آية من القرآن : (( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ )) ، والله الموفق .