شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ ، واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت أتأمم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لي : لتهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس حوله الناس ، فقام طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - يهرول حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره - فكان كعب لا ينساها لطلحة - .قال كعب : فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك ) فقلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : ( لا ، بل من عند الله - عز وجل - ) ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه ، فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . فقلت : إني أمسك سهمي الذي بخيبر . وقلت : يا رسول الله ، إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق ، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، فوالله ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني الله تعالى ، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا ، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي ، ... " .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما نقله من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحبيه الذين تَخلفوا عن غزوة تبوك ، وخُلفوا حتى يقضي الله في أمرهم ، سبق لنا أنه أن الله أنزل قرآنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل يبين فيه توبته عز وجل على الثلاثة خُلفوا وهم : كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع ، فلما سلم النبي عليه الصلاة والسلام من صلاة الصبح وجلس إلى أصحابه أخبرهم بتوبة الله عز وجل على الثلاثة ، وأنهم قد تاب الله عليهم ، وسبق لنا أن كعبا سمع صوتا من سَلْع يقول له : ( أبشر يا كعب بن مالك أبشر ، وركض إليه رجل بفرسه يبشره فكان الصوت أسرع من الفرس ، وأن كعبا رضي الله عنه أعطى ثوبيه لصاحب الصوت لبشراه الذي بشرها بها، وأنه أقبل إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الناس يتلقونه فوجا فوجا يهنئونه بتوبة الله عليه ، يقول : حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه فقام إليه -أي إلى كعب- طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ، فصافحه وهنأه بتوبة الله عليه يقول : والله ما قام إلي أحد من الأنصار رجل غير طلحة فكان لا ينساها له ) : حيث قام ولاقاه وصافحه وهنأه ، حتى وقف على النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا وجهه تَبرقُ أساريره لأنه عليه الصلاة والسلام سره أن يتوب الله على هؤلاء الثلاثة ، الذين صدقوا الله ورسوله ، وأخبروا بالصدق عن إيمان ، وحصل عليهم ما جرى من الأمر العظيم مِن هجر الناس لهم خمسين يوما حتى نساؤهم بعد أربعين يوما أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يعتزلهن ، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ) : وصدق النبي صلى الله عليه وسلم ، خير يوم مر على كعب منذ ولدته أمه هو ذلك اليوم الذي أنزل الله توبته عليه وعلى صاحبيه ، فيه في قرآن يُتلى تكلم به رب العالمين عز وجل وأنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ، محفوظا بواسطة جبريل ، ومحفوظا إلى يوم القيامة ولا يوجد أحد سوى الأنبياء أو من ذكرهم الله في القرآن حُفظت قصته كما حُفظت قصة كعب بن مالك وصاحبيه ، بقيت هذه القصة تتلى في كتاب الله في المحاريب وعلى المنابر وفي كل مكان ، ومن قرأ هذه القصة فله بكل حرف عشر حسنات ، فهذا اليوم لا شك أنه خير يوم مرَّ على كعب منذ ولدته أمه ، فقلت له : ( أَمِن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : من عند الله عز وجل ) ، لأن معلوم إذا كان من عند الله كان أشرف وأفضل وأعظم ، فقال : ( مِن عند الله عز وجل ) ، فقال كعب : ( إن من توبتي يا رسول الله أن أنخلع من مالي توبة إلى الله ورسوله ) ، ينخلع : يعني يتخلى عنه ويجعله صدقة إلى الله ورسوله شأنه وتدبيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك فأمسكه ) : ففي هذه القطعة مِن الحديث : فيها دليل على أن من السنة إذا أتى الإنسانَ ما يسره أن يهنأ به ، ويبشر به سواء كان خير دين أو خير دنيا ، ولهذا بشرت الملائكة إبراهيم بالغلام ، بغلام عليم وبغلام حليم ، الغلام الحليم إسماعيل ، والغلام العليم إسحاق ، بشرت الملائكة إبراهيم بهذين الغلامين .