شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة ) رواه الترمذي وقال حديث صحيح .
الشيخ : بسم الله الرحمن الرحيم :
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما نقله عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في باب الصدق ، قال : ( حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم : دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك ) دع : بمعنى اترك ، ويريبك : بفتح الياء أي تشك فيه ولا تطمئن إليه ، ( إلى ما لا يريبك ) يعني إلى الشيء الذي لا ريب فيه .
وهذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية ، حديث جامع مهم ، وهو باب عظيم من أبواب الورع والاحتياط ، وقد سلك أهل العلم -رحمهم الله- في أبواب الفقه سلكوا هذا المسلك : وهو الأخذ بجانب الاحتياط ، وذكروا لذلك أشياء كثيرة منها مثلا : إنسان أصاب ثوبه نجاسة ، ولا يدري هل هي في مقدم الثوب أو في مؤخره ، إن غسل المقدم صار عنده ريبة لاحتمال أن تكون في مؤخر الثوب ، وإن غسل المؤخر صار عنده ريبة لاحتمال أن تكون في مقدم الثوب ، فما هو الاحتياط ؟ الاحتياط أن يغسل مقدمه ومؤخره حتى تزول ريبته ويطمئن ، كذلك أيضا : لو شك الإنسان في صلاته هل صلى ركعتين أو ثلاث ركعات ، ولم يترجح عنده شيء ، فهنا إن أخذ بركعتين صار عنده ريبة ، فلعله نقص ، وإن أخذ بالثلاث صار عنده ريبة فلعله لم ينقص لكن يبقى قَلقا فماذا يعمل ؟ يعمل بما لا ريبة فيه ، فيعمل بالأقل فإذا شك هل هي ثلاثة أو أربعة ؟ فليجعلها ثلاثة ، هل هي ثلاث أو اثنتان ؟ فليجعلها اثنتين وهكذا .
المهم أن الحديث أصل من أصول الفقه : أن الشيء الذي تشك فيه اتركه إلى شيء لا شك فيه ، ثم إن فيه تربيةً نفسية وهي : أن الإنسان يكون في طمأنينة ليس في قلق ، لأن كثيرا من الناس إذا أخذ ما يشك فيه يكون عنده قلق إذا كان حي القلب ، يكون دائما يفكر يهوجس لعلي فعلت لعلي تركت ، فإذا قطع الشك باليقين زال عنه ذلك ، قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( فإن الصدق طمأنينة ) : وهذا وجه الشاهد من هذا الحديث لهذا الباب ، باب الصدق ، ( الصدق طمأنينة ) : لا يندم صاحبه أبدا ، إذا أخبر الإنسان بالصدق لا يندم ، ولا يقول : ليتني وليتني ، لأن الصدق منجاة ، والصادقون ينجيهم الله تعالى بصدقهم ، وتجد الصادق دائما مطمئنا ، لأنه لا يتأسف على شيء حصل أو شيء يحصل بالمستقبل ، لأنه قد صدق ، ومن صدق نجا أما الكذب فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه ريبة ، ولهذا تجد أول من يرتاب في الكاذب نفسُه ، نفس الكاذب يرتاب هل يصدقه الناس أو لا يصدقونه ، ولهذا تجد الكاذب إذا أخبرك بالخبر قام يحلف ، حلف بالله إنه لصدق لئلا ترتاب في خبره مع أنه محل ريبة ، فتجد المنافقون مثلا يحلفون بالله ما قالوا ولكن هم في ريبة ، قال الله تعالى : (( وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا )) فالكذب لا شك أنه ريبة ، قلق للإنسان ، يرتاب الإنسان هل علم الناس بكذبه أم لم يعلموا فلا يزال في شك واضطراب ، إذًا نأخذ من هذا الحديث : أنه يجب على الإنسان أن يدع الكذب إلى الصدق ، لأن الكذب ريبة ، والصدق طمأنينة ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك ) ، والله الموفق .