ذكر قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون .
الشيخ : أما فرعون وما أدراك ما فرعون ! فهو ذلك الرجل الجبار المتكبر الذي طغى وأنكر الله عز وجل وقال لموسى : (( ما ربُّ العالمين )) ، وقال لقومه : (( ما لكم من إله غيري )) نعوذ بالله وقال لهامان وزيره : (( ابْنِ لِي صَرْحاً )) يعني : بناء عاليا ، (( لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى )) يقوله تهكما والعياذ بالله ، (( وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً )) وكذب في قوله : (( وإني لأظنه كاذبا )) ، لأنه يعلم أنه صادق ، كما قال الله تعالى في مناظرته مع موسى ، قال له موسى : (( لقد علمت )) ، (( لقد علمت )) التاء هذه لإيش ؟ للخطاب مفتوحة (( لقد علمت )) يا فرعون (( مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً )) ، ما أنكر ما قال : ما علمت ، سكت في مقام التحدي ، والسكوت في مقام التحدي والمناظرة يدل على الانقطاع وعدم الجواب ، وقال الله تعالى عنه عن قومه : (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً )) : فهم والعياذ بالله فرعون وجنوده يعلمون أن موسى صادق ، لكنهم مستكبرون جاحدون ، ماذا حصل ؟
حصل له والعياذ بالله هزائم ، هزائم أعظمها الهزيمة التي حصلت للسحرة ، جمع جميع السحرة في بلاده باتفاق مع موسى عليه الصلاة والسلام ، وموسى هو الذي عَين الموعد ، شوف موسى أمام فرعون هو الذي عين الموعد ، مع أن موسى أمام فرعون يعتبر ضعيفا لولا أن الله نصره وأيده ، قال له موسى : (( موعدكم يومُ الزينة وأن يحشر الناس ضحى )) يوم الزينة يعني : يوم العيد لأن الناس يتزينون فيه يلبسون الزينة ، (( وأن يحشر الناس )) يجمعون (( ضحى )) : ما هو في ليل في خفاء ، ضحى ، جمع فرعون جميع ما عنده من السحرة من عظماء السحرة وكبارهم ، واجتمعوا بموسى عليه الصلاة والسلام وألقوا حبالهم وعصيهم ، الحبال معروفة والعصي معروفة ، ألقوها في الأرض فصارت الأرض كلها ثعابين حيات تمشي ، أرهبت الناس كلهم حتى موسى أوجس في نفسه خيفة ، فأيده الله وقال : (( لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ )) : ألقى ما في يمينه عصا واحد ، عصا واحد فقط : (( فإذا هي تلقف ما يأفكون )) ، كل الحبال والعصي أكلتها هذه العصا سبحان الله العظيم ، وتعجب أين ذهبت ، العصا ما هي كبيرة حتى تأكل كل هذ الدنيا لكن الله عز وجل على كل شيء قدير ، التهمت الحبال والعصي ، وكان السحرة أعلم الناس بالسحر بلا شك ، عرفوا أن الذي حصل لموسى أو حصل من عصا موسى ليس بسحر ، وأنه آية من آيات الله عز وجل ، فألقي السحرة ساجدين ، وانظر إلى كلمة : ألقي ، كأن هذا السجود صار اندفاعا بلا شعور ،ما قال : سجدوا ، أُلقوا ساجدين ، كأنه من شدة ما رأوا اندفعوا بدون شعور واختيار ، حتى سجدوا مؤمنين بالله ورسوله ، (( قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ )) توعدهم فرعون واتهمهم ، وهو الذي جاء بهم ، قال : (( إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ )) : سبحان الله علمهم السحر وأنت الذي جايبهم ، لكن المكابرة والعياذ بالله تجعل المرء يتكلم بلا عقل ، قال : (( لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ )) : أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، (( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى )) ، ما الذي قالوا له ؟ (( قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَات )) : ما يمكن نقدمك على ما رأينا من البينات ، أنت كذاب لست برب ، الرب ربُ موسى وهارون (( لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ )) : شوف الإيمان إذا دخل القلوب ، رخُصت عليهم الدنيا كلها : (( اقض ما أنت قاض )) سو الذي تريد ، (( إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا )) : إذا قضيت علينا نفارق الدنيا ، (( إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ )) : لأنه مكرههم يجون ، يقابلون موسى ، (( وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى )) ، اللهم اجعلنا من المؤمنين الموقنين .
الإيمان إذا دخل القلب واليقين إذا دخل القلب لا يفتته شيء ، وإلا فهم جنود فرعون ، كانوا في أول النهار سحرة كفرة ، وفي آخر النهار مؤمنين بررة يتحدون فرعون ، يتحدونه لِما دخل في قلبهم من الإيمان ، هذه هزيمة نكراء على فرعون لكن مع ذلك ما زال في طغيانه .
في النهاية جمع الناس على أنه سيقضي على موسى ، فخرج موسى في قومه هَرَبًا منه ، متجها بأمر الله إلى البحر الأحمر ، يسمى بحر القُلزُم متجها إليه مشرقا ، تكون مصر إيش ؟ خلفه غربًا ، اتجه ، لما وصل إلى البحر وإذا فرعون بجنوده العظيمة وجحافله القوية خلفهم والبحر أمامهم ، (( قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ )) : البحر أمامنا وفرعون وجنوده خلفنا ، أين نفر ؟! قال : (( كلا )) سبحان الله !! كلا لن تدركوا ، (( قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ )) ، اللهم صل وسلم عليه ، هكذا يقين الرسل عليهم الصلاة والسلام في المقامات الحرجة الصعبة تجد عندهم من اليقين ما يجعل الأمر العسير بل الذي يُظن أنه متعذر أمرًا يسرًا سهلا : (( إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ )) فلما فوض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى ، أوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر ، البحر الأحمر ، فضرب البحر بعصاه ضربة واحدة فانفلق البحر اثني عشر طريقا ، لأن بني إسرائيل كانوا اثني عشر قبيلة ، اثني عشر سِبطا : السبط بمعنى القبيلة عند العرب ، لا إله إلا لله ، هذا البحر صار طرقا اثني عشر طريقا ، وكم بقي من مدة من أجل أن ييبس ؟ بلحظة ، يَبس بلحظة (( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى )) : فعبر موسى بقومه في أمن وأمان ، الماء بين هذه الطرق مثل الجبال ، كأنه جبل واقف ، وأنتم تعلمون أن الماء جوهر سيال ، لكنه بأمر الله صار واقفا كالجبال ، حتى إن بعض العلماء قال : " إن الله سبحانه وتعالى جعل في كل طود من هذه المياه ، جعل فيها فرجة حتى ينظر بنو إسرائيل بعضهم إلى بعض ، لئلا يظنوا أن أصحابهم قد هلكوا وغرقوا " ، من أجل أن يطمئنوا ، فلما انتهى موسى وقومه خارجين ، دخل فرعون وقومه فلما تكاملوا أمر الله البحر أن يعود على حاله ، فانطبق عليهم ، وكان بنو إسرائيل من شدة خوفهم مِن فرعون وقع في نفوسهم أن فرعون لم يغرق ، فأظهر الله جسد فرعون على سطح الماء قال : (( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً )) : حتى شاهدوه بأعينهم واطمأنوا أن الرجل قد هلك ، فتأمل يا أخي هؤلاء الأمم الثلاثة الذين هم في غاية الطغيان كيف أخذهم الله عز وجل وكان لهم بالمرصاد ، وكيف أهلكوا بمثلما يفتخرون به ، عاد قالوا : من أشد منا قوة أهلكوا بماذا ؟ بالريح لطيفة سهلة .
قوم صالح أهلكوا بالرجفة والصيحة .
فرعون أهلك بالماء بالغرق ، وكان يفتخر بالماء يقول لقومه : (( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ )) يعني موسى (( وَلا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ )) فأغرقه الله تعالى بالماء ، فهذه جملة ما تشير إليه هذه الآية الكريمة : (( إن ربك لبالمرصاد )) ، واسمحوا لنا إن أطلنا عليكم ، لأن المقام يقتضي ذلك ، والله أعلم .