تتمة شرح قول الإمام النووي رحمه الله تعالى فيما نقله : " ... وتقيم الصلاة ... " . وفيه ذكر شرط استقبال القبلة .
الشيخ : في هذه الجلسة نتكلم عن استقبال القبلة ، فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به ، لأن الله تعالى أمر به ، وكرر الأمر به في أول الجزء الثاني مِن القرآن الكريم ، قال تعالى : (( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ )) أي : جهته ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أول ما قدم المدينة كان يصلي إلى بيت المقدس ، فيجعل الكعبة خلف ظهره ، والشام قبل وجهه ، ولكنه بعد ذلك ترقَّب أن الله سبحانه وتعالى يشرع له خلاف ذلك ، فجعل يُقلب وجهه في السماء ، ينتظر متى ينزل عليه جبريل بالوحي في استقبال غير بيت المقدس (( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فلنولينَّك قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ )) : فأمره الله عز وجل أن يستقبل شطر المسجد الحرام أي جهته ، إلا أنه يُستثنى من ذلك ثلاث مسائل :
المسألة الأولى : إذا كان عاجزا ، كمريض وجهه إلى غير القبلة ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة ، فإن استقبال القبلة يَسقط عنه في هذه الحال ، لقوله تعالى : (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )) ، وقوله تعالى : (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا )) ، وقول النبي صلي الله عليه مسلم : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) .
الثانية : إذا كان في شدة الخوف ، كإنسان هارب من عدو أو هارب من سبع أو هارب من نار أو هارب من وادي يغرقه ، المهم أنه في شدة خوف ، فهنا يصلي حيث كان وجهه ، ودليل ذلك : قوله تعالى : (( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ )) ، فإن قوله : (( فإن خفتم )) عام يشمل أي خوف ، وقوله : (( فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ )) : يدل على أنَّ أيَّ ذكر تركه الإنسان من أجل الخوف فلا حرج عليه فيه ، ومن ذلك استقبال القبلة ، ويدل عليه أيضا ما سبق من الآيتين الكريمتين والحديث النبوي : في أن الوجوب معلق بالاستطاعة .
الثالث : في النافلة في السفر ، إذا كان الإنسان في سفر سواء كان على طائرة أو على سيارة أو على بعير ، فإنه يصلي حيث كان وجهه في صلاة النفل ، الوتر صلاة الليل صلاة الضحى وما أشبه ذلك ، والمسافر ينبغي له أن يتنفل بجميع النوافل كالمقيم سواءً إلا في الرواتب ، راتبة الظهر والمغرب والعشاء فالسنة تركها ، وما عدا ذلك من النوافل فإنه باق على مشروعيته للمسافر ، كما هو مشروع للمقيم .
فإذا أراد أن يتنفل وهو على سيارته أو على طيارته أو على بعيره أو على حماره فإنه يتنفل حيث كان وجهه ، لأن ذلك هو الثابت في * الصحيحين * عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فهذه ثلاث مسائل لا يجب فيها استقبال القبلة ، أما الجاهل فيجب عليه أن يستقبل القبلة ، لكن إذا اجتهد وتحرى ثم تبين له الخطأ بعد الاجتهاد فإنه لا إعادة عليه ، ولا نقول إنه يسقط عنه الاستقبال ، لا ، يجب عليه الاستقبال ويتحرى بقدر استطاعته فإذا تحرى بقدر الاستطاعة ثم تبين له الخطأ فإنه لا يعيد صلاته ، ودليل ذلك أن الصحابة الذين لم يعلموا بتحويل القبلة إلى الكعبة ، كانوا يصلون ذات يوم صلاة الفجر في مسجد قباء ، فجاءهم رجل فقال : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه قرآن ، وأُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبِلوها ، فاستداروا ) : استداروا بعد أن كانت الكعبة وراءهم جعلوها أمامهم ، استداروا وبقوا في صلاتهم ، وهذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن إنكارٌ له ، فيكون ذلك مشروعا ، يعني أن الإنسان إذا أخطأ في القبلة جهلا فإنه ليس عليه إعادة ، ولكن إذا تبين له ولو في أثناء الصلاة وجب عليه أن يستقيم إلى القبلة .
فلو فرض أن شخصا شرع يصلي إلى غير القبلة يظن أنها القبلة ، فجاءه إنسان فقال : إن القبلة على يمينك أو يسارك وجب عليه أن يستدير على اليمين أو على اليسار ، ولا يلزمه أن يستأنف الصلاة ، لأن أولها كان عن اجتهاد وعن وجه شرعي ، فلا يبطل ، فهذا استقبال القبلة إذًا شرط من شروط الصلاة ، لا تصح الصلاة إلا به ، إلا في المواضع الثلاثة التي ذكرناها ، وإلا إذا أخطأ الإنسان بعد الاجتهاد والتحري ، وهنا ينبغي بل يجب على من نزل على شخص ضيفا ، وأراد أن يتنفل أن يسأل عن القبلة ، يسأل صاحب البيت يقول : أين القبلة ؟ فإذا أخبره اتجه إليها ، لأن بعض الناس تأخذه العزة بالإثم ، ويمنعه الحياء وهو في غير محله ، يعني حياء في غير محله أن يمنعه من السؤال عن القبلة .