و سبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة ، التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين ، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر ، و كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى ، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ و تفويض المعنى ـ و هي التي يسمونها طريقة السلف ـ و بين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف ـ و هي التي يسمونها طريقة الخلف ـ فصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل و الكفر بالسمع . فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات و هي شبهات و السمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه . فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين : كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين و استبلاههم ، و اعتقاد أنهم كانوا قوما أميين ، بمنزلة الصالحين من العامة ، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ، و لم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي ، و أن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله . ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة ؛ بل في غاية الضلالة ، كيف يكون هؤلاء المتأخرين لا سيما و الإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم ، و غلط [ في نسخة القارئ : غلظ ] عن معرفة الله حجابهم ، و أخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه أمرهم [ في نسخة القارئ : من مرامهم ] حيث يقول : لعمري لقد طفت المعاهد كلهــا و سيرت طرفي بين تلك المعـــالم فلم أر إلا واضعا كف حائـــر على ذقن أو قارعا سن نــــادم و أقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم : نهاية إقدام العقول عقـــــال و أكثر سعي العالمين ضــــلال و أرواحنا في وحـشة من جسومنا و حاصل دنيانا أذى و وبــــال و لم نستفد من بحثنا طول عمرنـا سوى أن جمعنا فيه قيل و قـــالوا