و القول الفاصل : هو ما عليه الأمة الوسط ، من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ، و يختص به ، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم ، و على كل شيء قدير ، و أنه سميع بصير ، و نحو ذلك ، و لا يجوز أن يثبت للعلم و القدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين و قدرتهم ؛ فكذلك هو سبحانه فوق العرش ، و لا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق و لوازمها . و العلم أنه ليس في العقل الصريح و لا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلا ، لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق ، فمن كان في قلبه شبهة و أحب حلها فذلك سهل يسير . ثم المخالفون للكتاب و السنة و سلف الأمة ـ من المتأولين لهذا الباب ـ في أمر مريج فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها ، و أنه مضطر فيها إلى التأويل ، و من يحيل أن لله علما و قدرة ، و أن يكون كلامه غير مخلوق و نحو ذلك يقول : إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل ، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد و الأكل و الشرب الحقيقي في الجنة ، يزعم أن العقل أحال ذلك و أنه مضطر إلى التأويل ، و من يزعم أن الله ليس فوق العرش ، يزعم أن العقل أحال ذلك و أنه مضطر إلى التأويل . و يكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل ، بل منهم من يزعم أن العقل جوز و أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله ، فياليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب و السنة ؟! فرضي الله عن الإمام مالك ابن أنس حيث قال : " أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه و سلم لجدل هؤلاء " . و كل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر ، و هو من وجوه : أحدها : بيان أن العقل لا يحيل ذلك . و الثاني : أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل . و الثالث : أن عامة هذه الأمور قد علم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جاء بها بالاضطرار ، كما أنه جاء بالصلوات الخمس ، و صوم شهر رمضان ، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويل القرامطة و الباطنية ، في الحج و الصلاة و الصوم و سائر ما جاءت به النبوات . الرابع : أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص ، و إن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل ، و إنما يعلمه مجملا إلى غير ذلك من الوجوه ، على أن الوجوه الأساطين من هؤلاء الفحول ، معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية . و إذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه ، و من المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه و سلم بالهدى و دين الحق ، ليظهره على الدين كله و كفى بالله شهيدا ، و أنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله و اليوم الآخر .