و اعلم ـ رحمك الله ـ أن كل ما توهمه قلبك ، أو سنح في مجاري فكرك ، أو خطر في معارضات قلبك ، من حسن أو بهاء ، أو ضياء أو إشراق أو جمال ، أو سنح مسائل أو شخص متمثل : فالله تعالى بغير ذلك ، بل هو تعالى أعظم و أجل و أكبر ، ألا تسمع لقوله : (ليس كمثله شيء) [الشورى : 11] . و قوله : (و لم يكن له كفوا أحد) [الإخلاص : 4] . أي لا شبيه و لا نظير و لا مساوي و لا مثل ، أولم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته و شامخ سلطانه ؟ فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك ، كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك ، فرد بما بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه و المثل ، و النظير ، و الكفء . فإن اعتصمت بها وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب ـ تعالى و تقدس ـ في كتابه و سنة رسوله محمد صلى الله عليه و سلم ، فقال لك : إذا كان موصوفا بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه ؛ لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك و يغويك ، و يدخلك في صفات الملحدين الزائغين ، الجاحدين لصفة الرب تعالى . و اعلم ـ رحمك الله تعالى ـ أن الله تعالى واحد ، لا كالآحاد ، فرد صمد ، لم يلد و لم يولد ، و لم يكن له كفوا أحد " . إلى أن قال : " خلصت له الأسماء السنية ، فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق ، لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليا و اسما كان منه بريا ـ تبارك و تعالى ـ فكان هاديا سيهدي ، و خالقا سيخلق ، و رازقا سيرزق ، و غافرا سيغفر ، و فاعلا سيفعل ، و لم يحدث له الاستواء إلا و قد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل ، فهو يسمى به في جملة فعله . كذلك قال الله تعالى : (و جاء ربك و الملك صفا صفا) [الفجر : 22] . بمعنى أنه سيجيء ، فلم يستحدث الاسم بالمجيء ، و تخلف الفعل لوقت المجيء ، فهو جاء سيجيء ، و يكون المجيء منه موجودا بصفة لا تلحقه الكيفية و لا التشبيه ؛ لأن ذلك فعل الربوبية ، فيستحسر العقل ، و تنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود ، فلا تذهب في أحد الجانبين ، لا معطلا و لا مشبها ، و ارض لله بما رضي به لنفسه ، وقف عند خبره لنفسه مسلما ، مستسلما ، مصدقا ، بلا مباحثة التنفير و لا مناسبة التنقير " .