فهذا و غيره مثل قوله : (تعرج الملائكة و الروح إليه) [المعارج : 4] . (إليه يصعد الكلم الطيب) [فاطر : 10] . هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش ، فوق الأشياء كلها ، منزه عن الدخول في خلقه ، لا يخفى عليه منهم خافية ، لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده ؛ لأنه قال : (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) [الملك : 16] . يعني : فوق العرش ، و العرش على السماء ؛ لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء ، و قد قال مثل ذلك في قوله : (فسيحوا في الأرض) [التوبة : 2] . يعني على الأرض ، لا يريد الدخول في جوفها ، و كذلك قوله : (يتيهون في الأرض) [المائدة : 26] . يعني : على الأرض ، لا يريد الدخول في جوفها ، و كذلك قوله : (و لأصلبنكم في جذوع النخل) [طه :71] . يعني : فوقها عليها . و قال : (أأمنم من في السماء) [الملك : 16] . ثم فصل فقال : (أن يخسف بكم الأرض) [الملك : 16] . و لم يصل ، فلم يكن لذلك معنى ـ إذا فصل قوله : (من في السماء) [الملك : 16] . ثم استأنف التخويف بالخسف ـ إلا أنه على عرشه فوق السماء . و قال تعالى : (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) [السجدة : 5] . و قال : (تعرج الملائكة و الروح إليه) [المعارج : 4] . فبين عروج الأمر و عروج الملائكة ، ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه فقال : (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) [المعارج : 4] . فقال : صعودها إليه ، و فصله من قوله : (إليه) . كقول القائل : اصعد إلى فلان في ليلة أو يوم ، و ذلك أنه في العلو و إن صعودك إليه في يوم ، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل ، و إن صعودك إيه في يوم ، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل ، و إن كانوا لم يروه و لم يساووه في الارتفاع في علوه فإنهم صعدوا من الأرض ، و عرجوا بالأمر إلى العلو ، قال تعالى (بل رفعه الله إليه) [النساء : 158] . و لم يقل : عنده . و قال فرعون : (يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى) [غافر : 36-37] . ثم استأنف الكلام فقال : (و إني لأظنه كاذبا) [غافر: 37] . فيما قال لي أن إلهه فوق السموات . فبين الله أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال ، و عمد لطلبه حيث قاله مع الظن بموسى أنه كاذب ، و لو أن موسى قال : إنه في كل مكان بذاته لطلبه في بيته ، أو في بدنه ، أو حشه ـ فتعالى الله عن ذلك ـ و لم يجهد نفسه ببنيان الصرح . قال أبو عبد الله : " و أما الآي التي يزعمون أنها قد وصلها ـ و لم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه ـ فقال : (ألم تر أن الله يعلم ما في السموات و ما في الأرض) [المجادلة : 7] . فأخبر بالعلم ثم أخبر أنه مع كل مناج ، ثم ختم الآية بالعلم ، بقوله : (إن الله بكل شيء عليم) [المجادلة : 7] . فبدأ بالعلم ، و ختم بالعلم ، فبين أنه أراد أن يعلمهم حيث كانوا ، لا يخفون عليه ، و لا يخفى عليه مناجاتهم ، و لو اجتمع القوم في أسفل ، و ناظر إليهم في العلو فقال : إني لم أزل أراكم ، و أعلم مناجاتكم لكان صادقا ـ و لله المثل الأعلى أن يشبه الخلق ـ فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة و قالوا : هذا منكم دعوى . خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة ؛ لأن من هو مع الاثنين فأكثر ؛ هو معهم لا فيهم ، و من كان مع شيء خلا جسمه ، و هذا خروج من قولهم . و كذلك قوله تعالى : (و نحن أقرب إليه من حبل الوريد) [ق : 16] ؛ لأن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء ، ففي ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليس في حبل الوريد . و كذلك قوله : (و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله) [الزخرف : 84] . لم يقل في السماء ثم قطع ـ كما قال : (أأمنتم من في السماء) [الملك : 16] . ثم قطع فقال : (أن يخسف بكم الأرض) . فقال : (و هو الذي في السماء إله) . يعني إله أهل السماء و إله أهل الأرض ، و ذلك موجود في اللغة تقول : فلان أمير في خراسان ، و أمير في بلخ ، و أمير في سمرقند ، و إنما هو في موضع واحد ، و يخفى عليه ما وراءه ، فكيف العالي فوق الأشياء ، لا يخفى عليه شيء من الأشياء يدبره ، فهو إله فيهما إذ كان مدبرا لهما ، و هو على عرشه و فوق كل شيء ، تعالى عن الأشباه و الأمثال " اهـ .