و ملاك الأمر أن يهب الله للعبد حكمة و إيمانا بحيث يكون له عقل و دين ، حتى يفهم و يدين ، ثم نور الكتاب و السنة يغنيه عن كل شيء ، و لكن كثيرا من الناس قد صار منتسبا إلى بعض طوائف المتكلمين ، و محسنا للظن بهم دون غيرهم ، و متوهما أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم ، فلو أتى بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم . ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم ؛ فلو أنهم أخذوا بالهدى الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى ، و من كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة ، ثم لا يتمسك بما جاءت به من الحق ، ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم : (و إذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا و يكفرون بما وراءه و هو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) [البقرة : 91] . فإن اليهود قالوا : لا نؤمن إلا بما أنزل علينا ، قال الله تعالى لهم : (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) [البقرة : 91] . أي إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم ، يقول سبحانه و تعالى : لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون ، و لا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون ، و لكن إنما تتبعون أهواءكم ، فهذا حال من لم يقبل الحق ، لا من طائفته و لا من غيرها ، مع كونه يتعصب لطائفته ، بلا برهان من الله و لا بيان .