و ذلك أن الله معنا حقيقة ، و هو فوق العرش حقيقة ، كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه و تعالى : (هو الذي خلق السموات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض و ما يخرج منها و ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها و هو معكم أين ما كنتم و الله بما تعملون بصيرا) [الحديد : 4] . فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء ، و هو معنا أينما كنا ، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم في حديث الأوعال : " و الله فوق العرش و هو يعلم ما أنتم عليه " . و ذلك أن كلمة " مع " في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة ، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال ، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى ، فإنه يقال : ما زلنا نسير و القمر معنا أو و النجم معنا . و يقال : هذا المتاع معي . لمجامعته لك و إن كان فوق رأسك ، فالله مع خلقه حقيقة ، و هو فوق عرشه حقيقة . ثم هذه " المعية " تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال : (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها) [الحديد : 4] . إلى قوله : (و هو معكم أين ما كنتم) [الحديد : 4] . دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية و مقتضاها أنه مطلع عليكم ، شهيد عليكم ،و مهيمن عالم بكم ، و هذا معنى قول السلف : أنه معهم بعلمه ، و هذا ظاهر الخطاب و حقيقته .