و هذه " الروح " التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها ، و إمساك النصوص عن بيان كيفيتها ، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى ؟! مع أنا نقطع بأن الروح في البدن ، و أنها تخرج منه و تعرج إلى السماء ، و أنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة ، لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة و من وافقهم ، حيث نفوا عنها الصعود و النزول ، و الاتصال بالبدن و الانفصال عنه ، و تخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن و صفاته ، فعدم مما ثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها ، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص ، فيكونون قد أخطئوا في اللفظ ، و أنى لهم بذلك ؟!. و لا نقول إنها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم و البخار مثلا ، أو صفة من صفات البدن و الحياة ، و أنها مختلفة الأجساد ، و مساوية لسائر الأجساد في الحد و الحقيقة ، كما يقول طوائف من أهل الكلام ، بل نتيقن أن الروح عين موجودة غير البدن ، و أنها ليست مماثلة له ، و هي موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة لا مجازا ، فإذا كان مذهبنا في حقيقة " الروح " و صفاتها بين المعطلة و الممثلة ، فكيف الظن بصفات رب العالمين ؟!. و أما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها ، أعني الذين يقولون : ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط ، و إن الله لا صفة له ثبوتية ، بل صفاته إما سلبية و إما إضافية و إما مركبة منهما ، أو يثبتون بعض الصفات ـ و هي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر ـ أو يثبتون الأحوال دون الصفات ، و يقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث ، على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين ، فهؤلاء قسمان : 1 - قسم يتأولونها و يعينون المراد مثل قولهم : استوى بمعنى استولى ، أو بمعنى علو المكانة و القدر ، أو بمعنى ظهور نوره للعرش ، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه ، إلى غير ذلك من معاني المتكلمين . 2 - و قسم يقولون : الله أعلم بما أراد بها ، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه . و أما القسمان الواقفان : 1 - فقوم يقولون : يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله ، و يجوز أن لا يكون المراد صفة الله و نحو ذلك . و هذه طريقة كثير من الفقهاء و غيرهم . 2 - وقوم يمسكون عن هذا كله و لا يزيدون على تلاوة القرآن ، و قراءة الحديث ، معرضين بقلوبهم و ألسنتهم عن هذه التقديرات ، فهذه " الأقسام الستة " لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها . و الصواب في كثير من آيات الصفات و أحاديثها ، القطع بالطريقة الثابتة : كالآيات و الأحاديث الدالة على أن الله سبحانه و تعالى فوق عرشه ، و يعلم طريقة الصواب في هذا و أمثاله بدلالة الكتاب و السنة و الإجماع على ذلك ، دلالة لا تحتمل النقيض ، و في بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض ، و تردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم و الإيمان ، و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور .