جديد الموقع

الآن موسوعة أهل الحديث والأثر توزع في المكتبة الصوتية بالحرم النبوي الشريف

التواجد حسب التصفح

الصفحة الرئيسة 10
موسوعة أهل الحديث 72
برنامج أهل الحديث 3
المتواجدين حالياً 85

إحصاءات الزوار

المتواجدين حالياً
85
زوار الأمس
648
إجمالي الزوار
6955205

زيارات اليوم

الصفحة الرئيسة
4
موسوعة أهل الحديث
335
برنامج أهل الحديث
0
سجل الزوار
0
المكتبة الرقمية
0
التصانيف الفقهية
0
إستفتاءات
0
0
إجمالي الصفحات
339

تسجيل الدخول

اسم المستخدم :
كلمة السر :
التسجيل في الموقع

التواجد حسب الدول

غير معروف 1
البرازيل 1
كندا 1
الصين 11
ألمانيا 3
الدانمارك 1
مصر 6
اسبانيا 1
فرنسا 1
المملكة المتحدة 1
أندونيسيا 2
الكويت 1
ليبيا 1
المغرب 4
هولندا 3
باكستان 2
روسيا 1
السعودية 10
تونس 1
تركيا 1
أمريكا 32
المتواجدين حالياً 85

زيارات الموقع

الصفحة الرئيسة
2022258
موسوعة أهل الحديث
106229418
برنامج أهل الحديث
466659
سجل الزوار
106303
المكتبة الرقمية
730176
التصانيف الفقهية
314429
إستفتاءات
1978
274077
إجمالي الصفحات
111000825
الفتوى الحموية الكبرى

شرح الفتوى الحموية الكبرى-01 ( اضيفت في - 2004-09-03 )
الفتوى الحموية الكبرى-الشيخ صالح آل الشيخ
  حجم الملف (5.66 ميغابايت) حمل نسختك الآن ( 1459 ) أستمع للشريط ( 1036 )
المحتويات :-
1- ما قول السادة أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى : (الرحمن على العرش استوى) [طه:5] . و قوله : (ثم استوى على العرش) [الفرقان :59] .و قوله : (ثم استوى إلى السماء و هي دخان) [فصلت : 11] . إلى غير ذلك من آيات الصفات ، و أحاديث الصفات كقوله صلى الله عليه و سلم : " إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن " . و قوله : " يضع الجبار قدمه في النار " . إلى غير ذلك ؟ و ما قالت العلماء فيه ؟ و ابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى . فأجاب رضي الله عنه : الحمد لله رب العالمين ، قولنا فيها ما قاله الله و رسوله صلى الله عليه و سلم و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار ، و الذين اتبعوهم بإحسان ، و ما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم و درايتهم ، و هذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب و غيره ، فإن الله سبحانه و تعالى بعث محمدا صلى الله عليه و سلم بالهدى و دين الحق ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد و شهد له بأنه بعثه داعيا إليه بإذنه و سراجا منيرا ، و أمره أن يقول : (قل هذه سبيلي أدعوا الله على بصيرة أنا و من اتبعني) [يوسف] . فمن المحال في العقل و الدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ، و أنزل معه الكتاب بالحق ، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، و أمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب و الحكمة ، و هو يدعو إلى الله و إلى سبيله بإذنه على بصيرة ، و قد أخبر الله بأنه أكمل له و لأمته دينهم ، و أتم عليهم نعمته ، محال مع هذا و غيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله و العلم به ملتبسا مشتبها ، و لم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى و الصفات العليا ، و ما يجوز عليه ، و ما يمتنع عليه . فإن معرفة هذا أصل الدين و أساس الهداية ، و أفضل و أوجب ما اكتسبته القلوب ، و حصلته النفوس ، و أدركته العقول ، فكيف يكون ذلك الكتاب و ذلك الرسول و أفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا و قولا ؟!. و من المحال أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم قد أعلم أمته كل شيء حتى الخراءة ، و قال : " تركتكم على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " . و قال فيما صح عنه أيضا : " ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، و ينهاهم عن شر ما يعلمه لهم " . و قال أبو ذر : " لقد توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما " . و قال عمر بن الخطاب : " قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم مقاما ، فذكر بدء الخلق ؛ حتى دخل أهل الجنة منازلهم ، و أهل النار منازلهم ، حفظ ذلك من حفظه و نسيه من نسيه " . رواه البخاري .
2- و محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين ـ و إن دقت ـ أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ، و يعتقدونه في قلوبهم ، في ربهم و معبودهم رب العالمين ، الذي معرفته غاية المعارف ، و عبادته أشرف المقاصد ، و الوصول إليه غاية المطالب ، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية ، و زبدة الرسالة الإلهية ، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان و حكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام ؟! ثم إذا كان قد وقع ذلك منه : فمن المحال أن يكون خير أمته و أفضل قرونها قصروا في هذا الباب ، زائدين فيه أو ناقصين عنه . ثم من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة ـ القرن الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ـ كانوا غير عالمين و غير قائلين في هذا الباب بالحق المبين ؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم و القول ، و إما اعتقاد نقيض الحق و قول خلاف الصدق ، و كلاهما ممتنع . أما الأول : فلأن من في قلبه أدنة حياة و طلب للعلم ، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب و السؤال عنه ، و معرفة الحق فيه ، أكبر مقاصده ، و أعظم مطالبه ، أعني بيان ما ينبغي اعتقاده ، لا معرفة كيفية الرب و صفاته . و ليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ، و هذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية ، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى ـ الذي هو من أقوى المقتضيات ـ أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم ؟! هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق ، و أشدهم إعراضا عن الله ، و أعظمهم إكبابا على طلب الدنيا ، و الغفلة عن ذكر الله تعالى ، فكيف يقع في أولئك ؟!. و أما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه : فهذا لا يعتقده مسلم ، و لا عاقل عرف حال القوم .
3- ثم الكلام في هذا الباب عنهم : أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى و أضعافها ، يعرف ذلك من طلبه و تتبعه . و لا يجوز أيضا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين ، كما قد يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر قدر السلف ، بل و لا عرف الله و رسوله و المؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها : من أن " طريقة السلف أسلم ، و طريقة الخلف أعلم و أحكم " و إن كانت هذه العبارة إذا صدرت من بعض العلماء قد يعنى بها معنى صحيحا . فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة و من حذا حذوهم على طريقة السلف : إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن و الحديث ، من غير فقه لذلك ، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم : (و منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) [البقرة : 78] . و أن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات و غرائب اللغات . فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر ، و قد كذبوا على طريقة السلف ، و ضلوا في تصويب الخلف ؛ فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم ، و بيان الجهل و الضلال بتصويب طريقة الخلف .
4- و سبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة ، التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين ، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر ، و كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى ، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ و تفويض المعنى ـ و هي التي يسمونها طريقة السلف ـ و بين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف ـ و هي التي يسمونها طريقة الخلف ـ فصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل و الكفر بالسمع . فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات و هي شبهات و السمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه . فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين : كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين و استبلاههم ، و اعتقاد أنهم كانوا قوما أميين ، بمنزلة الصالحين من العامة ، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ، و لم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي ، و أن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله . ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة ؛ بل في غاية الضلالة ، كيف يكون هؤلاء المتأخرين لا سيما و الإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم ، و غلط [ في نسخة القارئ : غلظ ] عن معرفة الله حجابهم ، و أخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه أمرهم [ في نسخة القارئ : من مرامهم ] حيث يقول : لعمري لقد طفت المعاهد كلهــا و سيرت طرفي بين تلك المعـــالم فلم أر إلا واضعا كف حائـــر على ذقن أو قارعا سن نــــادم و أقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم : نهاية إقدام العقول عقـــــال و أكثر سعي العالمين ضــــلال و أرواحنا في وحـشة من جسومنا و حاصل دنيانا أذى و وبــــال و لم نستفد من بحثنا طول عمرنـا سوى أن جمعنا فيه قيل و قـــالوا
5- لقد تأملت الطرق الكلامية و المناهج الفلسفية ، فما رأيتها تشفي عليلا ، و لا تروي غليلا ، و رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ، اقرأ في الإثبات : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] (إليه يصعد الكلم الطيب) [فاطر : 10] و اقرأ في النفي : (ليس كمثله شيء) [الشورى : 11] (و لا يحيطون به علما) [طه : 110] و من جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي . و يقول الآخر منهم : لقد خضت البحر الخضم ، و تركت أهل الإسلام و علومهم ، و خضت في الذي نهوني عنه ، و الآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان ، و ها أنا أموت على عقيدة أمي . اهـ و يقول الآخر منهم : أكثر الناس شكاً عند الموت أصحاب الكلام .
6- ثم هؤلاء المتكلمين المخالفون للسلف إذا حقق عليهم الأمر : لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله و خالص المعرفة به خبر ، و لم يقعوا من ذلك على عين و لا أثر ، كيف يكون هؤلاء المحجبون ، المفضلون ، المنقوصون ، المسبوقون ، الحيارى ، المتهوكون : أعلم بالله و أسمائه و صفاته ، و أحكم في باب ذاته و آياته من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار ، و الذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى مصابيح الدجى ، الذين بهم قام الكتاب و به قاموا ، و بهم نطق الكتاب و به نطقوا ، الذين وهبهم الله من العلم و الحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء ، فضلا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم ، و أحاطوا من حقائق المعارف و بواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة ؟!. ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم و الحكمة ـ لا سيما العلم بالله و أحكام أسمائه و آياته ـ من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم ؟! أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة و أتباع الهند و اليونان ، و ورثة المجوس و المشركين ، و ضلال اليهود و النصارى و الصابئين ، و أشكالهم و أشباههم ، أعلم بالله من ورثة الأنبياء و أهل القرآن و الإيمان ؟!. و إنما قدمت هذه المقدمة ؛ لأن من استقرت هذه المقدمة عنده عرف [ في نسخة القارئ : علم ] طريق الهدى أين هو في هذا الباب و غيره ، و علم أن الضلال و التهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم ، و إعراضهم عما بعث الله به محمدا صلى الله عليه و سلم من البينات و الهدى ، و تركهم البحث عن طريقة السابقين و التابعين ، و التماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقرار على نفسه ، و بشهادة الأمة على ذلك و بدلالات كثيرة ، و ليس غرضي واحدا معينا و إنما أصف نوع هؤلاء و نوع هؤلاء .
7- و إذا كان كذلك : فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره ، و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم منه أولها إلى آخرها ، ثم عامة كلام الصحابة و التابعين ، ثم كلام سائر الأمة ، مملوءة بما هو إما نص و إما ظاهر في أن الله سبحانه و تعالى هو العلي الأعلى
8- و هو فوق كل شيء ، و هو على كل شيء ، و أنه فوق العرش ، و أنه فوق السماء ، مثل قوله تعالى : (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه) [فاطر : 10] (إني متوفيك و رافعك ألي) [آل عمران : 55] (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) [الملك : 16] (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا) [الملك : 17] (بل رفعه الله إليه) [النساء : 158] (تعرج الملائكة و الروح إليه) [المعارج : 4] (يدبر الأمر من المساء إلى الأرض ثم يعرج إليه) [السجدة : 5] (يخافون ربهم من فوقهم) [النحل : 5] (ثم استوى على العرش) [الفرقان : 59] في ستة مواضع ، (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] (يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى و إني للأظنه كاذبا) [غافر : 36-37] ( تنزيل من حكيم حميد) [فصلت : 42] ( منزل من ربك بالحق) [الأنعام : 114] . إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة .
9- و في الأحاديث الصحاح و الحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة ، مثل قصة معراج الرسول صلى الله عليه و سلم إلى ربه ، ونزول الملائكة من عند الله و صعودها إليه ، و قوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل و النهار : " فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم و هو أعلم بهم ......". و في الصحيح في حديث الخوارج : " ألا تأمنوني و أن أمين من في السماء ، يأتيني خبر السماء صباحا و مساءا ". و في حديث الرقية الذي رواه أبو داود و غيره : " ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك ، أمرك في السماء و الأرض ، كما رحمتك في السماء ، اجعل رحمتك في الأرض ، اغفر لنا حوبنا و خطايانا ، أنت رب الطيبين ، أنزل رحمة من رحمتك ، و شفاء من شفائك على هذا الوجع " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل : ربنا الله الذي في السماء ........." و ذكره . و قوله في حديث الأوعال : " و العرش فوق ذلك ، و الله فوق عرشه ، و هو يعلم ما أنتم عليه " . رواه أحد و أبو داود و غيرهما ، و قوله في الحديث الصحيح للجارية : " أين الله ؟ قالت : في السماء . قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله . قال : اعتقها فإنها مؤمنة ". و قوله في الحديث الصحيح : " إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي " . و قوله في حديث قبض الروح : " حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله تعالى " .
10- و قول عبد الله بن رواحة الذي أنشده للنبي صلى الله عليه و سلم و أقره عليه . شهدت بأن وعد الله حــــق و أن النار مثوى الكافرينـــــا و أن العرش فوق الماء طـــاف و فوق العرش رب العـــــالمينا و قول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي صلى الله عليه و سلم هو و غيره من شعره فاستحسنه ، و قال : " آمن شعره و كفر قلبه " . حيث قال : مجدوا الله فهو للمجد أهــــل ربنا في السمــــاء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق النــاس و سوى فوق الســــماء سريرا شرجعا ما ينــــاله بصر العين ترى دونه الملائــــــك صورا و قوله في الحديث الذي في المسند : " إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا " . و قوله في الحديث : " يمد يديه إلى السماء يقول : يا رب ، يا رب " . إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله ، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية و المعنوية .
11- التي تورث علما يقينا من أبلغ العلوم الضرورية أن الرسول صلى الله عليه و سلم المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين : أن الله سبحانه على العرش ، و أنه فوق السماء ،كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم و عجمهم في الجاهلية و الإسلام ، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته . ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفا . ثم ليس في كتاب الله ، و لا في سنة رسوله صلى الله عليه و سلم و لا عن أحد من سلف الأمة ـ لا من الصحابة و لا من التابعين لهم بإحسان ، و لا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء و الاختلاف ـ حرف واحد يخالف ذلك ، لا نصا و لا ظاهرا . و لم يقل أحد منهم قط إن الله ليس في السماء ، و لا أنه ليس على العرش ، و لا أنه بذاته في كل مكان ، و لا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء ، و لا أنه لا داخل العالم و لا خارجه ، و لا أنه متصل و لا منفصل ، و لا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع و نحوها ، بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه و سلم لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات ، في أعظم مجمع حضره الرسول صلى الله عليه و سلم جعل يقول : " ألا هل بلغت ؟ " . فيقولون : نعم . فيرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكبها إليهم و يقول : " اللهم اشهد " . غير مرة ، و أمثال ذلك كثيرة . فلئن كان الحق ما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب و السنة من هذه العبارات و نحوها دون ما يفهم من الكتاب و السنة إما نصا و إما ظاهرا ، فكيف يجوز على الله تعالى ، ثم على رسوله صلى الله عليه و سلم ، ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائما بما هو إما نص و إما ظاهر في خلاف الحق ؟! ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط ، و لا يدلون عليه لا نصا و لا ظاهرا ، حتى يجيء أنباط الفرس و الروم ، و فروخ اليهود و النصارى و الفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها !!. لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب و هم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم ، و أن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب و السنة نصا أو ظاهرا ؛ لقد كان ترك الناس بلا كتاب و لا سنة ، أهدى لهم و انفع على هذا التقدير ، بل كان وجود الكتاب و السنة ضرراً محضا في أصل الدين . فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء : إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله عز وجل ، و ما يستحقه من الصفات نفيا و إثباتا ، لا من الكتاب و لا من السنة ، و لا من طريق سلف الأمة ، و لكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقا له من الصفات فصفوه به ـ سواء كان موجودا في الكتاب و السنة أو لم يكن ـ و ما لم تجدوه مستحقا له في عقولكم فلا تصفون به !!. ثم هم ها هنا فريقان : أكثرهم يقولون : ما لم تثبته عقولكم فاتقوه ـ و منهم من يقول : بل توقفوا فيه ـ و ما نفاه قياس عقولكم ـ الذي أنتم فيه مختلفون و مضطربون اختلافا أكثر من جميع من على وجه الأرض [ في نسخة القارئ : من جميع اختلاف من على وجه الأرض ] ـ فانفوه ، و إليه عند التنازع فارجعوا ، فإنه الحق الذي تعبدتكم به ، و ما كان مذكورا في الكتاب و السنة مما يخالف قياسكم هذا ، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم ـ على طريقة أكثرهم ـ فاعلموا أني امتحنتكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه ، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة ، و وحشي الألفاظ ، و غرائب الكلام ، أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله ، مع نفي دلالته على شيء من الصفات . هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين .
شرح الفتوى الحموية الكبرى-02 ( اضيفت في - 2004-09-03 )
الفتوى الحموية الكبرى-الشيخ صالح آل الشيخ
  حجم الملف (5.84 ميغابايت) حمل نسختك الآن ( 1180 ) أستمع للشريط ( 815 )
المحتويات :-
1- و هذا الكلام قد رأيته ، صرح بمعناه طائفة منهم ، و هو لازم لجماعتهم لزوما لا محيدا عنه ، و مضمونه : أن كتاب الله لا يهتدى به في معرفة الله ، و أن الرسول معزول عن التعليم و الإخبار بصفات من أرسله ، و أن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله و الرسول ، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية ، و إلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء ، كالبراهمة و الفلاسفة ـ و هم المشركون ـ و المجوس و بعض الصابئين . و إن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة ، و لا يرتفع الخلاف به ، إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم ، و قد أمروا أن يكفروا بهم ، و ماأشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله سبحانه و تعالى : (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به و يريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * و إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله و إلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا و توفيقا) [النساء : 60-62] . فإن هؤلاء إذا دعو إلى ما أنزل الله من الكتاب و إلى الرسول ـ و الدعاء إليه بعد وفاته و هو الدعاء إلى سنته ـ أعرضوا عن ذلك و هم يقولون : إنا قصدنا الإحسان علما و عملا بهذه الطريق التي سلكناها ، و التوفيق بين الدلائل العقلية و النقلية .
2- ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل : إنما تقلدوا أكثرها عن طاغوت من طواغيت المشركين ، او الصابئين ، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم مثل فلان و فلان ، أو عمن قال كقولهم ، لتشابه قلوبهم ، قال الله تعالى : (فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما) [النساء : 65] (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) الآية [البقرة : 213] . و لازم هذه المقالة أن لا يكون الكتاب هدى للناس و لا بيانا و لا شفاء لما في الصدور ، و لا نوراً ، و لا مردا عند التنازع ؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون : إنه الحق الذي يجب اعتقاده ، لم يدل عليه الكتاب والسنة ، لا نصاً ولا ظاهراً ، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله : (و لم يكن له كفوا أحد) [الإخلاص : 4] (هل تعلم له سميا) [مريم : 65] . و بالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش ، و لا فوق السموات و نحو ذلك بقوله : (هل تعلم له سميا) [مريم : 65] لقد أبعد النجعة ، و هو إما ملغز و إمام مدلس ، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين . و لازم هذه المقالة : أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرا لهم في أصل دينهم ؛ لأن مردهم قبل الرسالة و بعدها واحد ، و إنما الرسالة زادتهم عمى و ضلالة .
3- يا سبحان الله ! كيف لم يقل الرسول يوما من الدهر ، و لا أحد من سلف الأمة : هذه الآيات و الأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه ، و لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم ، أو اعتقدوا كذا و كذا فإنه الحق ، و ما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره ، أو انظروا فيها ، فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه ، و ما لا فتوقفوا فيه أو انفوه ؟. ثم رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة ، فقد علم ما سيكون ، ثم قال : " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ،كتاب الله " . و روي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية : " هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم و أصحابي " . فهلا قال : من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب الاعتقادات فهو ضال ، و إنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم و ما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة ـ في هذه المقالة ـ و إن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين . ثم أصل هذه المقالة ـ مقالة التعطيل للصفات ـ إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود و المشركين ، و ضلال الصابئين ، فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام ـ أعني أن الله سبحانه و تعالى ليس على العرش حقيقة ، و أن معنى استوى بمعنى استولى و نحو ذلك ـ هو الجعد بن درهم و أخذها عنه الجهم بن صفوان ، و أظهرها فنسبت مقالة الجهميبة إليه . و قد قيل : إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان ، و أخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم ، و أخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه و سلم . و كان الجعد بن درهم هذا ـ فيما قيل ـ من أهل حران ، و كان فيهم خلق كثير من الصابئة و الفلاسفة بقايا أهل دين نمرود و الكنعانيين ، الذين صنف بعض المتأخرين في سيرهم ، و نمرود هو ملك الصابئة الكلدانيين المشركين ، كما أن كسرى ملك الفرس و المجوس ، و فرعون ملك مصر ، و النجاشي ملك الحبشة ، و بطليموس ملك اليونان ، و قيصر ملك الروم ، فهو اسم جنس لا اسم علم . فكانت الصابئة ـ إلا قليلا منهم ـ إذ ذاك على الشرك ، وعلماؤهم هم الفلاسفة ، و إن كان الصابئ قد لا يكون مشركا ، بل مؤمنا بالله و اليوم الآخر كما قال الله تعالى : (إن الذين آمنوا و الذين هادوا و النصارى و الصابئين من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون) [البقرة : 62 ] . وقال : ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) [ المائدة : 69 ] لكن كثيرا منهم أو أكثرهم كانوا كفارا أو مشركين ، كما أن كثيرا من اليهود و النصارى بدلوا و حرفوا و صاروا كفارا أو مشركين ، فأولئك الصابئون ـ الذين كانوا إذ ذاك ـ كانوا كفارا أو مشركين ، و كانوا يعبدون الكواكب و يبنون لها الهياكل . و مذهب النفاة من هؤلاء في الرب : أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منها ، و هم الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه و سلم ، فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة .
4- و كذلك أبو نصر الفارابي دخل حران ، وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته ، و أخذها الجهم أيضا ـ فيما ذكره الإمام احمد و غيره ـ لما ناظر " السمنية " بعض فلاسفة الهند ـ و هم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات ـ فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود و الصابئين و المشركين ، و الفلاسفة الضالون ، هم إما من الصابئين أو من المشركين . ثم لما عربت الكتب الرومية و اليونانية ، في حدود المائة الثانية زاد البلاء ، مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم . و لما كانت في حدود المائة الثالثة : انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية ، بسبب بشر بن غياث المريسي و طبقته ، وكلام الأئمة مثل مالك و سفيان بن عيينة ، و ابن المبارك ، و أبي يوسف ، و الشافعي ، و أحمد ، و إسحاق ، و الفضيل بن عياض ، و بشر الحافي و غيرهم .....كثير في ذمهم و تضليلهم . و هذه التأويلات المجودة اليوم بأيدي الناس ـ مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات ، و ذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه " تأسيس التقديس " و يوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء ، مثل أبي علي الجبائي ، و عبد الجبار بن أحمد الهمداني ، و أبي الحسين البصري ، و أبي الوفاء بن عقيل ، و أبي حامد الغزالي ، و غيرهم ـ هي بعينها تأويلات بشر المريسي ، التي ذكرها في كتابه ، و إن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل و إبطاله أيضا ، و لهم كلام حسن في أشياء . فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي ، و يدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي ، أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري ، صنف كتابا سماه : " رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد " حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها ، و أعلم بالمنقول و المعقول من هؤلاء المتأخرين ، الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره ، ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي علم حقيقة ما كان عليه السلف ، و تبين له ظهور الحجة لطريقهم و ضعف حجة من خالفهم . ثم إذا رأى الأئمة ـ أئمة الهدى ـ قد أجمعوا على ذم المريسية و أكثرهم كفروهم أو ضللوهم ، و علم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي ، تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ، و لا حول و لا قوة إلا بالله . و الفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب ، و إنما أشير إلى مبادئ الأمور و العاقل يسير و ينظر . و كلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة ، لا يمكن أن نذكرها هنا إلا قليلا منه ، مثل كتاب " السنن " للالكائي ، و " الإبانة " لابن بطة ، و " السنة " لأبي ذر الهروي ، و " الأصول " لأبي عمرو الطلمنكي ، و كلام أبي عمر بن عبد البر ، و " الأسماء و الصفات " للبيهقي ، و قبل ذلك " السنة " للطبراني ، و لأبي الشيخ الأصبهاني و لأبي عبد الله بن مندة و لأبي أحمد العسال الأصبهانيين ، و قبل ذلك " السنة " للخلال ، و " التوحيد " لابن خزيمة ، و كلام أبي العباس بن سريج ، و الرد على الجهمية لجماعة مثل : البخاري ، و شيخه عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الجعفي ، و قبل ذلك " السنة " لعبد الله بن أحمد ، و " السنة " لأبي بكر بن الأثرم ، و " السنة " لحنبل ، و للمروزي ، و لأبي داود السجستاني ، و لابن أبي شيبة ، و " السنة " لأبي بكر بن أبي عاصم ، و كتاب " خلق أفعال العباد " للبخاري ، و كتاب " الرد على الجهمية " لعثمان بن سعيد الدارمي و غيرهم . و كلام أبي العباس عبد العزيز المكي صاحب " الحيدة " في الرد على الجهمية و كلام نعيم بن حماد الخزاعي ، وكلام غيرهم ،و كلام الإمام أحمد بن حنبل ، و إسحاق بن راهويه ، و يحي بن سعيد ، و يحي بن يحي النيسابوري ، و أمثالهم ، و قبل : لعبد الله بن المبارك و أمثاله و أشياء كثيرة . و عندنا من الدلائل السمعية و العقلية ما لا يتسع هذا الموضع لذكره ، و أنا أعلم أن المتكلمين النفاة لهم شبهات موجودة ، و لكن لا يمكن ذكرها في الفتوى ، فمن نظر فيها و أراد إبانة ما ذكروه من الشبه فإنه يسير . فإذا كان أصل هذه المقالة ـ مقالة التعطيل و التأويل ـ مأخوذا عن تلامذة المشركين و الصابئين و اليهود ، فكيف تطيب نفس مؤمن ـ بل نفس عاقل ـ أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين ، و يدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين ، و الصديقين ، و الشهداء و الصالحين ؟!. فصل ثم القول الشامل في جميع هذا الباب : أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ، و بما وصفه به السابقون الأولون ، لا يتجاوز القرآن و الحديث . و مذهب السلف : أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه ، و بما وصفه به رسوله من غير تحريف و لا تعطيل ، و من غير تكييف و لا تمثيل ، و نعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز و لا أحاجي ، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه ، لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول ، و أفصح الخلق في بيان العلم ، و أفصح الخلق في البيان و التعريف و الدلالة و الإرشاد .
5- و هو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء ، لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه و صفاته ، و لا في أفعاله ، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة ، و له أفعال حقيقة فكذلك له صفات حقيقة ، و هو ليس كمثله شيء لا في ذاته ، و لا في صفاته و لا في أفعاله ، و كل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة ، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه ، و يمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه ، و استلزام الحدوث سابقة العدم ، و لافتقار المحدث إلى محدث ، و لوجوب وجوده نفسه سبحانه و تعالى . و مذهب السلف بين التعطيل و التمثيل ، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه ، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه ، و لا ينفون عنه ما وصف به نفسه ، و وصفه به رسوله ، فيعطلوا أسماءه الحسنى ، و صفاته العليا ، و يحرفوا الكلم عن مواضعه ، و يلحدوا في أسماء الله و آياته . و كل واحد من فريقي التعطيل ، فهو جامع بين التعطيل و التمثيل ، أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله و صفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات ، فقد جمعوا بين التعطيل و التمثيل ، مثلوا أولا و عطلوا آخرا ، و هذا تشبيه و تمثيل منهم للمفهوم من أسمائه و صفاته بالمفهوم من أسماء خلقه و صفاتهم ، و تعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء و الصفات اللائقة بالله سبحانه و تعالى . فإنه إذا قال القائل : لو كان الله فوق العرش ؛ للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويا ، و كل ذلك من المحال ، و نحو ذلك من الكلام ؛ فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان ، و هذا اللازم تابع لهذا المفهوم ، إما استواء يليق بجلال الله تعالى و يختص به ، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يليق من سائر الأجسام ، و صار هذا مثل قول الممثل : إذا كان للعالم صانع ، فإما أن يكون جوهرا أو عرضا ، و كلاهما محال ، إذ لا يعقل موجود إلا هذان ، و قوله : إذا كان مستويا على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك ، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا ، فإن كليهما مثل و كليهما عطل حقيقة ما وصف الله به نفسه ، و امتاز الأول بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي ، و امتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين .
6- و القول الفاصل : هو ما عليه الأمة الوسط ، من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ، و يختص به ، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم ، و على كل شيء قدير ، و أنه سميع بصير ، و نحو ذلك ، و لا يجوز أن يثبت للعلم و القدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين و قدرتهم ؛ فكذلك هو سبحانه فوق العرش ، و لا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق و لوازمها . و العلم أنه ليس في العقل الصريح و لا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلا ، لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق ، فمن كان في قلبه شبهة و أحب حلها فذلك سهل يسير . ثم المخالفون للكتاب و السنة و سلف الأمة ـ من المتأولين لهذا الباب ـ في أمر مريج فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها ، و أنه مضطر فيها إلى التأويل ، و من يحيل أن لله علما و قدرة ، و أن يكون كلامه غير مخلوق و نحو ذلك يقول : إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل ، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد و الأكل و الشرب الحقيقي في الجنة ، يزعم أن العقل أحال ذلك و أنه مضطر إلى التأويل ، و من يزعم أن الله ليس فوق العرش ، يزعم أن العقل أحال ذلك و أنه مضطر إلى التأويل . و يكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل ، بل منهم من يزعم أن العقل جوز و أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله ، فياليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب و السنة ؟! فرضي الله عن الإمام مالك ابن أنس حيث قال : " أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه و سلم لجدل هؤلاء " . و كل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر ، و هو من وجوه : أحدها : بيان أن العقل لا يحيل ذلك . و الثاني : أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل . و الثالث : أن عامة هذه الأمور قد علم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم جاء بها بالاضطرار ، كما أنه جاء بالصلوات الخمس ، و صوم شهر رمضان ، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويل القرامطة و الباطنية ، في الحج و الصلاة و الصوم و سائر ما جاءت به النبوات . الرابع : أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص ، و إن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك التفصيل ، و إنما يعلمه مجملا إلى غير ذلك من الوجوه ، على أن الوجوه الأساطين من هؤلاء الفحول ، معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية . و إذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه ، و من المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه و سلم بالهدى و دين الحق ، ليظهره على الدين كله و كفى بالله شهيدا ، و أنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله و اليوم الآخر .
شرح الفتوى الحموية الكبرى-03 ( اضيفت في - 2004-09-03 )
الفتوى الحموية الكبرى-الشيخ صالح آل الشيخ
  حجم الملف (5.84 ميغابايت) حمل نسختك الآن ( 1153 ) أستمع للشريط ( 788 )
المحتويات :-
1- و الإيمان بالله و اليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ و المعاد ، و هو الإيمان بالخلق و البعث ، كما جمع بينهما في قوله تعالى : (و من الناس من يقول آمنا بالله و باليوم الآخر و ما هم بمؤمنين) [البقرة : 8] و قال تعالى : (ما خلقكم و لا بعثكم إلا كنفس واحدة) [لقمان : 28] و قال تعالى : (و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) [الروم : 27] و قد بين الله على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم من أمر الإيمان بالله و اليوم الآخر ما هدى الله به عباده ، و كشف به مراده . و معلوم للمؤمنين : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أعلم من غيره بذلك ، و أنصح من غيره للأمة ، و أفصح من غيره عبارة و بيانا ، بل هو أعلم الخلق بذلك ، و أنصح الخلق للأمة ، وأفصحهم ، فقد اجتمع في حقه كمال العلم و القدرة و الإرادة .
2- و معلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه و قدرته و إرادته كمل كلامه و فعله ، و إنما يدخل النقص : إما من نقص علمه ، و إما من عجزه عن بيان علمه ، و إما لعدم إرادته البيان .
3- و الرسول هو الغاية في كمال العلم ، و الغاية في كمال إرادة البلاغ المبين ، و الغاية في قدرته على البلاغ المبين ، و مع وجود القدرة التامة ، و الإرادة الجازمة يجب وجود المراد ، فعلم قطعا أن ما بينه من أمر الإيمان بالله و اليوم الآخر حصل به مراده من البيان ، و ما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه ، و علمه بذلك أكمل العلوم ، فكل من ظن أن غير الرسول أعلم بهذا منه ، أو أكمل بيانا منه ، أو أحرص على هدي الخلق منه ، فهو من الملحدين لا من المؤمنين . و الصحابة و التابعون لهم بإحسان و من سلك سبيلهم في هذا الباب على سبيل الاستقامة . و أما المنحرفون عن طريقهم فهم " ثلاث طوائف " : أهل التخييل ، و أهل التأويل ، و أهل التجهيل . فأهل التخييل : هم المتفلسفة و من سلك سبيلهم : من متكلم و متصوف و متفقه ، فإنهم يقولون : إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله و اليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور ، لا أنه بين به الحق ، و لا هدى به الخلق ، و لا أوضح به الحقائق . ثم هم على قسمين : منهم من يقول : إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه ، و يقولون : إن من الفلاسفة الإلهية من علمها ، و كذلك من الأشخاص الذين يسمونهم الأولياء من علمها ، و يزعمون أن من الفلاسفة و الأولياء من هو أعلم بالله و اليوم الآخر من المرسلين .
4- و هذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة و الباطنية : باطنية الشيعة و باطنية الصوفية . و منهم من يقول : بل الرسول علمها لكن لم يبينها ، و إنما تكلم بما يناقضها ، و أراد من الخلق فهم ما يناقضها ؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق . و يقول هؤلاء : يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل ، و إلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل ، و يخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون و يشربون مع أن ذلك باطل ، قالوا : لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريقة ، التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد ، فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله و اليوم الآخر . و أما الأعمال فمنهم من يقرها ، و منهم من يجريها هذا المجرى ، و يقول : إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض ، و يؤمر بها العامة دون الخاصة ، فهذه طريقة الباطنية الملاحدة ، و اللإسماعيلية و نحوهم . و أما أهل التأويل : فيقولون : إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل ، و لكن قصد بها معاني ، و لم يبين لهم تلك المعاني و لا دلهم عليها ، و لكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها ، و مقصوده امتحانهم و تكليفهم ، و إتعاب أذهانهم و عقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله و مقتضاه ، و يعرف الحق من غير جهته ، و هذا قول المتكلمة و الجهمية و المعتزلة ، و من دخل معهم في شي من ذلك . و الذين قصدنا الرد في هذه الفتيا عليهم : هم هؤلاء ، إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهورا ، بخلاف هؤلاء فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة ، و هم ـ في الحقيقة ـ لا للإسلام نصروا ، و لا للفلاسفة كسروا . لكن أولئك الملاحدة ألزموهم في النصوص ـ نصوص المعاد ـ نظير ما ادعوه في نصوص الصفات ، فقالوا لهم : نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان ، و قد علمنا فساد الشبه المانعة منه . و أهل السنة يقولون لهم : و نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات ، و نصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر و أعظم من نصوص المعاد . و يقولون لهم : معلوم أن مشركي العرب و غيرهم كانوا ينكرون المعاد ، و قد أنكروه على الرسول ، و ناظروه عليه ، بخلاف الصفات ؛ فإنه لم ينكر شيئا منها أحد من العرب ، فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد ، و أن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات ، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به ، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به ؟!.
5- و أيضا : فقد علم أنه صلى الله عليه و سلم قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه و بدلوه ، و معلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات ، فلو كان هذا مما بدل و حرف لكان إنكار ذلك عليهم أولى ، فكيف و كانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبا منهم و تصديقا لها ؟! و لم يعبهم قط بما تعيب النفاة أهل الإثبات ، مثل لفظ التجسيم و التشبيه و نحو ذلك ، بل عابهم بقولهم : (يد الله مغلولة) [المائدة : 64] و قولهم : (إن الله فقير و نحن أغنياء) [آل عمران : 181] و قولهم : إنه استراح لما خلق السموات و الأرض ، فال تعالى : (و لقد خلقنا السموات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام و ما مسنا من لغوب) [ق : 38] . و التوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن و الحديث ، و ليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن ، فإذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى ، و الثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل فالأول أولى بالبطلان . و أما الصنف الثالث : و هم أهل التجهيل : فهم كثير من المنتسبين إلى السنة ، و اتباع السلف ، يقولون : إن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ، و لا جبريل يعرف معاني الآيات ، و لا السابقون الأولون عرفوا ذلك . و كذلك قولهم في أحاديث الصفات : إن معناها لا يعلمه إلا الله ، مع أن الرسول تكلم بها ابتداء ، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه . و هؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى : (و ما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران : 7] ، فإنه وقف أكثر السلف على قوله : (و ما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران : 7] . و هو وقف صحيح ، لكن لم يفرقوا بين معنى الكلام و تفسيره ، و بين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه ، و ظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين و غلطوا في ذلك .
6- فإن لفظ " التأويل " يراد به ثلاثة معان : فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو : صرف اللفظ عن الاحتمال الراجع إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك ، فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلا على اصطلاح هؤلاء ، و ظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك ، و أن للنصوص تأويلا يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله و لا يعلمه المتأولون . ثم كثير من هؤلاء يقولون : تجري على ظاهرها ، فظاهرها مراد مع قولهم : إن لها تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله ، و هذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة ، من أصحاب الأئمة الأربعة و غيرهم . و المعنى الثاني : أن التأويل هو تفسير الكلام ـ سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه و هذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين ، و غيرهم ، و هذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم ، و هو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله : (و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم) [آل عمران : 7] . كما نقل ذلك عن ابن عباس و مجاهد ، و محمد بن جعفر بن الزبير ، و محمد بن إسحاق ، و ابن قتيبة و غيرهم ، و كلا القولين حق باعتبار ـ كما قد بسطناه في موضع آخر ـ و لهذا نقل عن ابن عباس هذا و هذا ، و كلاهما حق . و المعنى الثالث : أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها ـ و إن وافقت ظاهره ـ فالتأويل ما أخبر الله به في الجنة من ـ الأكل و الشرب و اللباس و النكاح و قيام الساعة و غير ذلك ـ هو الحقائق الموجودة انفسها ، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان ، و يعبر عنه باللسان ، و هذا هو " التأويل " في لغة القرآن ، كما قال تعالى عن يوسف أنه قال : (يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها ربي حقا) [يوسف : 100] . و قال تعالى : (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق) [الأعراف : 53] ، و قال تعالى : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا) [النساء : 59] ، و هذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله . و تأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله تعالى بعلمها ، و هو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف ـ كمالك و غيره ـ : الاستواء معلوم ، و الكيف مجهول ، فالاستواء معلوم ـ يعلم معناه و يفسر و يترجم بلغة أخرى ـ و هو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم ، و أما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى .
7- و قد روي عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاق و غيره في تفسيرهم عنه انه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير تعرفه العرب من كلامها ، و تفسير لا يعذر أحد بجهالته ، و تفسير يعلمه العلماء ، و تفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فمن ادعى علمه فهو كاذب . و هذا كما قال تعالى : (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزا بما كانوا يعملون) [السجدة : 17] ، و قال النبي صلى الله عليه و سلم : يقول الله تعالى : " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، و لا أذن سمعت ، و لا خطر على قلب بشر " و كذلك علم وقت الساعة ، و نحو ذلك ، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى .
8- و إن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به ، و نفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه ، كما قال تعالى : (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [محمد : 24] ، و قال : (أفلم يدبروا القول) [المؤمنون : 68] ، فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه .
9- و قال أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان ، و عبد الله بن مسعود ، و غيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه و سلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم و العمل ؛ قالوا : فتعلمنا القرآن و العلم و العمل جميعا . و قال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ من فاتحته إلى خاتمته ، أقف عند كل آية و أسأله عنها . و قال الشعبي : ما ابتدع أحد بدعة إلا و في كتاب الله بيانها . و قال مسروق : ما سئل أصحاب محمد عن شيء إلا و علمه في القرآن ، و لكن علمنا قصر عنه . و هذا باب واسع قد بسط في موضعه . و المقصود هنا : التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم و الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم ، و أن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه و لا جبريل ؛ جعله غير عالم بالسمعيات ، و لم يجعل القرآن هدى و لا بيانا للناس . ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية ، فلا يجعلون عند الرسول و أمته في " باب معرفة الله عز وجل " لا علوما عقلية و لا سمعية ، و هم قد شاركوا الملاحدة في هذه من وجوه متعددة ، و هم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول صلى الله عليه و سلم ، و إلى السلف من الجهل ، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف ، و التأويلات الفاسدة ، و سائر أصناف الملاحدة . و نحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها و ألفاظ من نقل مذهبهم ـ إلى غير ذلك من الوجوه بحسب ما يحتمله هذا الموضع ـ ما يعلم به مذهبهم .
10- روى أبو بكر البيهقي في " الأسماء و الصفات " بإسناد صحيح ، عن الأوزاعي قال : كنا ـ و التابعون متوافرون ـ نقول : إن الله تعالى ذكره فوق عرشه و نؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته . و قد حكى الأوزاعي ـ و هو أحد " الأئمة الأربعة " في عصر تابع التابعين : الذين هم : مالك إمام أهل الحجاز ، و الأوزاعي إمام أهل الشام ، و الليث إمام أهل مصر ، و الثوري إمام أهل العراق ـ حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش ، و بصفاته السمعية .
11- و إنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه و النافي لصفاته ؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك . و روى أبو بكر الخلال في كتاب " السنة " عن الوزاعي ، قال : سئل مكحول و الزهري عن تفسير الأحاديث فقالا : أمروها كما جاءت . و روى أيضا عن الوليد بن مسلم قال : سألت مالك بن أنس ، و سفيان الثوري ، و الليث بن سعد ، و الأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات ، فقالوا : أمروها كما جاءت . و في رواية : فقالوا : أمروها كما جاءت بلا كيف . فقولهم رضي الله عنهم : " أمروها كما جاءت " رد على المعطلة ، و قولهم : " بلا كيف " رد على الممثلة ، و الزهري و مكحول : هما أعلم التابعين في زمانهم ، و الأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين ، و من طبقتهم حماد بن زيد ، و حماد بن سلمة ، و أمثلهما .
12- و روى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن عبد الله ، قال : سمعت مالك ابن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول : قال عمر بن عبد العزيز : سن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و ولاة الأمر بعده سننا ، الأخذ بها تصديق لكتاب الله و استكمال لطاعة الله ، و قوة على دين الله ، ليس لأحد من خلق الله تعالى تغييرها ، و لا النظر في شيء خالفها ، من اهتدى بها فهو مهتد ، و من استنصر بها فهو منصور ، و من خالفها و اتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى ، و أصلاه جهنم و ساءت مصيرا . و روى الخلال بإسناد ـ كلهم أئمة ثقات ـ عن سفيان بن عيينة ، قال : سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] ، كيف استوى ؟ قال : الاستواء غير مجهول ، و الكيف غير معقول ، و من الله الرسالة و على الرسول البلاغ المبين ، و علينا التصديق . و هذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه . منها : ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني ، و أبو بكر البيهقي عن يحي بن يحي ، قال كنا عند مالك بن أنس ، فجاء رجل فقال : يا أبا عبد الله (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] كيف استوى ؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ! ثم قال : الاستواء غير مجهول ، و الكيف غير معقول ، و الإيمان به واجب ، و السؤال عنه بدعة ، و ما أراك إلا مبتدعا ، ثم أمر به أن يخرج . فقول ربيعة و مالك : الاستواء غير مجهول ، و الكيف غير معقول ، و الإيمان به واجب ؛ موافق لقول الباقين : أمروها كما جاءت بلا كيف ، فإنما نفوا علم الكيفية و لم ينفوا حقيقة الصفة . و لو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه ـ على ما يليق بالله ـ لما قالوا : الاستواء غير مجهول ، و الكيف غير معقول ، و لما قالوا : أمروها كما جاءت بلا كيف ؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما ، بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم . و أيضا : فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى ، و إنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات . و أيضا : فإن من ينفي الصفات الخبرية ـ أو الصفات مطلقا ـ لا يحتاج إلى أن يقول بلا كيف ، فمن قال : إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف ، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف . و أيضا : فقولهم : أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه ، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني ، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال : أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد ، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة ، و حينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت ، و لا يقال حينئذ بلا كيف ، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول .
شرح الفتوى الحموية الكبرى-04 ( اضيفت في - 2004-09-03 )
الفتوى الحموية الكبرى-الشيخ صالح آل الشيخ
  حجم الملف (5.78 ميغابايت) حمل نسختك الآن ( 1073 ) أستمع للشريط ( 869 )
المحتويات :-
1- غير مراد ، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة ، و حينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت ، و لا يقال حينئذ بلا كيف ، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول .
2- و روى الأثرم في " السنة " و أبو عبد الله بن بطة في " الإبانة " و أبو عمرو الطلمنكي ، و غيرهم بإسناد صحيح ، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي الماجشون ـ و هو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم : مالك بن أنس ، و ابن الماجشون ، و ابن أبي ذئب ـ و قد سئل عما جحدت به الجهمية : " أما بعد : فقد فهمت ما سألت فيما تتابعت الجهمية و من خلفها في صفة الرب العظيم ، الذي فاقت عظمته الوصف و التدبر ، و كلت الألسن عن تفسير صفته ، و انحصرت العقول دون معرفة قدرته ، و ردت عظمته العقول فلم تجد مساغا ، فرجعت خاسئة و هي حسيرة ، و إنما أمروا بالنظر و التفكر فيما خلق بالتقدير ، و إنما يقال " كيف " لمن لم يكن مرة ثم كان ، فأما الذي لا يحول ، و لا يزول ، و لم يزل ، و ليس له مثل ، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو ، و كيف يعرف قدر من لم يبدأ ، و من لا يموت و لا يبلى ؟‍! و كيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قدره واصف ؟‍! على أنه الحق المبين ، لا حق أحق منه ، و لا شيء أبين منه ، الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه ، لا تكاد تراه صغرا يجول و يزول ، و لا يرى له سمع و لا بصر ؛ لما يتقلب به و يحتال من عقله أعضل بك ، و أخفى عليك مما ظهر من سمعه و بصره ، فتبارك الله أحسن الخالقين ، و خالقهم ، و سيد السادة ، و ربهم (ليس كمثله شيء و هو السميع البصير) [الشورى : 11] . اعرف ـ رحمك الله ـ غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها ؛ إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف ؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تزدجر به عن شيء من معصيته ؟. فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا و تكلفا فقد (استهوته الشياطين في الأرض حيران) [الأنعام : 71] ، فصا ر يستدل ـ بزعمه ـ على جحد ما وصف الرب و سمى من نفسه بأن قال : لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا من أن يكون له كذا ، فعمي عن البين بالخفي فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها ، فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله عز وجل : (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) [القيامة : 22-23] ، فقال : لا يراه أحد يوم القيامة ، فجحد و الله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه و نضرته إياهم (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) [القمر : 55] ، قد قضى أنهم لا يموتون ، فهم بالنظر إليه ينضرون . إلى أن قال : و إنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة ؛ لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين ، و كان له جاحدا . و قال المسلمون : يا رسول الله ! هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم " هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب ؟ " . قالوا : لا ، قال : " فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ؟ " ، قالوا : لا . قال : " فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك " . و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه ، فتقول قط قط ، و ينزوي بعضها إلى بعض " . وقال لثابت بن قيس : " لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة " . و قال فيما بلغنا : " إن الله تعالى ليضحك من أزلكم و قنوطكم و سرعة إجابتكم " فقال له رجل من العرب : إن ربنا ليضحك ؟ قال : " نعم " ، قال : لا نعدم من رب يضحك خيرا . إلى أشباه لهذا مما لا نحصيه . و قال تعالى : (و هو السميع البصير) [الشورى : 11] (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) [الطور : 48] ، و قال تعالى (و لتصنع على عيني) [طه : 39] ، و قال تعالى (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) [ص : 75] ، و قال تعالى : (و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة و السموات مطويات بيمينه سبحانه و تعالى عما يشركون) [الزمر : 67] . فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه ، و ما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندهم ، إن ذلك الذي ألقي في روعهم ، و خلق على معرفة قلوبهم ، فما وصف الله من نفسه و سماه على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم سميناه كما سماه ، و لم نتكلف منه صفة ما سواه ـ لا هذا و لا هذا ـ لا نجحد ما وصف و لا نتكلف معرفة ما لم يصف .
3- اعلم ـ رحمك الله ـ أن العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهى بك و لا تجاوز ما قد حد لك ، فإن من قوام الدين معرفة المعروف و إنكار المنكر ، فما بسطت عليه المعرفة ، وسكنت إليه الأفئدة ، وذكر أصله في الكتاب والسنة ، وتوارثت علمه الأمة ، فلا تخافن في ذكره و صفته من ربك ما وصف من نفسه عيبا ، و لا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدرا . و ما أنكرته نفسك و لم تجد ذكره في كتاب ربك ، و لافي حديث عن نبيك ـ من ذكر صفة ربك ـ فلا تكلفن علمه بعقلك ، و لا تصفه بلسانك ، و اصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه ، فإن تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه مثل إنكار ما وصف منها ، فكما أعظمت ما جحده الجاحدون مما وصف من نفسه ، فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف منها .
4- فقد ـ و الله ـ عز المسلمون ، الذين يعرفون المعروف و بهم يعرف ، و ينكرون المنكر و بإنكارهم ينكر ، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه ، و ما بلغهم مثله عن نبيه ، فما مرض من ذكر هذا و تسميته قلب مسلم ، و لا تكلف صفة قدره و لا تسمية غيره من الرب مؤمن . و ما ذكر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ما سمى و ما وصف الرب تعالى من نفسه . و الراسخون في العلم ـ الواقفون حيث انتهى علمهم ، الواصفون لربهم بما وصف من نفسه ، التاركون لما ترك من ذكرها ـ لا ينكرون صفة ما سمى منها جحدا ، و لا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقا ؛ لأن الحق ترك ما ترك ، و تسمية ما سمى (و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم و سات مصيرا) [النساء : 115] . وهب الله لنا و لكم حكما ، و ألحقنا بالصالحين . و هذا كله كلام ابن الماجشون الإمام ، فتدبره ، و انظر كيف أثبت الصفات و نفى علم الكيفية ـ موافقا لغيره من الأئمة ـ و كيف أنكر على من نفى الصفات بأنه يلزمهم من إثباتها كذا و كذا ـ كما تقوله الجهمية ـ إنه يلزم أن يكون جسما أو عرضا ، فيكون محدثا .
5- و في كتاب " الفقه الأكبر " المشهور عند أصحاب أبي حنيفة ، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي ، قال : سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر ، فقال : لا تكفرون أحدا بذنب ، و لا تنف أحدا به من الإيمان ، و تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر ، و تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، و ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، و لا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و لا توالي أحدا دون أحد ، و أن ترد أمر عثمان و علي إلى الله عز وجل . قال أبو حنيفة : الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم ؛ و لأن يفقه الرجل كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع العلم الكثير ، قال أبو مطيع " الحكم بن عبد الله " قلت : أخبرني عن أفضل الفقه . قال : تعلم الرجل الإيمان ، و الشرائع ، و السنن ، و الحدود ، و اختلاف الأئمة ، و ذكر مسائل " الإيمان " ثم ذكر مسائل " القدر " و الرد على القدرية بكلام حسن ليس هذا موضعه . ثم قال : قلت : فما تقول فيمن يأمر بالمعروف ، و ينهى عن المنكر ، فيتبعه على ذلك أناس فيخرج على الجماعة ، هل ترى ذلك ؟ قال : لا . قلت : و لم ، و قد أمر الله و رسوله بالأمر بالمعروف ، و النهي عن المنكر ، و هو فريضة واجبة ؟ قال : هو كذلك لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون ، من سفك الدماء ، و استحلال الحرام . قال : و ذكر الكلام في قتل الخوارج و البغاة . إلى أن قال : قال أبو حنيفة عمن قال : لا أعرف ربي في السماء ، أم في الأرض ؟ فقد كفر ؛ لأن الله يقول : (الرحمن على العرش استوى) . و عرشه فوق سبع سموات . قلت : فإن قال : إنه على العرش استوى ، و لكنه يقول : لا أدري العرش في السماء أم في الأرض ؟ قال : هو كافر ؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء ؛ لأنه تعالى في أعلى عليين ، و إنه يدعى من أعلى لا من أسفل . و في لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول : لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض ؟ قال : قد كفر . قال : لأن الله يقول : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . و عرشه فوق سبع سموات ، قال : فإنه يقول : على العرش استوى ، و لكن لا يدري العرش في الأرض أو في السماء ، قال : إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر . ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه : أنه كفر الواقف الذي يقول : لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض ؟ فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول : ليس في السماء ، أو ليس في السماء و لا في الأرض . و احتج على كفره بقوله : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . قال : و عرشه فوق سبع سموات . و بين بهذا أن قوله تعالى : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . يبين أن الله فوق السموات فوق العرش ، و أن الاستواء على العرش دل على أن الله بنفسه فوق العرش . ثم إنه أردف ذلك بتكفير من قال : إنه على العرش استوى ، و لكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض ، قال : لأنه أنكر أنه في السماء ؛ لأن الله في أعلى عليين ، و أنه يدعى من أعلى لا من أسفل . و هذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء و احتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين ، و أنه يدعى من أعلى لا من أسفل ، و كل من هاتين الحجتين فطرية عقلية ، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو ، و على أنه يدعى من أعلى لا من أسفل ، و قد جاء اللفظ الآخر صريحا عنه بذلك ، فقال : إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر .
6- و روي هذا اللفظ بإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب " الفاروق " . و روى أيضا ابن أبي حاتم : أن هشام بن عبيد الله الرازي ـ صاحب محمد بن الحسن قاضي الري ـ حبس رجلا في التجهم فتاب ، فجيء به إلى هشام ليطلقه ، فقال : الحمد لله على التوبة ، فامتحنه هشام ، فقال : أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه ؟ فقال : أشهد أن الله على عرشه ، و لا أدري ما بائن من خلقه . فقال : ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب .
7- و روي أيضا عن يحي بن معاذ الرازي أنه قال : إن الله على العرش بائن من الخلق ، و قد أحاط بكل شيء علما ، و أحصى كل شيء عددا ، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل ، و هالك مرتاب ، يمزج الله بخلقه ، و يخلط منه الذات بالأقذار و الأنتان .
8- و روي أيضا عن ابن المديني لما سئل : ما قول أهل الجماعة ؟ قال : يؤمنون بالرؤية و الكلام ، و أن الله فوق السموات على العرش استوى ، فسئل عن قوله : (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) [المجادلة : 7] . فقال : اقرأ ما قبلها : (ألم تر أن الله يعلم ما في السموات و ما في الأرض) [المجادلة : 7] . و روي أيضا عن أبي عيسى الترمذي قال : هو على العرش كما وصف في كتابه ، و علمه و قدرته و سلطانه في كل مكان . و روي عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . فقال : تفسيره كما يقرأ ، هو على العرش ، و علمه في كل مكان و من قال غير هذا فعليه لعنة الله .
9- و روى أبو القاسم اللالكائي الحافظ الطبري ، صاحب أبي حامد الإسفرائيني ، في كتابه المشهور في " أصول السنة " بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ، قال : اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن و الأحاديث ، التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في صفة الرب عز وجل ، من غير تفسير ، و لا وصف ، و لا تشبيه ، فمن فسر اليوم شيئا منها فقد خرج مما كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم ، و فارق الجماعة ، فإنهم لم يصفوا ، و لم يفسروا ، و لكن أفتوا بما في الكتاب و السنة ، ثم سكتوا ، فمن قال بقول " جهم " فقد فارق الجماعة ؛ لأنه قد وصفه بصفة لا شيء . محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة و مالك و طبقتهما من العلماء ، و قد حكى هذا الإجماع ، و أخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالبا ، أو دائما . و قوله : " من غير تفسير " أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة و التابعون من الإثبات . و روى البيهقي و غيره بإسناد صحيح عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال : هذه الأحاديث التي يقول فيها : " ضحك ربنا من قنوط عباده و قرب غيره " . و " أن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك فيها قدمه " . و " الكرسي موضع القدمين " . و هذه الأحاديث في " الرؤية " هي عندنا حق ، حملها الثقات بعضهم عن بعض ، غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا تفسرها ، و ما أدركنا أحدا يفسرها . " أبو عبيد " أحد الأئمة الأربعة الذين هم الشافعي ، و أحمد ، و إسحاق ، و أبو عبيد : و له من المعرفة بالفقه ، و اللغة ، و التأويل ما هو أشهر من أن يوصف ، و قد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن و الأهواء ، و قد أخبر أنه ما أدرك أحدا من العلماء يفسرها " أي تفسير الجهمية " . و روى اللالكائي و البيهقي بإسنادهما عن عبد الله بن المبارك : أن رجلا قال له : يا أبا عبد الرحمن إني أكره الصفة ـ يعني صفة الرب ـ فقال له عبد الله بن المبارك : و أنا أشد الناس كراهية لذلك ، و لكن إذا نطق الكتاب بشيء ، قلنا به ، و إذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه ، و نحو هذا . أراد ابن المبارك : أنا نكره أن نبتدئ بوصف الله من تلقاء [ في نسخة القارئ : ذات ] أنفسنا حتى يجيء به الكتاب و الآثار . و روى عبد الله بن أحمد و غيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له : بماذا نعرف ربنا ؟ قال : بأنه فوق سمواته ، على عرشه ، بائن من خلقه ، و لا نقول كما تقول الجهمية : أنه ها هنا في الأرض ـ و هكذا قال الإمام أحمد و غيره . و روى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام ، سمعت حماد بن زيد ، و ذكر هؤلاء الجهمية ، فقال : إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء . و روى ابن أبي حاتم في كتاب " الرد على الجهمية " عن سعيد بن عامر الضبعي ـ إمام أهل البصرة علما و دينا ، من شيوخ الإمام أحمد ـ إنه ذكر عنده الجهمية ، فقال : أشر قولا من اليهود و النصارى ، و قد أجمع اليهود و النصارى و أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش ، و هم قالوا : ليس على شيء . و قال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة ، من لم يقل : إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ، وجب أن يستتاب ، فإن تاب و إلا ضربت عنقه ، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى [ في نسخة القارئ : زيادة " بنتن " ] بريحه أهل القبلة ، و لا أهل الذمة ، ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح . و روى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام الواسطي ـ إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي و أحمد ـ قال : كلمت بشرا المريسي ، و أصحاب بشر ، فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا : ليس في السماء شيء . و عن عبد الرحمن بن مهدي الإمام المشهور أنه قال : ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم ، يدورون على أن يقولوا : ليس في السماء شيء ، أرى و الله أن لا يناكحوا ، و لا يوارثوا . و روى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب " الرد على الجهمية " عن عبد الرحمن ابن مهدي قال : أصحاب جهم يريدون أن يقولوا إن الله لم يكلم موسى ، و يريدون أن يقولوا : ليس في السماء شيء ، و أن الله ليس على العرش ، أرى أن يستتابوا ، فإن تابوا و إلا قتلوا . و عن الأصمعي قال : قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين ، فقال رجل عندها : الله على عرشه ، فقالت : محدود على محدود ، فقال الأصمعي : كفرت بهذه المقالة . و عن عاصم بن علي بن عاصم ـ شيخ أحمد و البخاري و طبقتهما ـ قال : ناظرت جهميا ، فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربا . و روى الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ، قال : أخبرنا سريج بن النعمان قال : سمعت عبد الله بن نافع الصائغ قال : سمعت مالك بن أنس يقول : الله في السماء ، و علمه في كل مكان ، لا يخلو من علمه مكان . و قال الشافعي : خلافة أبي بكر الصديق حق قضاه الله في السماء و جمع عليه قلوب عباده . و في الصحيح عن أنس بن مالك قال : كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه و سلم تقول : زوجكن أهاليكن ، و زوجني الله من فوق سبع سموات . و هذا مثل قول الشافعي . و قصة أبي يوسف ـ صاحب أبي حنيفة ـ مشهورة في استتابة بشر المريسي ، حتى هرب منه لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه [ في نسخة القارئ : لما أنكر الصفات ] ، قد ذكرها ابن أبي حاتم و غيره . و قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين الإمام المشهور من أئمة المالكية ، في كتابه الذي صنفه في " أصول السنة " قال فيه : " باب الإيمان بالعرش " . قال : و من قول أهل السنة : إن الله عز وجل خلق العرش و اختصه بالعلو و الارتفاع فوق جميع ما خلق ، ثم استوى عليه كيف شاء ، كما أخبر عن نفسه في قوله : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] ، و قوله : (ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض) الآية [الحديد : 4] . فسبحان من بعد و قرب بعلمه ، فسمع النجوى . و ذكر حديث أبي رزين العقيلي ، قلت : يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات و الأرض ؟ قال : " في عماء ، ما تحته هواء ، و ما فوقه هواء ، ثم خلق عرشه على الماء " . قال محمد : العماء : السحاب الكثيف المطبق ـ فيما ذكره الخليل ـ و ذكر آثارا أخر ثم قال : " باب الإيمان بالكرسي " .
10- قال محمد بن عبد الله : و من قول أهل السنة : إن الكرسي بين يدي العرش ، و أنه موضع القدمين ، ثم ذكر حديث أنس الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الآخرة ، و فيه " فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على كرسيه ، ثم يحف الكرسي على منابر من ذهب مكللة بالجواهر ، ثم يجيء النبيون فيجلسون عليها " . و ذكر ما ذكره يحي بن سالم صاحب التفسير المشهور : حدثني العلاء بن هلال عن عمار الدهني ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : إن الكرسي الذي وسع السموات و الأرض لموضع القدمين ، و لا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه . و ذكر من حديث أسد بن موسى ، حدثنا حماد بن سلمة عن زر عن ابن مسعود قال : ما بين السماء الدنيا و التي تليها مسيرة خمسمائة عام ، و بين كل سماء خمسمائة عام ، و بين السماء السابعة و الكرسي خمسمائة عام ، و بين الكرسي و الماء خمسمائة عام ، و العرش فوق الماء ، و الله فوق العرش ، و هو يعلم ما أنتم عليه . ثم قال في " باب الإيمان بالحجب " قال : " و من قول أهل السنة : إن الله بائن من خلقه يحتجب عنهم بالحجب ، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) [الكهف : 5] ، و ذكر آثارا في الحجب " . ثم قال في " باب الإيمان بالنزول " قال : " و من قول أهل السنة : إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ، و يؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدا ، و ذكر الحديث من طريق مالك و غيره ، إلى أن قال : و أخبرني وهب ، عن ابن وضاح ، عن الزهري ، عن ابن عباد قال : و من أدركت من المشايخ مالك ، و سفيان ، و فضيل بن عياض و عيسى بن المبارك و وكيع ، كانوا يقولون : إن النزول حق ، قال ابن وضاح : وسألت يوسف بن عدي عن النزول قال : نعم أومن به ، و لا أحد فيه حدا ، و سألت عنه ابن معين فقال : نعم أقر به ، ولا أحد فيه حدا " . قال محمد : و هذا الحديث يبين أن الله عز وجل على العرش في السماء دون الأرض ، و هو أيضا بين في كتاب الله ، و في غير حديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال تعالى : (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) [السجدة : 5] ، و قال تعالى : (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا) [الملك : 16-17] ، و قال تعالى : (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه) [فاطر : 10] ، وقال : (و هو القاهر فوق عباده) [الأنعام : 18] ، و قال تعالى : (يا عيسى إني متوفيك و رافعك إلي) [آل عمران : 55] ، و قال : (بل رفعه الله إليه) [النساء : 158] . و ذكر من طريق مالك قول النبي صلى الله عليه و سلم للجارية : " أين الله ؟ " . قالت : في السماء . قال : " من أنا ؟ " . قالت : أنت رسول الله ، قال : " فأعتقها " . قال : و الأحاديث مثل هذا كثيرة جدا ، فسبحان من علمه بما في السماء كعلمه بما في الأرض ، لا إله إلا هو العلي العظيم .
11- و قال قبل ذلك في " الإيمان بصفات الله تعالى و أسمائه " قال : " و اعلم بأن أهل العلم بالله و بما جاءت به أنبياؤه و رسله ، يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علما ، و العجز عما لم يدع إليه إيمانا ، و إنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته و أسمائه إلى حيث انتهى في كتابه على لسان نبيه . و قد قال ـ و هو أصدق القائلين ـ (كل شيء هالك إلا وجهه) [القصص : 88] . و قال : (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني و بينكم) [الأنعام : 19] . و قال (و يحذركم الله نفسه ) [آل عمران : 28] . و قال : (فإذا سويته و نفخت فيه من روحي) [ص : 72] . و قال : (فإنك بأعيننا) [الطور : 48] . و قال : (و لتصنع على عيني) [طه : 39] . و قال : (و قالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان) [المائدة : 64] . و قال : (و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة) الآية [الزمر : 67] . و قال : (إنني معكما أسمع و أرى) [طه : 46] . و قال : (و كلم الله موسى تكليما) [النساء : 164] قال تعالى : (الله نور السموات و الأرض) الآية [النور : 35] . و قال : (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) الآية [البقرة : 255] . و قال : ( هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن) [الحديد : 3] و مثل هذا في القرآن كثير . فهو ـ تبارك و تعالى ـ نور السموات و الأرض ، كما أخبر عن نفسه ، و له وجه ، و نفس ، و غير ذلك مما وصف به نفسه ، و يسمع ، و يرى ، ويتكلم ، هو الأول لا شيء قبله ، و الآخر الباقي إلى غير نهاية و لا شيء بعده ، و الظاهر العالي فوق كل شيء ، و الباطن ، بطن علمه بخلقه فقال : (و هو بكل شيء عليم) [الحديد : 3] . قيوم حي لا تأخذه سنة و لا نوم " .
12- و ذكر " أحاديث الصفات " ثم قال : " فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ، و وصفه بها نبيه ، و ليس في شيء منها تحديد و لا تشبيه ، و لا تقدير (ليس كمثله شيء و هو السميع البصير) [الشورى : 11] . لم تره العيون فتحده كيف هو ؟ و لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان " اهـ . و كلام الأئمة في هذا الباب أطول و أكثر من أن تسع هذه الفتيا عشره . و كذلك كلام الناقلين لمذهبهم . مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابي في رسالته المشهورة في " الغنية عن الكلام و أهله " قال : " فأما مات سألت عنه من الصفات ، و ما جاء منها في الكتاب و السنة ؛ فإن مذهب السلف إثباتها ، و إجراؤها على ظواهرها ، و نفي الكيفية و التشبيه عنها ، و قد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله ، و حققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه و التكييف ، و إنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ، و دين الله تعالى بين الغالي فيه و الجافي و المقصر عنه . و الأصل في هذا : أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ، و يحتذى في ذلك حذوه و مثاله ، فإذا كان معلوما أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية ، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد و تكييف . فإذا قلنا : يد و سمع و بصر و ما أشبهها ، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه ، و لسنا نقول : إن معنى اليد : اقوة و النعمة ، و لا معنى السمع و البصر : العلم ، و لا نقول : إنها جوارح ، و لا نشببها بالأيدي و الأسماع و الأبصار التي هي جوارح و أدوات للفعل و نقول : إن القول إنما وجب بإثبات الصفات ؛ لأن التوقيف ورد بها ، و وجب نفي التشبيه عنها ؛ لأن الله ليس كمثله شيء ، و على هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات " هذا كله كلام الخطابي .
شرح الفتوى الحموية الكبرى-05 ( اضيفت في - 2004-09-03 )
الفتوى الحموية الكبرى-الشيخ صالح آل الشيخ
  حجم الملف (5.85 ميغابايت) حمل نسختك الآن ( 1230 ) أستمع للشريط ( 779 )
المحتويات :-
1- و ذكر " أحاديث الصفات " ثم قال : " فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه ، و وصفه بها نبيه ، و ليس في شيء منها تحديد و لا تشبيه ، و لا تقدير (ليس كمثله شيء و هو السميع البصير) [الشورى : 11] . لم تره العيون فتحده كيف هو ؟ و لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان " اهـ . و كلام الأئمة في هذا الباب أطول و أكثر من أن تسع هذه الفتيا عشره . و كذلك كلام الناقلين لمذهبهم . مثل ما ذكره أبو سليمان الخطابي في رسالته المشهورة في " الغنية عن الكلام و أهله " قال : " فأما مات سألت عنه من الصفات ، و ما جاء منها في الكتاب و السنة ؛ فإن مذهب السلف إثباتها ، و إجراؤها على ظواهرها ، و نفي الكيفية و التشبيه عنها ، و قد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله ، و حققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه و التكييف ، و إنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ، و دين الله تعالى بين الغالي فيه و الجافي و المقصر عنه . و الأصل في هذا : أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات ، و يحتذى في ذلك حذوه و مثاله ، فإذا كان معلوما أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية ، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد و تكييف . فإذا قلنا : يد و سمع و بصر و ما أشبهها ، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه ، و لسنا نقول : إن معنى اليد : اقوة و النعمة ، و لا معنى السمع و البصر : العلم ، و لا نقول : إنها جوارح ، و لا نشببها بالأيدي و الأسماع و الأبصار التي هي جوارح و أدوات للفعل و نقول : إن القول إنما وجب بإثبات الصفات ؛ لأن التوقيف ورد بها ، و وجب نفي التشبيه عنها ؛ لأن الله ليس كمثله شيء ، و على هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات " هذا كله كلام الخطابي .
2- و هكذا قاله أبو بكر الحافظ في رسالة له ، أخبر فيها أن مذهب السلف على ذلك . و هذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحوا منه من العلماء من لا يحصى عددهم ، مثل أبي بكر الإسماعيلي ، و الإمام يحي بن عمار السجزي ، و شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب " منازل السائرين " و " ذم الكلام " و هو أشهر من أن يوصف ، و شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني ، و أبي عمر بن عبد البر النمري إمام المغرب ، و غيرهم . و قال أبو نعيم الأصبهاني صاحب " الحلية " في عقيدة له قال في أولها : " طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب و السنة ، و إجماع الأمة ، قال : فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه و سلم في العرش و استواء الله يقولون بها ، و يثبتونها ، من غير تكييف ، و لا تمثيل ، و لا تشبيه ، و أن الله بائن من خلقه ، و الخلق بائنون منه ، لا يحل فيهم و لا يمتزج بهم ، و هو مستو على عرشه في شمائه ، دون أرضه و خلقه ".
3- و قال الحافظ أبو نعيم في كتابه " محجة الواثقين و مدرجة الوامقين " تأليفه : " و أجمعوا أن الله فوق سمواته ، عال على عرشه ، مستو عليه ، لا مستول عليه كما تقول الجهمية أنه بكل مكان ، خلافا لما نزل في كتابه : (أأمنتم من في السماء) [الملك : 16] . (إليه يصعد الكلم الطيب) [فاطر : 10] . (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . له العرش المستوي عليه ، و الكرسي الذي وسع السموات و الأرض ، و هو قوله : (وسع كرسيه السموات و الأرض) [البقرة : 255] . و كرسيه جسم ، و الأرضون السبع و السموات السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة ، و ليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية ، بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه ، كما قاله النبي صلى الله عليه و سلم و أنه ـ تعالى و تقدس ـ يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفا صفا ، كما قال تعالى : (( وجاء ربك والملك صفا صفا )) [ الفجر : 22 ] . وزاد النبي صلى الله عليه وسلم : وإنه - تعالى وتقدس - يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده ، فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين ، و يعذب من يشاء ، كما قال تعالى : (فيغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء) [البقرة : 184] .
4- و قال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني ـ شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده ـ قال : " أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة ، و موعظة من الحكمة ، و أجمع ما كان عليه أهل الحديث و الأثر بلا كيف ، و أهل المعرفة و التصوف من المتقدمين و المتأخرين . قال فيها : و أن الله استوى على عرشه بلا كيف ، و لا تشبيه ، و لا تأويل ، و الاستواء معقول ، و الكيف فيه مجهول ، و أنه عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه ، و الخلق منه بائنون ، بلا حلول و لا ممازجة ، و لا اختلاط و لا ملاصقة ؛ لأنه الفرد البائن من الخلق ، الواحد الغني عن الخلق . و أن الله عز وجل سميع ، بصير ، عليهم ، خبير ، يتكلم ، و يرضى ، و يسخط ، و يضحك ، و يعجب ، و يتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا ، و ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء ، فيقول : " هل من داع فأستجيب له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ " . حتى يطلع الفجر و نزول الرب إلى السماء بلا كيف و لا تشبيه ، و لا تأويل ، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال ، و سائر الصفوة من العارفين على هذا " اهـ .
5- و قال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في " كتاب السنة " حدثنا أبو بكر الأثرم ، حدثنا إبراهيم بن الحارث ـ يعني : العبادي ـ ، حدثنا الليث بن يحي قال : سمعت إبراهيم بن الأشعث ـ قال أبو بكر هو صاحب الفضيل ـ قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول : ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو ؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال : (قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد و لم يولد * و لم يكن له كفوا أحد) [سورة الإخلاص : 1-4] . فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه . و كل هذا النزول و الضحك ، و هذه المباهاة ، و هذا الاطلاع ، كما يشاء أن ينزل ، و كما يشاء أن يباهي ، و كما يشاء أن يضحك ، و كما يشاء أن يطلع ، فليس لنا أن نتوهم كيف و كيف ؟ فإذا قال الجهمي : أنا أكفر برب يزول عن مكانه . فقل : بل أومن برب يفعل ما يشاء . و نقل هذا عن الفضيل جماعة ، منهم البخاري في " أفعال العباد " . و نقل شيخ الإسلام بإسناده في كتابه " الفاروق " فقال : حدثنا يحي بن عمار حدثنا أبي ، حدثنا يوسف بن يعقوب ، حدثنا حرمي بن علي البخاري و هانئ بن النضر ، عن الفضيل . و قال عمرو بن عثمان المكي في كتابه الذي سماه " التعرف بأحوال العباد و المتعبدين " قال : " باب ما يجيء به الشيطان للتائبين " و ذكر أنه يوقعهم في القنوط ، ثم في الغرور و طول الأمل ، ثم في التوحيد . فقال : من أعظم ما يوسوس في " التوحيد " بالتشكل ، أو في صفات الرب بالتمثيل و التشبيه ، أو بالجحد لها و التعطيل " فقال بعد ذكر حديث الوسوسة : "
6- و اعلم ـ رحمك الله ـ أن كل ما توهمه قلبك ، أو سنح في مجاري فكرك ، أو خطر في معارضات قلبك ، من حسن أو بهاء ، أو ضياء أو إشراق أو جمال ، أو سنح مسائل أو شخص متمثل : فالله تعالى بغير ذلك ، بل هو تعالى أعظم و أجل و أكبر ، ألا تسمع لقوله : (ليس كمثله شيء) [الشورى : 11] . و قوله : (و لم يكن له كفوا أحد) [الإخلاص : 4] . أي لا شبيه و لا نظير و لا مساوي و لا مثل ، أولم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته و شامخ سلطانه ؟ فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك ، كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك ، فرد بما بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه و المثل ، و النظير ، و الكفء . فإن اعتصمت بها وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب ـ تعالى و تقدس ـ في كتابه و سنة رسوله محمد صلى الله عليه و سلم ، فقال لك : إذا كان موصوفا بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه ؛ لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك و يغويك ، و يدخلك في صفات الملحدين الزائغين ، الجاحدين لصفة الرب تعالى . و اعلم ـ رحمك الله تعالى ـ أن الله تعالى واحد ، لا كالآحاد ، فرد صمد ، لم يلد و لم يولد ، و لم يكن له كفوا أحد " . إلى أن قال : " خلصت له الأسماء السنية ، فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق ، لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليا و اسما كان منه بريا ـ تبارك و تعالى ـ فكان هاديا سيهدي ، و خالقا سيخلق ، و رازقا سيرزق ، و غافرا سيغفر ، و فاعلا سيفعل ، و لم يحدث له الاستواء إلا و قد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل ، فهو يسمى به في جملة فعله . كذلك قال الله تعالى : (و جاء ربك و الملك صفا صفا) [الفجر : 22] . بمعنى أنه سيجيء ، فلم يستحدث الاسم بالمجيء ، و تخلف الفعل لوقت المجيء ، فهو جاء سيجيء ، و يكون المجيء منه موجودا بصفة لا تلحقه الكيفية و لا التشبيه ؛ لأن ذلك فعل الربوبية ، فيستحسر العقل ، و تنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود ، فلا تذهب في أحد الجانبين ، لا معطلا و لا مشبها ، و ارض لله بما رضي به لنفسه ، وقف عند خبره لنفسه مسلما ، مستسلما ، مصدقا ، بلا مباحثة التنفير و لا مناسبة التنقير " .
7- إلى أن قال : " فهو ـ تبارك و تعالى ـ القائل : أنا الله لا الشجرة ، الجائي قبل أن يكون جائيا ـ لا أمره ـ المتجلي لأوليائه في المعاد ، فتبيض به وجوههم ، و تفلج به على الجاحدين حجتهم ، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ـ تبارك و تعالى ـ الذي كلم موسى تكليما ، و أراه من آياته ، فسمع موسى كلام الله ، لأنه قربه نجيا ، تقدس أن يكون كلامه مخلوقا ، أو محدثا ، أو مربوبا ، الوارث بخلقه لخلقه ، السميع لأصواتهم ، الناظر بعينه إلى أجسامهم ، يداه مبسوطتان ، و هما غير نعمته ، خلق آدم و نفخ فيه من روحه ـ و هو أمره ـ تعالى و تقدس أن يحل بجسم أو يمازج بجسم أو يلاصق به ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، الشائي له المشيئة ، العالم له العلم ، الباسط يديه بالرحمة ، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب إليه خلقه بالعبادة ، و ليرغبوا إليه بالوسيلة ، القريب في قربه من حبل الوريد ، البعيد في علوه من كل مكان بعيد ، و لا يشبه بالناس " . إلى أن قال : " (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه) [فاطر : 10] . القائل : (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا) [الملك : 16-17] . تعالى و تقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء ، جل عن ذلك علوا كبيرا " اهـ .
8- و قال الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي ، في كتابه المسمى " فهم القرآن " قال في كلامه على الناسخ و المنسوخ ، و أن النسخ لا يجوز في الأخبار قال : " لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وصفاته ، و لا أسمائه يجوز أن ينسخ منها شيء " . إلى أن قال : " و كذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا أن يخبر بذلك أنها دنية سفلى ، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب ، و أنه لا يبصر ما قد كان ، و لا يسمع الأصوات ، و لا قدرة له ، و لا يتكلم ، و لا كلام كان منه ، و أنه تحت الأرض ، لا على العرش ، جل و علا عن ذلك . فإذا عرفت ذلك و استيقنته علمت ما يجوز عليه النسخ و ما لا يجوز ، فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره كقوله عن فرعون : (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت) الآيات [يونس : 90] . و قال : (حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين) [محمد : 31] " . و قال : " قد تأول قوم أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار ؛ لأنه آمن عند الغرق ، و قال : " إنما ذكر الله أن قوم فرعون يدخلون النار دونه ، و قال : (فأوردهم النار) [هود : 98] . و قال : (و حاق بآل فرعون سوء العذاب) [غافر : 45] . و لم يقل : بفرعون . قال : و هكذا الكذب على الله ؛ لأن الله تعالى يقول : (فأخذه الله نكال الآخرة و الأولى) [النازعات : 25] . كذلك قوله : (فليعلمن الله الذين صدقوا) [العنكبوت : 3]. فأقر التلاوة على استئناف العلم من الله عز وجل عن أن يستأنف علما بشيء ؛ لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه ـ نجده ضرورة ـ قال : (ألا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير) [الملك : 14] . قال : و إنما قوله : (حتى نعلم المجاهدين) [محمد : 31] . إنما يريد حتى نراه ، فيكون معلوما موجودا ؛ لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدوما من قبل أن يكون ، و يعلمه موجودا كان قد كان ، فيعلم في وقت واحد معدوما موجودا و إن لم يكن ، و هذا محال " . و ذكر كلاما في هذا في الإرادة .
9- إلى أن قال : " و كذلك قوله : (إنا معكم مستمعون) [الشعراء : 15] . ليس معناه أن يحدث له سمعا ، و لا تكلف بسمع ما كان من قولهم ، و قد ذهب قوم من أهل السنة أن لله استماعا في ذاته ، فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول ؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقد فهم عما أدركته أذنه من الصوت ،
10- و كذلك قوله : (و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون) [التوبة : 105] . لا يحدث بصرا محدثا في ذاته ، و إنما يحدث الشيء فيراه مكونا ، كما لم يزل يعلمه قبل كونه " . إلى أن قال : " و كذلك قوله تعالى : (و هو القاهر فوق عباده و هو الحكيم الخبير) [الأنعام : 18] . و قوله : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . و قوله : (أأمنتم من في السماء) [الملك : 16] . وقوله : ( إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه) [فاطر : 10] . و قال : (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) [السجدة : 5] . و قال : (تعرج الملائكة و الروح إليه) [المعارج : 4] . و قال لعيسى : (إني متوفيك و رافعك إلي و مطهرك من الذين كفروا) الآية [آل عمران : 55] . و قال : (بل رفعه الله إليه) [النساء : 158] . و قال : (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته) [الأعراف : 206] . و ذكر الآلهة : أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا حيث هو ، فقال (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) [الإسراء : 42] . أي طلبه ، و قال : (سبح اسم ربك الأعلى) [الأعلى : 1] . قال أبو عبد الله : فلن ينسخ ذلك لهذا أبدا . كذلك قوله : (و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله) [الزخرف : 84] . و قوله : (و نحن أقرب إليه من حبل الوريد) [ق : 16] . وقوله : (و هو الله في السموات و في الأرض يعلم سركم و جهركم) [الأنعام : 3] . و قوله : (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) [المجادلة : 7] . الآية ، فليس هذا بناسخ لهذا ، و لا هذا ضد لذلك . و اعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته ، فيكون في أسفل الأشياء ، أو ينتقل فيها لانتقالها ، و يتبعض فيها على أقدراها ، و يزول عنها عند فنائها ، ـ جل و عز ـ عن ذلك ، و قد نزع بذلك بعض أهل الضلال ؛ فزعموا أن الله تعالى في كل مكان بنفسه كائنا ، كما هو على العرش ؛ لا فرقان بين ذلك ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه ؛ لأن كل من يثبت شيئا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه ، و احتجوا بهذه الآيات أن الله ـ تعالى ـ في كل شيء بنفسه كائنا ، ثم نفوا معنى ما أثبتوه ، فقالوا : لا كالشيء في الشيء . قال أبو عبد الله لنا : قوله : (حتى نعلم) [محمد : 31] . (فسيرى الله) [التوبة : 105] . (إنا معكم مستمعون) [الشعراء : 15] . فإنما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجودا ، و يسمعه مسموعا ، و يبصره مبصرا ، لا على استحداث علم و لا سمع و لا بصر . و أما قوله : (إذا أردنا) [الإسراء : 16] . إذا جاء وقت كون المراد فيه . و أن قوله : (على العرش استوى) [طه : 5] . (و هو القاهر فوق عباده) الآية [الأنعام : 18] . (أأمنتم من في السماء) [الملك : 16] . (إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) [الإسراء : 42] .
11- فهذا و غيره مثل قوله : (تعرج الملائكة و الروح إليه) [المعارج : 4] . (إليه يصعد الكلم الطيب) [فاطر : 10] . هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش ، فوق الأشياء كلها ، منزه عن الدخول في خلقه ، لا يخفى عليه منهم خافية ، لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده ؛ لأنه قال : (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) [الملك : 16] . يعني : فوق العرش ، و العرش على السماء ؛ لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء ، و قد قال مثل ذلك في قوله : (فسيحوا في الأرض) [التوبة : 2] . يعني على الأرض ، لا يريد الدخول في جوفها ، و كذلك قوله : (يتيهون في الأرض) [المائدة : 26] . يعني : على الأرض ، لا يريد الدخول في جوفها ، و كذلك قوله : (و لأصلبنكم في جذوع النخل) [طه :71] . يعني : فوقها عليها . و قال : (أأمنم من في السماء) [الملك : 16] . ثم فصل فقال : (أن يخسف بكم الأرض) [الملك : 16] . و لم يصل ، فلم يكن لذلك معنى ـ إذا فصل قوله : (من في السماء) [الملك : 16] . ثم استأنف التخويف بالخسف ـ إلا أنه على عرشه فوق السماء . و قال تعالى : (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) [السجدة : 5] . و قال : (تعرج الملائكة و الروح إليه) [المعارج : 4] . فبين عروج الأمر و عروج الملائكة ، ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه فقال : (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) [المعارج : 4] . فقال : صعودها إليه ، و فصله من قوله : (إليه) . كقول القائل : اصعد إلى فلان في ليلة أو يوم ، و ذلك أنه في العلو و إن صعودك إليه في يوم ، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل ، و إن صعودك إيه في يوم ، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل ، و إن كانوا لم يروه و لم يساووه في الارتفاع في علوه فإنهم صعدوا من الأرض ، و عرجوا بالأمر إلى العلو ، قال تعالى (بل رفعه الله إليه) [النساء : 158] . و لم يقل : عنده . و قال فرعون : (يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى) [غافر : 36-37] . ثم استأنف الكلام فقال : (و إني لأظنه كاذبا) [غافر: 37] . فيما قال لي أن إلهه فوق السموات . فبين الله أن فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال ، و عمد لطلبه حيث قاله مع الظن بموسى أنه كاذب ، و لو أن موسى قال : إنه في كل مكان بذاته لطلبه في بيته ، أو في بدنه ، أو حشه ـ فتعالى الله عن ذلك ـ و لم يجهد نفسه ببنيان الصرح . قال أبو عبد الله : " و أما الآي التي يزعمون أنها قد وصلها ـ و لم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه ـ فقال : (ألم تر أن الله يعلم ما في السموات و ما في الأرض) [المجادلة : 7] . فأخبر بالعلم ثم أخبر أنه مع كل مناج ، ثم ختم الآية بالعلم ، بقوله : (إن الله بكل شيء عليم) [المجادلة : 7] . فبدأ بالعلم ، و ختم بالعلم ، فبين أنه أراد أن يعلمهم حيث كانوا ، لا يخفون عليه ، و لا يخفى عليه مناجاتهم ، و لو اجتمع القوم في أسفل ، و ناظر إليهم في العلو فقال : إني لم أزل أراكم ، و أعلم مناجاتكم لكان صادقا ـ و لله المثل الأعلى أن يشبه الخلق ـ فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة و قالوا : هذا منكم دعوى . خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة ؛ لأن من هو مع الاثنين فأكثر ؛ هو معهم لا فيهم ، و من كان مع شيء خلا جسمه ، و هذا خروج من قولهم . و كذلك قوله تعالى : (و نحن أقرب إليه من حبل الوريد) [ق : 16] ؛ لأن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء ، ففي ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليس في حبل الوريد . و كذلك قوله : (و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله) [الزخرف : 84] . لم يقل في السماء ثم قطع ـ كما قال : (أأمنتم من في السماء) [الملك : 16] . ثم قطع فقال : (أن يخسف بكم الأرض) . فقال : (و هو الذي في السماء إله) . يعني إله أهل السماء و إله أهل الأرض ، و ذلك موجود في اللغة تقول : فلان أمير في خراسان ، و أمير في بلخ ، و أمير في سمرقند ، و إنما هو في موضع واحد ، و يخفى عليه ما وراءه ، فكيف العالي فوق الأشياء ، لا يخفى عليه شيء من الأشياء يدبره ، فهو إله فيهما إذ كان مدبرا لهما ، و هو على عرشه و فوق كل شيء ، تعالى عن الأشباه و الأمثال " اهـ .
شرح الفتوى الحموية الكبرى-06 ( اضيفت في - 2004-09-03 )
الفتوى الحموية الكبرى-الشيخ صالح آل الشيخ
  حجم الملف (3.79 ميغابايت) حمل نسختك الآن ( 1094 ) أستمع للشريط ( 770 )
المحتويات :-
1- و قال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه " اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء و الصفات " قال في آخر خطبته : " فاتفقت أقوال المهاجرين و الأنصار في توحيد الله عز وجل ، و معرفة أسمائه و صفاته و قضائه ، قولا واحدا و شرعا ظاهرا ، و هم الذين نقلوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك حتى قال : " عليكم بسنتي " . و ذكر الحديث ، و حديث : " لعن الله من أحدث حدثا " . قال : فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف ، و هم الذين أمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد ، و أصول الدين من الأسماء و الصفات ، كما اختلفوا في الفروع ، و لو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا ؛ كما نقل سائر الاختلاف ، فاستقر صحة ذلك عند خاصتهم و عامتهم ، حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان ، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين ، حتى نقلوا ذلك قرنا بعد قرن ؛ لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر ، و لله المنة . ثم إني قائل ـ و بالله أقول ـ إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد ، و ذكر الأسماء و الصفات على خلاف منهج المتقدمين ، من الصحابة و التابعين ، فخاضوا في ذلك من لم يعرفوا بعلم الآثار ، و لم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار ، و صار معولهم على أحكام هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به ، على مخالفة السنة ، و التعلق منهم بآيات لم يسعدهم فيها ما وافق النفوس ، فتأولوا على ما وافق هواهم ، و صححوا بذلك مذهبهم ، احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين ، و مأخذ المؤمنين ، و منهاج الأولين ، خوفا من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حذر رسول الله صلى الله عليه و سلم أمته ، و منع المستجيبين له حتى حذرهم . ثم ذكر أبوعبد الله خروج النبي صلى الله عليه و سلم و هم يتنازعون في القدر و غضبه . و حديث : " لا ألفين أحدكم " . و حديث : " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " : " فإن الناجية ما كان عليه هو أصحابه ، ثم قال :
2- فلزم الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة ، و لم يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين لهم بإحسان ، المعروفين بنقل الأخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة ، فيتصل ذلك قرنا بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة و الأمانة الحافظين على الأمة ما لهم و ما عليهم من إثبات السنة " . إلى أن قال : " فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها ذكر أسماء الله عز وجل في كتابه ، و ما بين صلى الله عليه و سلم من صفاته في سنته ، و ما وصف به عز وجل مما سنذكر قول القائلين بذلك ، مما لا يجوز لنا في ذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك ، و مما قد أمرنا بالاستسلام له " .
3- إلى أن قال : " ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية و الإقرار بالألوهية ، أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق ، بما بدأ من أسمائه و صفاته ، و أكد عليه السلام بقوله ، فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله لا إله إلا الله ، إلى أن قال بإثبات نفسه بالتفصيل و المجمل ، فقال لموسى عليه السلام : (واصطنعتك لنفسي) [طه : 41] . و قال : (و يحذركم الله نفسه) [آل عمران : 28] . و لصحة ذلك و استقرار ما جاء به المسيح عليه السلام فقال : (تعلم ما في نفسي و لا أعلم ما في نفسك) [المائدة : 116] . و قال عز وجل : (كتب ربكم على نفسه الرحمة) [الأنعام : 54] . و أكد عليه السلام صحة إثبات ذلك في سننه فقال : " يقول الله عز وجل : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " . و قال : " كتب كتابا بيده على نفسه : إن رحمتي غلبت غضبي " . و قال : " سبحان الله رضى نفسه " . و قال في محاجة آدم لموسى : " أنت الذي اصطفاك الله و اصطنعك لنفسه " . فقد صرح بظاهر قوله : إنه أثبت لنفسه نفسا ، و أثبت له الرسول ذلك ، فعلى من صدق الله و رسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه ، و يكون ذلك مبنيا على ظاهر قوله : (ليس كمثله شيء) [الشورى :11] " .
4- ثم قال : " فعلى المؤمنين خاصتهم و عامتهم قبول كل ما ورد عنه عليه السلام بنقل العدل عن العدل ، حتى يتصل به صلى الله عليه و سلم ، و إن مما قضى الله علينا في كتابه ، و وصف به نفسه ، و وردت السنة بصحة ذلك أن قال : (الله نور السموات و الأرض) [النور : 35] . ثم قال عقيب ذلك : (نور على نور) . و بذلك دعاه صلى الله عليه و سلم : " أنت نور السموات و الأرض " .ثم ذكر حديث أبي موسى : " حجابه النور ـ أو النار ـ لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ". و قال : " سبحات وجهه : جلاله و نوره " . نقله عن الخليل و أبي عبيد ، و قال : قال عبد الله بن مسعود : نور السموات نور وجهه " .
5- ثم قال : " و مما ورد به النص أنه حي " ، و ذكر قوله تعالى : (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) [البقرة : 255] . و الحديث : " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث " . قال : " و مما تعرف الله إلى عباده أن وصف نفسه أن له وجها موصوفا بالجلال و الإكرام ، فأثبت لنفسه وجها " و ذكر الآيات . ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم ، فقال : " في هذا الحديث من أوصاف الله عز وجل لا ينام ، موافق لظاهر الكتاب : (لا تأخذه سنة و لا نوم) [البقرة : 255] . و أن له وجها موصوفا بالأنوار ، و أن له بصرا كما علمنا في كتابه أنه سميع بصير " . ثم ذكر الأحاديث في إثبات الوجه ، و في إثبات السمع و البصر ، و الآيات الدالة على ذلك . ثم قال : " ثم إن الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين ، أن قال : له يدان قد بسطهما بالرحمة " و ذكر الأحاديث في ذلك ، ثم ذكر شعر أمية بن أبي الصلت . ثم ذكر حديث : " يلقى في النار و تقول : هل من مزيد ؟ حتى يضع فيها رجله " . و هي رواية البخاري . و في رواية أخرى : " يضع عليها قدمه " . ثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس : أن الكرسي موضع القدمين و أن العرش لا يقدر قدره إلا الله ، و ذكر قول مسلم البطين نفسه ، و قول السدي ، و قول وهب بن منبه ، و أبي مالك و بعضهم يقول : موضع قدميه . و بعضهم يقول : واضع رجليه عليه . ثم قال : فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة موافقة لقول النبي صلى الله عليه و سلم متداولة في الأقوال ، و محفوظة في الصدر ، و لا ينكر خلف عن السلف ، و لا ينكر عليهم أحد من نظرائهم ، نقلتها الخاصة والعامة مدونة في كتبهم ، إلى أن حدث في آخر الأمة من قلل الله عددهم ، ممن حذرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن مجالستهم و مكالمتهم ، و أمرنا أن لا نعود مرضاهم ، و لا نشيع جنائزهم ، فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات ، فضربوها بالتشبيه ، و عمدوا إلى الأخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام المقاييس ، و كفر المتقدمين ، و أنكروا على الصحابة و التابعين ، و ردوا على الأئمة الراشدين ، فضلوا و أضلوا عن سواء السبيل " .
6- ثم ذكر المأثور عن ابن عباس ، و جوابه لنجدة الحروري ، ثم حديث " الصورة " . و ذكر أنه صنف فيه كتابا مفردا ، و اختلاف الناس في تأوليه . ثم قال : " و سنذكر أصول السنة و ما ورد من الاختلاف فيما نعتقده فيما خالفنا فيه أهل الزيغ و ما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة إن شاء الله " . ثم ذكر الخلاف في الإمامة ، و احتج عليها ، و ذكر اتفاق المهاجرين و الأنصار على تقديم الصديق ، و أنه أفضل الأمة . ثم قال : " و كان الاختلاف في خلق الأفعال هل هي مقدرة أم لا ؟ قال : و قولنا فيها : إن أفعال العباد مقدرة معلومة " . و ذكر إثبات القدر ، ثم ذكر الخلاف في أهل " الكبائر " و مسألة " الأسماء و الأحكام " و قال : " قولنا فيها أنهم مؤمنون على الإطلاق و أمرهم إلى الله ، إن شاء عذبهم و إن شاء عفا عنهم " . وقال : " أصل الإيمان موهبة يتولد منها أفعال العباد ، فيكون أصل التصديق و الإقرار و الأعمال " .
7- و ذكر الخلاف في زيادة الإيمان و نقصانه ، و قال : " قولنا : أنه يزيد و ينقص . قال : ثم كان الاختلاف في القرآن مخلوقا و غير مخلوق ، فقولنا و قول أئمتنا : إن القرآن كلام الله غير مخلوق ، و أنه صفة الله ، منه بدأ قولا و إليه يعود حكما ". ثم ذكر الخلاف في الرؤية و قال : " قولنا و قول أئمتنا فيما نعتقد أن الله يرى في القيامة " و ذكر الحجة . ثم قال : " اعلم ـ رحمك الله ـ أني ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من ترتيب المحدثين في كل الأزمنة ، و قد بدأت أن أذكر أحكام الجمل من العقود . فنقول و نعتقد : أن الله عز وجل له عرش ، و هو على عرشه ، فوق سبع سمواته ، بكل أسمائه و صفاته ؛ كما قال : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) [السجدة : 5] . و لا نقول : إنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه ؛ لأنه عالم بما يجري على عباده (ثم يعرج إليه) [السجدة : 5] .
شرح الفتوى الحموية الكبرى-07 ( اضيفت في - 2004-09-03 )
الفتوى الحموية الكبرى-الشيخ صالح آل الشيخ
  حجم الملف (5.58 ميغابايت) حمل نسختك الآن ( 1123 ) أستمع للشريط ( 804 )
المحتويات :-
1- إلى أن قال : " و نعتقد أن الله تعالى خلق الجنة و النار ، و أنهما مخلوقتان للبقاء ، لا للفناء " . إلى أن قال : " و نعتقد أن النبي صلى الله عليه و سلم عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى " إلى أن قال : " و نعتقد أن الله قبض قبضتين فقال : " هؤلاء للجنة و هؤلاء للنار " . و نعتقد أن للرسول صلى الله عليه و سلم حوضا ، و نعتقد أنه أول شافع و أول مشفع " ، و ذكر " الصراط " و " الميزان " و " الموت " و أن المقتول قتل بأجله و استوفى رزقه .
2- إلى أن قال : و مما نعتقد أن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر ؛ فيبسط يده فيقول : " ألا هل من سائل " . الحديث ، و ليلة النصف من شعبان . و عشية عرفة . و ذكر الحديث في ذلك . قال : " و نعتقد أن الله تعالى كلم موسى تكليما ، و اتخذ إبراهيم خليلا ، و أن الخلة غير الفقر .
3- لا كما قال أهل البدع . و نعتقد أن الله تعالى خص محمدا صلى الله عليه و سلم بالرؤية ، و اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ، و نعتقد أن الله تعالى اختص بمفتاح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله (إن الله عنده علم الساعة) [لقمان : 34] الآية . و نعتقد المسح على الخفين ، ثلاثا للمسافر ، و يوما و ليلة للمقيم ، و نعتقد الصبر على السلطان من قريش ، ما كان من جور أو عدل ، ما أقام الصلاة من الجمع و الأعياد ، و الجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة ، و الصلاة في الجماعة حيث ينادى لها واجب ، إذا لم يكن عذر أو مانع ، و التراويح سنة ، و نشهد أن من ترك الصلاة عمدا فهو كافر ، و الشهادة و البراءة بدعة .
4- و الصلاة على من مات من أهل القبلة سنة ، و لا ننزل أحدا جنة و لا نارا حتى يكون الله ينزلهم .
5- و المراء و الجدال في الدين بدعة . و نعتقد أن ما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرهم إلى الله ، و نترحم على عائشة و نترضى عنها .
6- و القول في اللفظ و الملفوظ ، و كذلك في الاسم و المسمى بدعة و القول في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة .
7- و اعلم أني ذكرت اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة و التابعين مجملا من غير استقصاء ، إذ تقدم القول من مشايخنا المعروفين من أهل الإبانة و الديانة ، إلا أني أحببت أن أذكر عقود أصحابنا المتصوفة فيما أحدثته طائفة نسبوا إليهم ما قد تخرصوا من القول بما نزه الله تعالى المذهب و أهله من ذلك " . إلى أن قال : " و قرأت لمحمد بن جرير الطبري في كتاب سماه " التبصير " ، كتب بذلك إلى أهل طبرستان في اختلاف عندهم ، و سألوه أن يصنف لهم ما يعتقد و يذهب إليه ، فذكر في كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى ، فذكر عن طائفة إثبات الرؤية في الدنيا و الآخرة ، و نسب هذه المقالة إلى " الصوفية " قاطبة لم يخص طائفة . فبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المخلصين منهم ، و كان من نسب إليه ذلك القول ـ بعد أن ادعى الطائفة ـ ابن أخت عبد الواحد بن زيد ، و الله أعلم محله عند المخلصين ، فكيف بابن أخته ، و ليس إذا أحدث الزائغ في نحلته قولا نسب إلى الجملة ، كذلك في الفقهاء و المحدثين ليس من أحدث قولا في الفقه ، و ليس فيه حديث يناسب ذلك ، ينسب ذلك إلى جملة الفقهاء و المحدثين . و اعلم أن لفظ " الصوفية " و علومهم تختلف ، فيطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم ومرموزات ، و إشارات تجري فيما بينهم ، فمن لم يداخلهم على التحقيق ، ونازل ما هم عليه رجع عنهم و هو خاسئ و حسير " . ثم ذكر إطلاقهم لفظ " الرؤية " بالتقييد . فقال : " كثيرا ما يقولون : رأيت الله " يقول : " و ذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل : هل رأيت الله حين عبدته ؟ قال : رأيت الله ثم عبدته . فقال السائل : كيف رأيته ؟ فقال : لم تره الأبصار بتحديد الأعيان ، و لكن رؤية القلوب بتحقيق الإيقان " . ثم قال : و إنه تعالى يرى في الآخرة كما أخبر في كتابه ، و ذكره رسول الله صلى الله عليه و سلم ، هذا قولنا و قول أئمتنا ، دون الجهال من أهل الغباوة فينا . و إن مما نعتقده أن الله حرم على المؤمنين دماءهم و أموالهم و أعراضهم ، و ذكر ذلك في حجة الوداع ، فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يبيح الحق له ما حظر على المؤمنين ـ إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس لو بلغ العبد ما بلغ من العلم و العبادات ـ فذلك كفر بالله ، و قائل ذلك قائل بالإباحة ، و هم المنسلخون من الديانة . و إن مما نعتقده ترك إطلاق تسمية " العشق " على الله تعالى ، و بين أن ذلك لا يجوز لاشتقاقه و لعدم ورود الشرع به . و قال : أدنى ما فيه أنه بدعة و ضلالة ، و فيما نص الله من ذكر المحبة كفاية .
8- و إن مما نعتقده أن الله لا يحل في المرئيات ، و أنه المتفرد بكمال أسمائه و صفاته ، بائن من خلقه ، مستو على عرشه ، و أن القرآن كلامه غير مخلوق ـ حيثما تلي و درس و حفظ ـ و نعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا ، و اتخذ نبينا محمدا صلى الله عليه و سلم خليلا و حبيبا ، و الخلة لهما منه ، على خلاف ما قاله المعتزلة : إن الخلة الفقر و الحاجة . إلى أن قال : " و الخلة و المحبة صفتان لله هو موصوف بهما ، و لا تدخل أوصافه تحت التكييف و التشبيه ، و صفات الخلق من المحبة و الخلة جائز عليها الكيف ، فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم ، و موجودة في التعريف ، قد انتفى عنهما التشبيه ، فالإيمان به واجب ، و اسم الكيفية عن ذلك ساقط .
9- و مما نعتقده أن الله أباح المكاسب و التجارات و الصناعات ، و إنما حرم الله الغش و الظلم ، و أما من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضال مضل مبتدع ، إذ ليس الفساد و الظلم و الغش من التجارات و الصناعات في شيء ، إنما حرم الله و رسوله الفساد لا الكسب و التجارات ، فإن ذلك على أصل الكتاب و السنة جائز إلى يوم القيامة ، و إن مما نعتقده أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات ؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة ، و المعتقد أن الأرض تخلو من الحلال ، و الناس يتقلبون في الحرام فهو مبتدع ضال ، إلا أنه يقل في موضع و يكثر في موضع ، لا أنه مفقود من الأرض .
10- و مما نعتقده أنا إذا رأينا من ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه و ماله و طعامه جائز أن يؤكل طعامه و المعاملة في تجارته ، فليس علينا الكشف عما قاله . فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط ، جاز إلا من داخل الظلمة ، و من ينزع عن الظلم ، و أخذ الأموال بالباطل و معه غير ذلك ، فالسؤال و الترقي ، كما سأل الصديق غلامه ، فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الأموال فاختلطا فلا يطلق عليه الحلال و لا الحرام ، إلا أنه مشتبه ، فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصديق ، و أجاز ابن مسعود و سلمان الأكل منه و عليه التبعة ، و الناس طبقات و الدين الحنيفية السمحة .
11- و إن مما نعتقده أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه فلا يسقط عنه الخوف و الرجاء ، و كل من ادعى الأمن فهو جاهل بالله ، و بما اخبر به عن نفسه (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) [الأعراف : 99] . و قد أفردت كشف عورات من قال بذلك . و نعتقه أن العبودية لا تسقط عن العبد ما عقل و علم ما له و ما عليه ، فيبقى على أحكام القوة و الاستطاعة ، إذ لم يسقط الله ذلك عن الأنبياء ، و الصديقين ، و الشهداء , الصالحين ، و من زعم أنه قد خرج عن رق العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية ، و الخروج إلى أحكام الأحدية المسدية بعلائق الآخرية : فهو كافر لا محالة ، إلا من اعتراه علة ، أو رأفة ، فصار معتوها ، أو مجنونا ، أو مبرسما ، و قد اختلط عقله ، أو لحقه غشية يرتفع عنه بها أحكام العقل ، و ذهب عنه التمييز و المعرفة ، فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة . و من زعم الإشراف على الخلق ، يعلم مقاماتهم و مقدارهم عند الله ـ بغير الوحي المنزل من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ فهو خارج عن الملة ، و من ادعى أنه يعرف مآل الخلق و منقلبهم ، و على ماذا يموتون عليه و يختم لهم ـ بغير الوحي من قول الله و قول رسوله ـ فقد باء بغضب من الله .
12- و الفراسة حق على أصول ما ذكرناه ، و ليس ذلك مما رسمناه في شيء ، و من زعم أن صفاته تعالى بصفاته ـ و يشير في ذلك إلى غير آية العظمة و التويق و الهداية ـ و أشار إلى صفاته عز وجل القديمة : فهو حلولي قائل باللاهوتية و الالتحام ، و ذلك كفر لا محالة .
13- و نعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة ، و من قال إنها غير مخلوقة فقد ضاهى قول النصارى ـ النسطورية ـ في المسيح ، و ذلك كفر بالله العظيم ،
14- و من قال : إن شيئا من صفات الله حال في العبد ، أوقال بالتبعيض على الله فقد كفر و القرآن كلام الله ليس بمخلوق ، و لا حال في مخلوق ، و أنه كيفما تلي ، و قرئ ، و حفظ ، فهو صفة الله عز وجل و ليس الدرس من المدروس و لا التلاوة من المتلو ؛ لأنه عز وجل بجميع صفاته و أسمائه غير مخلوق ، و من قال بغير ذلك فهو كافر .
15- و نعتقد أن القراءة " الملحنة " بدعة و ضلالة ، و أن القصائد بدعة ، و مجراها على قسمين : فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله و نعمائه و إظهار نعت الصالحين و صفة المتقين فذلك جائز ، و تركه و الاشتغال بذكر الله و القرآن و العلم أولى به ، و ما جرى على وصف المرئيات و نعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر ، و استماع الغناء و الربعيات على الله كفر ، و الرقص بالإيقاع و نعت الرقاصين على أحكام الدين فسق ، و على أحكام التواجد و الغناء لهو و لعب . و حرام على كل من يسمع القصائد و الربعيات الملحنة ـ الجائي بين أهل الأطباع ـ على أحكام الذكر ، إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد ، و معرفة أسمائه و صفاته ، و ما يضاف إلى الله تعالى من ذلك ، و ما لا يليق به عز وجل مما هو منزه عنه ، فيكون استماعه كما قال : (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) الآية [الزمر : 18] . و كل من جهل ذلك و قصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر لا محالة ، فكل من جمع القول و أصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز إلا لمن عرف بما وصفت من ذكر الله و نعمائه ، و ما هو موصوف به عز وجل مما ليس للمخلوقين فيه نعت و لا وصف ، بل ترك ذلك أولى و أحوط ، و الأصل في ذلك أنها بدعة ، و الفتنة فيها غير مأمونة على استماع الغناء . و " الربعيات " بدعة ، و ذلك مما أنكره المطلبي ، ومالك ، و الثوري ، و يزيد بن هارون ، و أحمد بن حنبل ، و إسحاق ، و الإقتداء بهم أولى من الإقتداء بمن لا يعرفون في الدين ، و لا لهم قدم عند المخلصين . و بلغني أنه قيل لبشر بن الحارث : إن أصحابك قد احدثوا شيئا يقال له القصائد .
16- قال : مثل إيش ؟ قال : مثل قوله : اصبري يا نفـــــس حـتى تسكني دار الجــــــــليل فقال : حسن ، و أين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك ؟ قال : قلت ببغداد ، فقال : كذبوا ـ و الله الذي لا إله غيره ـ لا يسكن ببغداد من يستمع ذلك . قال أبو عبد الله : و مما نقول ـ و هو قول أئمتنا ـ إن الفقير إذا احتاج و صبر و لم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى ، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله صلى الله عليه و سلم : " لأن يأخذ أحدكم حبله " . الحديث ، و نقول : إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط موسومة من التعفف و الاستغناء عما في أيدي الناس ، و من جعل السؤال حرفة ـ و هو صحيح ـ فهو مذموم في الحقيقة خارج . و نقول : إن المستمع إلى الغناء ، و الملاهي فإن ذلك كما قال عليه السلام : " الغناء ينبت النفاق في القلب " . و إن لم يكفر فهو فسق لا محالة . و الذي نختار : قول أئمتنا : أن ترك المراء في الدين ، و الكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق ، و من زعم أن الرسول صلى الله عليه و سلم واسط يؤدي ، و أن المرسل إليهم أفضل : فهو كافر بالله ، و من قال بإسقاط على الجملة فقد كفر " اهـ .
شرح الفتوى الحموية الكبرى-08 ( اضيفت في - 2004-09-03 )
الفتوى الحموية الكبرى-الشيخ صالح آل الشيخ
  حجم الملف (5.87 ميغابايت) حمل نسختك الآن ( 1186 ) أستمع للشريط ( 758 )
المحتويات :-
1- تتمة شرح الشريط السابق .
2- و من متأخريهم الشيخ الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني قال في كتاب " الغنية " : " أما معرفة الصانع بالآيات و الدلالات على وجه الاختصار فهو أن يعرف و يتيقن أن الله واحد احد " . إلى أن قال : " و هو بجهة العلو مستو على العرش ، محتو على الملك ، محيط علمه بالأشياء (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه) [فاطر : 10] (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) [السجدة : 5] . و لا يجوز وصفه بأنه في كل مكان ، بل يقال إنه في السماء على العرش ، كما قال : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . و ذكر آيات و أحاديث إلى أن قال : " و ينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل ، و أنه استواء الذات على العرش " ، قال : " و كونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف " . و ذكر كلاما طويلا لا يحتمله هذا الموضع ، و ذكر في سائر الصفات نحو هذا . و لو ذكرت ما قاله العلماء في هذا لطال الكتاب جدا . قال أبو عمر بن عبد البر : روينا عن مالك بن أنس ، و سفيان الثوري و سفيان ابن عيينة ، و الأوزاعي ، و معمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا : أمروها كما جاءت . قال أبو عمر : ما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم من نقل الثقات أو جاء عن أصحابه رضي الله عنهم فهم علم يدان به ، و ما أحدث بعدهم و لم يكن له أصل فيما جاء عنهم فهو بدعة و ضلالة . و قال في " شرح الموطأ " لما تكلم على حديث النزول قال : هذا حديث ثابت النقل صحيح من جهة الإسناد ، و لا يختلف أهل الحديث في صحته ، و هو منقول من طرق ـ سوى هذه ـ من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه و سلم ، و فيه دليل على أن الله في السماء على العرش استوى من فوق سبع سموات ، كما قالت الجماعة ، و هو من حجتهم على المعتزلة في قولهم : إن الله تعالى في كل مكان بذاته المقدسة . قال : و الدليل على صحة ما قال أهل الحق قول الله ـ و ذكر بعض الآيات ـ إلى أن قال : و هذا أشهر و أعرف عند العامة و الخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته ؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ، و لا أنكره عليهم مسلم . و قال أبو عمر بن عبد البر أيضا : اجمع علماء الصحابة و التابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله : (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) [المجادلة : 7] . هو على العرش ، و علمه في كل مكان ، و ما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله . و قال أبو عمر أيضا : أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن و السنة ، و الإيمان بها ، و حملها على الحقيقة لا على المجاز ، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ، و لا يحدون فيه صفة محصورة . و أما أهل البدع الجهمية و المعتزلة كلها و الخوارج : فكلهم ينكرونها ، و لا يحملون شيئا منها على الحقيقة ، و يزعمون أن من أقر بها مشبه ، و هم عند من أقر بها نافون للمعبود ، و الحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم و هم أئمة الجماعة ، هذا كلام ابن عبد البر إمام أهل المغرب .
3- و في عصره الحافظ أبو بكر البيهقي ـ مع توليه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري ، و ذبه عنهم ـ قال في كتابه " الأسماء و الصفات " : باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين ـ لا من حيث الجارحة ـ لورود خبر الصادق به . قال الله تعالى : (يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) [ص : 75] . و قال : (بل يداه مبسوطتان) [المائدة : 64] . و ذكر الأحاديث الصحاح في هذا الباب ، مثل قوله في غير حديث ، في حديث الشفاعة : " يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده " . و مثل قوله في الحديث المتفق عليه : " أنت موسى اصطفاك الله بكلامه ، و خط لك الألواح بيده " . و في لفظ : " و كتب لك التوراة بيده " . و مثل ما في صحيح مسلم : أنه سبحانه غرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده ، و مثل قوله صلى الله عليه و سلم : " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر ، نزلا لأهل الجنة " . و ذكر أحاديث مثل قوله : " بيدي الأمر " . " و الخير في يديك " . " و الذي نفس محمد بيده " . و " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار و يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل " . و قوله : " المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن و كلتا يديه يمين . و قوله : " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ، ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ " . و قوله : " يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل و النهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات و الأرض فإنه لم يغض ما في يمينه و عرشه على الماء و بيده الأخرى القسط يخفض و يرفع " . و كل هذه الأحاديث في الصحاح . و ذكر أيضا قوله : " إن الله لما خلق آدم قال له و يداه مقبوضتان : اختر أيهما شئت ، قال : اخترت يمين ربي و كلتا يدي ربي يمين مباركة " . و حديث : " إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره بيده " . إلى أحاديث أخر ذكرها من هذا النوع . ثم قال البيهقي : " أما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيات و الأخبار في هذا الباب " . و كذلك قال في الاستواء على العرش ، و سائر الصفات الخبرية ، مع أنه يحكي قول بعض المتأخرين .
4- و قال القاضي أبو يعلى في كتاب " إبطال التأويل " : " لا يجوز رد هذه الأخبار و لا التشاغل بتأويلها ، و الواجب حملها على ظاهرها ، و أنها صفات الله ، لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق ، و لا يعتقد التشبيه فيها ، لكن على ما روي عن الإمام أحمد و سائر الأئمة " . و ذكر بعض كلام الزهري ، و مكحول ، و مالك ، و الثوري ، و الأوزاعي ، و الليث ، و حماد بن زيد ، و حماد بن سلمة ، و سفيان بن عيينة ، و الفضيل بن عياض ، و وكيع ، و عبد الرحمن بن مهدي ، و الأسود بن سالم ، و إسحاق بن راهويه ، و أبي عبيد ، و محمد بن جرير الطبري ، و غيرهم في هذا الباب ، و في حكاية ألفاظهم طول . إلى أن قال : " و يدل على إبطال التأويل : أن الصحابة و من بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها ، و لم يتعرضوا لتأويلها و لا صرفوها عن ظاهرها ، فلو كان التأويل سائغا لكانوا أسبق إليه ، لما فيه من إزالة التشبيه و رفع الشبهة " . و قال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلام في كتابه الذي صنفه في " اختلاف المصلين و مقالات الإسلاميين " و ذكر فرق الروافض ، و الخوارج ، و المرجئة ، و المعتزلة ، و غيرهم . ثم قال : " مقالة أهل السنة و أصحاب الحديث " جملة . قول أصحاب الحديث و أهل السنة : الإقرار بالله و ملائكته ، وكتبه و رسله ، و بما جاء عن الله تعالى ، و ما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يرون شيئا من ذلك ، و أن الله واحد أحد ، فرد صمد لا إله غيره ، لم يتخذ صاحبة و لا ولدا ، و أن محمدا عبده و رسوله ، و أن الجنة حق و أن النار حق ، و أن الساعة آتية لا ريب فيها ، و أن الله يبعث من في القبور ، و أن الله على عرشه كما قال : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . و أنه له يدين بلا كيف كما قال : (خلقت بيدي) [ص : 75] . و كما قال : (بل يداه مبسوطتان) [المائدة : 64] . و أن له عينين بلا كيف كما قال : (تجري بأعيننا) [القمر : 14] . و أن له وجها كما قال : (و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام) [الرحمن : 27] . و أن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة و الخوارج ، و أقروا أن لله علما كما قال : (أنزله بعلمه ) [النساء : 166] . و كما قال : (و ما تحمل من أنثى و لا تضع إلا بعلمه) [فاطر : 11] . و أثبتوا له السمع و البصر ، و لم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة ، و أثبتوا لله القوة كما قال : (أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) و ذكر مذهبهم في القدر . إلى أن قال : و يقولون : إن القرآن كلام الله غير مخلوق ، و الكلام في اللفظ و الوقف ، من قال باللفظ و بالوقف فهو مبتدع عندهم ، لا يقال : اللف بالقرآن مخلوق و لا يقال : غير مخلوق ، و يقرون أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر ، يراه المؤمنون و لا يراه الكافرون ، لأنهم عن الله محجوبون ، قال عز وجل : (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [المطففين : 15] . و ذكر قولهم في الإسلام و الإيمان و الحوض و الشفاعة و أشياء . إلى أن قال : و يقرون بأن الإيمان قول و عمل ، يزيد و ينقص ، و لا يقولون : مخلوق ، و لا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار.
5- إلى أن قال : و ينكرون الجدل و المراء في الدين و الخصومة و المناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ، و يتنازعون فيه من دينهم ، و يسلمون الروايات الصحيحة كما جاءت به الآثار الصحيحة التي جاءت بها الثقات عدل عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لا يقولون : كيف و لا لم ؟ لأن ذلك بدعة عندهم . إلى أن قال : و يقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى : (و جاء ربك و الملك صفا صفا) [الفجر : 22] . و أن الله يقرب من خلقه كيف شاء ، كما قال : (و نحن أقرب إليه من حبل الوريد) [ق : 16] .
6- إلى أن قال : و يرون مجانبة كل داع إلى بدعة ، و التشاغل بقراءة القرآن و كتابة الآثار ، و النظر في الآثار ، و النظر في الفقه ، مع الاستكانة و التواضع ، و حسن الخلق ، مع بذل المعروف ، و كف الأذى ، و ترك الغيبة و النميمة و الشكاية ، و تفقد المآكل و المشارب . قال : فهذه جملة ما يأمرون به ، و يستسلمون إليه و يرونه ، و بكل ما ذكرنا من قولهم نقول ، و إليه نذهب ، و ما توفيقنا إلا بالله ، و هو المستعان .
7- و قال الأشعري أيضا في " اختلاف أهل القبلة في العرش " فقال : قال أهل السنة و أصحاب الحديث : إن الله ليس بجسم ، و لا يشبه الأشياء ، و أنه استوى على العرش كما قال : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . و لا نتقدم بين يدي الله [ في نسخة القارئ : زيادة " ورسوله " ] في القول بل نقول : استوى بلا كيف ، و إن له وجها كما قال : (و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام) [الرحن : 27] . و أن له يدين كما قال : (خلقت بيدي) [ص : 75] . و أن له عينين كما قال : (تجري بأعيننا) [القمر : 14] . و أنه يجيء يوم القيامة هو و ملائكته كما قال : (و جاء ربك و الملك صفا صفا) [الفجر: 22] .
8- و أنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث . و لم يقولوا شيئا إلا ما وجدوه في الكتاب ، أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قالت المعتزلة : إن الله استوى على العرش بمعنى استولى ، و ذكر مقالات أخرى . و قال أيضا أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه " الإبانة في أصول الديانة " و قد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه ، و عليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه ، فقال : " فصل في إبانة قول أهل الحق و السنة " . فإن قال قائل : قد أنكرتم قول المعتزلة ، و القدرية ، و الجهمية ، و الحرورية ، و الرافضة ، و المرجئة ، فعرفونا قولكم الذي به تقولون ، وديانتكم التي بها تدينون . قيل له : قولنا الذي نقول به ، و ديانتنا التي ندين بها : التمسك بكلام ربنا ، و سنة نبينا ، و ما روي عن الصحابة و التابعين و أئمة الحديث ، و نحن بذلك معتصمون ، و بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل ـ نضر الله وجهه و رفع درجته و أجزل مثوبته ـ قائلون ، و لما خالف قوله مخالفون ، لأنه الإمام الفاضل ، و الرئيس الكامل ، الذي أبان الله به الحق ، و دفع به الضلال ، و أوضح به المنهاج ، و قمع به بدع المبتدعين ، و زيغ الزائغين ، و شك الشاكين ، فرحمة الله عليه من إمام مقدم ، و جليل معظم ، و كبير مفهم ! . وجملة قولنا : أن نقر بالله ، و ملائكته ، و كتبه ، و رسله ، و بما جاءوا به من عند الله ، و بما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لا نرد من ذلك شيئا ، و أن الله واحد لا إله إلا هو ، فرد صمد ، لم يتخذ صاحبة و لا ولدا ، و أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالهدى و دين الحق (ليظهره على الدين كله) [الفتح : 28] . و أن الجنة ، حق و النار حق ، و أن الساعة آتية ، و أن الله يبعث من في القبور . و أن الله مستو على عرشه كما قال : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . و أن له وجها كما قال : (و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام) [الرحمن : 27] . و أن له يدين بلا كيف ، كما قال : (خلقت بيدي) [ص : 75] . و كما قال : (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) [المائدة : 64] . و أن له عينين بلا كيف كما قال : (تجري بأعيننا) [القمر: 14] . و أن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا ، و ذكر نحوا مما ذكر في الفرق . إلى أن قال : و نقول : إن الإسلام أوسع من الإيمان ، و ليس كل إسلام إيمانا ، و ندين بأن الله يقلب القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل .
9- و أنه عز وجل يضع السموات على إصبع ، و الأرضين على إصبع ، كما جاءت الرواية الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم . إلى أن قال : و أن الإيمان قول و عمل ، يزيد و ينقص ، و نسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم التي رواها الثقات عدلا عن عدل حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم .
10- إلى أن قال : ونصدق بجميع الروايات التي أثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا ، و أن الرب عز وجل يقول : " هل من سائل ؟ هل من مستغفر ؟ " . و سائر ما نقلوه و أثبتوه خلافا لما قال أهل الزيغ و التضليل . و نعول فيما اختلفا فيه إلى كتاب ربنا ، و سنة نبينا ، و إجماع المسلمين ، و ما كان في معناه ، و لا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به ، و لا نقول على الله ما لا نعلم . و نقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال : (و جاء ربك و الملك صفا صفا) [الفجر : 22] . و أن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال : (و نحن أقرب إليه من حبل الوريد) [ق : 16] . , كما قال : (ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى) [النجم : 8-9] . إلى أن قال : و سنحتج لما ذكرناه من قولنا و ما بقي مما لم نذكره بابا بابا . ثم تكلم على أن الله يرى ، و استدل على ذلك ، ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق ، و استدل على ذلك ، ثم تكلم على من وقف في القرآن ، و قال : لا أقول : إنه مخلوق ، و لا غير مخلوق ، ورد عليه . ثم قال : " باب ذكر الاستواء على العرش " . فقال : إن قال قائل : ما تقولون في الاستواء ؟ قيل له : نقول إن الله مستو على عرشه كما قال : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . و قال تعالى : (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه) [فاطر : 10] . و قال تعالى : (بل رفعه الله إليه) [النساء : 158] . و قال تعالى : (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) [السجدة : 5] . و قال تعالى حكاية عن فرعون : (يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى و إني لأظنه كاذبا( [غافر : 36-37] . كذب موسى في قوله : إن الله فوق السموات . و قال تعالى : (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) [الملك : 16] . فالسموات فوقها العرش ، فلما كان العرش فوق السموات قال : (أأمنتم من في السماء) [الملك : 16] . لأنه مستو على العرش الذي هو فوق السموات ، و كل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السموات ، و ليس إذا قال : (أأمنتم من في السماء) [الملك : 16] . يعني جميع السموات ، و إنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ، ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السموات فقال تعالى : (و جعل القمر فيهن نورا) [نوح : 16] . و لم يرد أن القمر يملؤهن و إنه فيهن جميعا . و رأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم ـ إذا دعو ـ نحو السماء ؛ لأن الله على عرشه الذي هو فوق السموات ، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش ، كما لا يحيطونها إذا دعو إلى الأرض .
شرح الفتوى الحموية الكبرى-09 ( اضيفت في - 2004-09-03 )
الفتوى الحموية الكبرى-الشيخ صالح آل الشيخ
  حجم الملف (5.87 ميغابايت) حمل نسختك الآن ( 1120 ) أستمع للشريط ( 734 )
المحتويات :-
1- تتمة الشرح السابق .
2- ثم قال : " فصل " . و قد قال القائلون من المعتزلة ، و الجهمية ، و الحرورية : إن معنى قوله : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . أنه استولى و قهر و ملك ، و أن الله عز وجل في كل مكان ، و جحدوا أن يكون الله على عرشه ، كما قال أهل الحق ، و ذهبوا في الاستواء إلى القدرة ، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش و الأرض السابعة ؛ لأن الله قادر على كل شيء ، و الأرض فالله قادر عليها ، و على الحشوش ، و على كل ما في العالم ، فلو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء ـ و هو عز وجل مستول على الأشياء كلها ـ لكان مستويا على العرش و على الأرض ، و على السماء و على الحشوش و الأقذار ، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها . و إذا كان قادرا على الأشياء كلها و لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول : إن الله مستو على الحشوش و الأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ، و وجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها ، و ذكر دلالات من القرآن و الحديث ، و الإجماع ، و العقل .
3- ثم قال : " باب الكلام في الوجه و العينين و البصر و اليدين " . و ذكر الآيات في ذلك ، ورد على المتأولين لها بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته ، مثل قوله : فإن سئلنا : أتقولون لله يدان ؟ قيل : نقول ذلك ، و قد دل عليه قوله تعالى : (يد الله فوق أيديهم) [التح : 10] . و قوله تعالى : (لما خلقت بيدي) . و روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : " إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته " . "و خلق جنة عدن بيده " . " و كتب التوراة بيده " . و قد جاء في الخبر المذكور عن النبي صلى الله عليه و سلم : " إن الله خلق آدم بيده ، و خلق جنة عدن بيده ، و كتب التوراة بيده ، و غرس شجرة طوبى بيده " .
4- و ليس يجوز في لسان العرب ، و لا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل : عملت كذا بيدي و يريد بها النعمة ، و إذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها ، و ما يجري مفهوما في كلامها ، و معقولا في خطابها ، و كان لا يجوز في خطاب أهل البيان أن يقول القائل : فعلت كذا بيدي و يعني بها النعمة بطل أن يكون معنى قوله تعالى : (بيدي) : النعمة . و ذكر كلاما طويلا في تقرير هذا و نحوه . و قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم ـ
5- و هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ، ليس فيهم مثله لا قبله و لا بعده ـ قال في كتاب " الإبانة " تصنيفه : فإن قال قائل : فما الدليل على أن الله وجها و يدا ؟ . قيل له : قوله : (و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام) [الرحمن : 27] . و قوله تعالى (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) [ص : 75] . فأثبت لنفسه وجها و يدا . فإن قال : فلم أنكرتم أن يكون وجهه و يده جارحة إن كنتم لا تعقلون وجها و يدا إلا جارحة ؟ . قلنا : لا يجب هذا ، كما لا يجب إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما أن نقضي نحن و أنتم بذلك على الله سبحانه و تعالى ، و كما لا يجب في كل شيء كان قائما بذاته أن يكون جوهرا ؛ لأنا و إياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك ، و كذلك الجواب لهم إن قالوا : يجب أن يكون علمه ، و حياته ، و كلامه و سمعه ، و بصره ، و سائر صفات ذاته عرضا و اعتلوا بالوجود . و قال : فإن قال : فهل تقولون : إنه في كل مكان ؟ . قيل له : معاذ الله ، بل مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . و قال الله تعالى : (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه) [فاطر : 10] . و قال : (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور) [الملك : 16] . قال : و لو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان ، و فمه ، و الحشوش و المواضع التي يرغب عن ذكرها ، و لوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن ، و ينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان ، و لصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض ، و إلى خلفنا ، و إلى يميننا ، و إلى شمالنا ، و هذا قد أجمع المسلمون على خلافه و تخطئة قائله .
6- و قال أيضا في هذا الكتاب : صفات ذاته التي لم يزل و لا يزال موصوفا بها هي : الحياة ، و العلم ، و القدرة ، و السمع ، و البصر ، و الكلام ، و الإرادة ، و البقاء ، و الوجه ، و العينان ، واليدان ، و الغضب ، والرضا . و قال في " كتاب التمهيد " كلاما أكثر من هذا ـ لكن ليست النسخة حاضرة عندي ـ و كلامه وكلام غيره من المتكلمين في مثل هذا الباب كثير لمن يطلبه ، و إن كنا مستغنين بالكتاب و السنة و آثار السلف عن كل كلام .
7- و ملاك الأمر أن يهب الله للعبد حكمة و إيمانا بحيث يكون له عقل و دين ، حتى يفهم و يدين ، ثم نور الكتاب و السنة يغنيه عن كل شيء ، و لكن كثيرا من الناس قد صار منتسبا إلى بعض طوائف المتكلمين ، و محسنا للظن بهم دون غيرهم ، و متوهما أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم ، فلو أتى بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم . ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم ؛ فلو أنهم أخذوا بالهدى الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى ، و من كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة ، ثم لا يتمسك بما جاءت به من الحق ، ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم : (و إذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا و يكفرون بما وراءه و هو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) [البقرة : 91] . فإن اليهود قالوا : لا نؤمن إلا بما أنزل علينا ، قال الله تعالى لهم : (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) [البقرة : 91] . أي إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم ، يقول سبحانه و تعالى : لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون ، و لا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون ، و لكن إنما تتبعون أهواءكم ، فهذا حال من لم يقبل الحق ، لا من طائفته و لا من غيرها ، مع كونه يتعصب لطائفته ، بلا برهان من الله و لا بيان .
8- و كذلك قال أبو المعالي الجويني في كتابه " الرسالة النظامية " : اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر ؛ فرأى بعضهم تأوليها ، و التزم ذلك في آي الكتاب ، و ما يصح من السنن ، و ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل ، و إجراء الظواهر على مواردها ، و تفويض معانيها إلى الرب ، فقال : و الذي نرتضيه رأيا وندين لله به عقيدة : اتباع سلف الأمة ، و الدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الأمة ، و هو حجة متبعة ، و هو مستند معظم الشريعة . و قد درج صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم على ترك التعرض لمعانيها و درك ما فيها و هم صفوة الإسلام و المستقلون بأعباء الشريعة ، و كانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة ، و التواصي بحفظها ، و تعليم الناس ما يحتاجون إليه منها ، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، و إذا انصرم عصرهم و عصر التابعين على الإضراب عن التأويل ، كان ذلك هو الوجه المتبع ، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ، و لا يخوض في تأويل المشكلات ، ويكل معناها إلى الرب تعالى ، فليجر آية الاستواء و المجيء و قوله : (لما خلقت بيدي) [ص : 75] . (و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام) [الرحمن : 27] . و قوله : (تجري بأعيننا) [القمر : 14] . و ما صح من أخبار الرسول كخبر النزول و غيره على ما ذكرناه .
9- قلت : و ليعلم السائل أن الغرض من هذا الجواب ذكر ألفاظ بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب ، و ليس كل من ذكرنا شيئا من قوله ـ من المتكلمين و غيرهم ـ يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب و غيره ، و لكن الحق يقبل من كل من تكلم به ، و كان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه ، الذي رواه أبو داود في سننه : اقبلوا الحق من كل من جاء به ، و إن كان كافرا ـ أو قال فاجرا ـ و احذروا زيغة الحكيم . قالوا : كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق ؟ قال : إن على الحق نورا . أو قال كلاما هذا معناه .
10- فأما تقرير ذلك بالدليل ، و إماطة ما يعرض من الشبه ، و تحقيق الأمر على وجه يخلص إلى القلب ما يبرد به من اليقين ، و يقف على مواقف آراء العباد في هذه المهامة ، فما تتسع له هذه الفتوى ، و قد كتبت شيئا من ذلك قبل هذا ، وخاطبت ببعض ذلك بعض من يجالسنا ، و ربما اكتب ـ إن شاء الله ـ في ذلك ما يحصل به المقصود .
11- و جماع الأمر في ذلك : أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى و النور لمن تدبر كتاب الله و سنة نبيه ، و قصد اتباع الحق ، و أعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه ، و الإلحاد في أسماء الله و آياته . و لا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا ألبتة ،مثل أن يقول القائل : ما في الكتاب و السنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله : (و هو معكم أين ما كنتم) [الحديد : 4] . و قوله صلى الله عليه و سلم : " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه " . و نحو ذلك فإن هذا غلط .
12- و ذلك أن الله معنا حقيقة ، و هو فوق العرش حقيقة ، كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه و تعالى : (هو الذي خلق السموات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض و ما يخرج منها و ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها و هو معكم أين ما كنتم و الله بما تعملون بصيرا) [الحديد : 4] . فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء ، و هو معنا أينما كنا ، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم في حديث الأوعال : " و الله فوق العرش و هو يعلم ما أنتم عليه " . و ذلك أن كلمة " مع " في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة ، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال ، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى ، فإنه يقال : ما زلنا نسير و القمر معنا أو و النجم معنا . و يقال : هذا المتاع معي . لمجامعته لك و إن كان فوق رأسك ، فالله مع خلقه حقيقة ، و هو فوق عرشه حقيقة . ثم هذه " المعية " تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال : (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها) [الحديد : 4] . إلى قوله : (و هو معكم أين ما كنتم) [الحديد : 4] . دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية و مقتضاها أنه مطلع عليكم ، شهيد عليكم ،و مهيمن عالم بكم ، و هذا معنى قول السلف : أنه معهم بعلمه ، و هذا ظاهر الخطاب و حقيقته .
13- و كذلك في قوله : (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) [المجادلة : 7] . إلى قوله : (هو معهم أين ما كانوا) [المجادلة : 7] . و لما قال النبي صلى الله عليه و سلم لصاحبه في الغار : (لا تحزن إن الله معنا) [التوبة : 4] . كان هذا أيضا حقا على ظاهره ، و دلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع ، و النصر و التأييد . و كذلك قوله تعالى : (إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون) [النحل : 128] . و كذلك قوله لموسى و هارون : (إنني معكما أسمع و أرى) [طه : 46] . هنا المعية على ظاهرها ، و حكمها في هذه المواطن النصر و التأييد . و قد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي ، فيشرف عليه أبوه من فوق السقف فيقول : لا تخف ، أنا معك أو أنا هنا ، أو أنا حاضر و نحو ذلك . ينبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه ، ففرق بين معنى المعية و بين مقتضاها ، و ربما صار مقتضاها من معناها ، فيختلف باختلاف المواضع . فلفظ " المعية " قد استعمل في الكتاب و السنة في مواضع ، يقتضي في كل موضع أمورا لا يقتضيها في الموضع الآخر ، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع ، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها ـ و إن امتاز كل موضع بخاصية ـ فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب عز وجل مختلطة بالخلق ، حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها . و نظيرها من بعض الوجوه " الربوبية ، و العبودية " فإنهما و إن اشتركتا في أصل الربوبية و العبودية فلما قال : (رب العالمين رب موسى و هارون) [الأعراف : 122-الشعراء : 47-48] . كانت ربوبية موسى و هارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق ، فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره ، فقد ربه و رباه ربوبية و تربية أكمل من غيره .
شرح الفتوى الحموية الكبرى-10 ( اضيفت في - 2004-09-03 )
الفتوى الحموية الكبرى-الشيخ صالح آل الشيخ
  حجم الملف (5.85 ميغابايت) حمل نسختك الآن ( 1124 ) أستمع للشريط ( 722 )
المحتويات :-
1- تتمة الشرح السابق .
2- و كذلك قوله : (عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا) [الإنسان : 6] . و (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) [الإسراء : 1] . فإن العبد تارة يعنى به : المعبد فيعم الخلق ، كما في قوله : (إن كل من في السموات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا) [مريم : 93] . و تارة يعني به : العابد فيخص ، ثم يختلفون ، فمن كان أعبد علما و حالا كانت عبوديته أكمل ، فكانت الإضافة في حقه أكمل ، مع أنها حقيقة في جميع المواضع . و مثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس " مشككة " لتشكك المستمع فيها ، هل هي من قبيل الأسماء المتواطئة ، أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط ، و المحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة ، إذ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك ، و إن كانت نوعا مختصا من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ .
3- و من علم أن " المعية " تضاف إلى كل نوع من أنواعه المخلوقات ـ كإضافة الربوبية مثلا ـ و أن الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش ، و أن الله يوصف بالعلو و الفوقية الحقيقية ، و لا يوصف بالسفول و لا بالتحتية قط ، لا حقيقة و لا مجازا ، علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف . ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به و تحويه فهو كاذب ـ إن نقله عن غيره ـ و ضال ـ إن اعتقده في ربه ـ و ما سمعنا أحدا يفهم هذا من اللفظ ، و لا رأينا أحدا نقله عن واحد ، و لو سئل سائر المسلمين هل تفهمون من قول الله و رسوله " إن الله في السماء " أن السماء تحويه ؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول : هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا . و إذا كان الأمر هكذا : فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئا محالا لا يفهمه الناس منه ، ثم يريد أن يتأوله ، بل عند الناس " إن الله في السماء " ، " و هو على العرش " واحد ، إذ السماء إنما يراد به العلو ، فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل ، و قد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه و تعالى وسع السموات و الأرض ، و أن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، و أن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله و عظمته ، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقا يحصره و يحويه ؟‍! و قد قال سبحانه : (و لأصلبنكم في جذوع النخل) [طه : 71] . و قال : (فسيروا في الأرض) [النحل : 36] . بمعنى " على " و نحو ذلك ، و هو كلام عربي حقيقة لا مجازا ، و هذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف ، و إنها متواطئة في الغالب لا مشتركة .
4- و كذلك قوله صلى الله عليه و سلم : " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه ، فلا يبصق قبل وجهه " . الحديث . حق على ظاهره و هو سبحانه فوق العرش و هو قبل وجه المصلي ، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات ، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء أو يناجي الشمس و القمر ، لكانت السماء و الشمس و القمر فوقه ، و كانت أيضا قبل وجهه .
5- و قد ضرب النبي صلى الله عليه و سلم المثل بذلك ـ و لله المثل الأعلى ، و لكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا و إمكانه ، لا تشبيه الخالق بالمخلوق ـ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليا به " . فقال له أبو رزين العقيلي : كيف يا رسول الله ، و هو واحد و نحن جميع ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : "سأنبك بمثل ذلك في آلاء الله ، هذا القمر كلكم يراه مخليا به ، و هو آية من آيات الله ، فالله أكبر " . أو كما قال النبي صلى الله عليه و سلم . و قال : " إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس و القمر " . فشبه الرؤية بالرؤية ، و إن لم يكن المرئي مشابها للمرئي . فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة و ناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه ، كما يرى الشمس و القمر ، و لا منافاة أصلا . و من كان له نصيب من المعرفة بالله ، و الرسوخ في العلم بالله ، يكون إقراره للكتاب و السنة على ما هما عليه أوكد .
6- و اعلم أن من المتأخرين من يقول : مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد ، و هذا اللفظ " مجمل " فإن قوله : ظاهرها غير مراد يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين ، و صفات المحدثين ، مثل أن يراد بكون " الله قبل وجه المصلي " أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه ، و أن " الله معنا " ظاهره أنه إلى جانبنا و نحو ذلك ، فلا شك أن هذا غير مراد . و من قال : إن مذهب السلف أن هذا غير مراد فقد أصاب في المعنى لكن أخطأ بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات و الأحاديث ، فإن هذا المحال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع ، اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس فيكون القائل لذلك مصيبا بهذا الاعتبار ، معذورا في هذا الإطلاق . فإن الظهور و البطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس ، و هو من الأمور النسبية ، و كان أحسن من هذا أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر أن هذا ليس هو الظاهر ، حتى يكون قد أعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظا و معنى . و إن كان الناقل عن السلف أراد بقوله : الظاهر غير مراد عندهم أن المعاني التي تظهر من هذه الآيات و الأحاديث مما يليق بجلال الله و عظمته ، و لا يختص بصفة المخلوقين ، بل هي واجبة لله ، أو جائزة عليه جوازا ذهنيا ، أو جوازا خارجيا غير مراد ، فهذا قد أخطأ فيما نقله عن السلف ، أو تعمد الكذب .
7- فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل ـ لا نصا و لا ظاهرا ـ أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش ، و لا أن الله ليس له سمع ، و لا بصر ، و لا يد حقيقية .
8- و قد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف ، و يقولون : إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف ـ بمعنى أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات و الأحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه و تعالى ـ و لكن السلف أمسكوا عن تأوليها ، و المتأخرين رأوا المصلحة في تأوليها ، لمسيس الحاجة إلى ذلك ، و يقولون : الفرق بين الطريقتين أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل ، و أولئك لا يعينون ، لجواز أن يراد غيره . و هذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف ، أما في كثير من الصفات فقطعا ،مثل أن الله تعالى فوق العرش ، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم ـ الذي لم يحك هنا عشره ـ علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة ، و أنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط ، و كثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك . و الله يعلم أني بعد البحث التام ، و مطالعة ما أمكن من كلام السلف ، ما رأيت كلام أحد منهم يدل ـ لا نصا ، و لا ظاهرا ، ولا بالقرائن ـ على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر ، بل الذي رأيته أن كثيرا من كلامهم يدل ـ إما نصا و إما ظاهرا ـ على تقرير جنس هذه الصفات ، و لا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة ، بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة ، و ما رأيت أحدا منهم نفاها . و إنما ينفون التشبيه ، و ينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه ، مع إنكارهم على من ينفي الصفات أيضا ، كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري : من شبه الله بخلقه فقد كفر ، و من جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، و ليس ما وصف الله به نفسه و لا رسوله تشبيها . و كانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا : هذا جهمي معطل . و هذا كثير جدا في كلامهم ، فإن الجهمية و المعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئا من الصفات مشبها ـ كذبا منهم و افتراء ـ حتى إن منهم من غلا و رمى الأنبياء ـ صلوات الله و سلامه عليهم ـ بذلك ، حتى قال ثمامة بن الأشرس من رؤساء الجهمية : ثلاثة من الأنبياء مشبهة ، موسى حيث قال : (إن هي إلا فتنتك) [الأعراف : 155] . و عيسى حيث قال : (تعلم ما في نفسي و لا أعلم ما في نفسك) [المائدة : 116] . و محمد صلى الله عليه و سلم حيث قال : " ينزل ربنا " . و حتى إن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة ، مثل : مالك و أصحابه ، و الثوري و أصحابه ، و الأوزاعي و أصحابه ، و الشافعي و أصحابه ، و أحمد و أصحابه ، و إسحاق بن راهويه ، و أبي عبيد و غيرهم في قسم المشبهة . و قد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءا سماه : " تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة " ذكر فيه كلام السلف و غيرهم في معاني هذا الباب ، و ذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب " أهل السنة " بلقب افتراه يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي بألقاب افتروها . فالروافض تسميهم نواصب ، و القدرية يسمونهم مجبرة ، و المرجئة تسميهم شكاكا ، و الجهمية تسميهم مشبهة ، و أهل الكلام يسمونهم حشوية ، و نوابت و غثاء ، و غثرا ، إلى أمثال ذلك . كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه و سلم تارة مجنونا و تارة شاعرا و تارة كاهنا ، و تارة مفتريا . قالوا : فهذه علامة الإرث الصحيح و المتابعة التامة ، فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه ، اعتقادا و اقتصادا و قولا و عملا ، فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة ـ و إن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة ـ فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا و الممات ، باطنا و ظاهرا . و أما الذين وافقوه ببواطنهم و عجزوا عن إقامة الظواهر ، و الذين وافقوه بظواهرهم و عجزوا عن تحقيق البواطن ، و الذين وافقه ظاهرا و باطنا بحسب الإمكان : فلا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به ، و يسمونهم بأسماء مكذوبة ـ و إن اعتقدوا صدقها ـ كقول الرافضي : من لم يبغض أبا بكر رضي الله عنه و عمر ، فقد أبغض عليا ؛ لأنه لا ولاية لعلي إلا بالبراءة منهما ، ثم يجعل من أحب أبا بكر عمر ناصبيا ، بناء على هذه الملازمة الباطلة ، التي اعتقدها صحيحة ، أو عاند فيها و هو الغالب . و كقول القدري : من اعتقد أن الله أراد الكائنات ، و خلق أفعال العباد : فقد سلب من العباد الاختيار و القدرة ، و جعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها و لا قدرة . و كقول الجهمي : من قال إن الله فوق العرش . فقد زعم أنه جسم مركب ، و أنه مشبه ؛ لأن هذه الصفات أعراض ، و العرش لا يقوم إلا بجوهر متحيز ، و كل متحيز جسم مركب ، أو جوهر فرد ، و من قال ذلك فهو مشبه ؛ لأن الأجسام متماثلة . و من حكى عن الناس " المقالات " و سماهم بهذه الأسماء المكذوبة ـ بناء على عقيدته التي هم مخالفون له فيها ـ فهو و ربه ، و الله من ورائه بالمرصاد ، و لا يحيق المكر السيء إلا بأهله .
شرح الفتوى الحموية الكبرى-11 ( اضيفت في - 2004-09-03 )
الفتوى الحموية الكبرى-الشيخ صالح آل الشيخ
  حجم الملف (5.48 ميغابايت) حمل نسختك الآن ( 956 ) أستمع للشريط ( 642 )
المحتويات :-
1- فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة ـ و إن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة ـ فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا و الممات ، باطنا و ظاهرا . و أما الذين وافقوه ببواطنهم و عجزوا عن إقامة الظواهر ، و الذين وافقوه بظواهرهم و عجزوا عن تحقيق البواطن ، و الذين وافقه ظاهرا و باطنا بحسب الإمكان : فلا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به ، و يسمونهم بأسماء مكذوبة ـ و إن اعتقدوا صدقها ـ كقول الرافضي : من لم يبغض أبا بكر رضي الله عنه و عمر ، فقد أبغض عليا ؛ لأنه لا ولاية لعلي إلا بالبراءة منهما ، ثم يجعل من أحب أبا بكر و عمر ناصبيا ، بناء على هذه الملازمة الباطلة ، التي اعتقدها صحيحة ، أو عاند فيها و هو الغالب . و كقول القدري : من اعتقد أن الله أراد الكائنات ، و خلق أفعال العباد : فقد سلب من العباد الاختيار و القدرة ، و جعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها و لا قدرة . و كقول الجهمي : من قال إن الله فوق العرش . فقد زعم أنه محصور ، وأنه جسم مركب محدود ، وأنه مشابه لخلقه . وكقول الجهمية المعتزلة : من قال إن الله علماً وقدرة فقد زعم أنه جسم مركب ، و أنه مشبه ؛ لأن هذه الصفات أعراض ، و العرض لا يقوم إلا بجوهر متحيز ، و كل متحيز جسم مركب ، أو جوهر فرد ، و من قال ذلك فهو مشبه ؛ لأن الأجسام متماثلة . و من حكى عن الناس " المقالات " و سماهم بهذه الأسماء المكذوبة ـ بناء على عقيدته التي هم مخالفون له فيها ـ فهو و ربه ، و الله من ورائه بالمرصاد ، و لا يحيق المكر السيء إلا بأهله .
2- و جماع الأمر : أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات و أحاديثها ستة أقسام ، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة : قسمان يقولان : تجري على ظواهرها . و قسمان يقولان : هي على خلاف ظاهرها . و قسمان يسكتون . أما الأولون فقسمان : أحدهما : من يجريها على ظاهرها و يجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين فهؤلاء المشبهة ، و مذهبهم باطل ، أنكره السلف ، و إليهم يتوجه الرد بالحق . الثاني : من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله ، كما يجري ظاهر اسم العليم و القدير ، و الرب و الإله ، و الموجود و الذات ، و نحو ذلك ، على ظاهرها اللائق بجلال الله ، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث ، و إما عرض قائم به . فالعلم ، و القدرة ، و الكلام ، و المشيئة ، و الرحمة ، و الرضا ، و الغضب ، و نحو ذلك : في حق العبد أعراض ، و الوجه و اليد و العين في حقه أجسام ، فإذا كان الله موصوفا عند عامة أهل الإثبات بأن له علما و قدرة ، و كلاما و مشيئة ـ و إن لم يكن ذلك عرضا ، يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين ـ جاز أن يكون وجه الله و يداه صفات ليست أجساما ، يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين . و هذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي و غيره عن السلف ، و عليه يدل كلام جمهورهم ، و كلام الباقين لا يخالفه ، و هو أمر واضح ، فإن الصفات كالذات ، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات ، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات . فمن قال : لا أعقل علما و يدا إلا من جنس العلم و اليد المعهودين . قيل له : فكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذوات المخلوقين ، و من المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته و تلائم حقيقته ؛ فمن لم يفهم من صفات الرب ـ الذي ليس كمثله شيء ـ إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله و دينه . و ما أحسن ما قال بعضهم : إذا قال لك الجهمي : كيف استوى أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا أو كيف يداه و نحو ذلك ؟ فقل له : كيف هو في ذاته ؟ فإذا قال لك : لا يعلم ما هو إلا هو ، و كنه الباري تعالى غير معلوم للبشر . فقل له : فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف ، فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفيته ؟! و إنما تعلم الذات و الصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك . بل هذه " المخلوقات في الجنة " قد ثبت عن ابن عباس أنه قال : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ، و قد أخبر الله تعالى : إنه لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ، و أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أن في الجنة : " ما لا عين رأت و لا أذن سمعت ، و لا خطر على قلب بشر " . فإذا كان نعيم الجنة و هو خلق من خلق الله كذلك فما ظنك بالخالق سبحانه و تعالى .
3- و هذه " الروح " التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها ، و إمساك النصوص عن بيان كيفيتها ، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى ؟! مع أنا نقطع بأن الروح في البدن ، و أنها تخرج منه و تعرج إلى السماء ، و أنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة ، لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة و من وافقهم ، حيث نفوا عنها الصعود و النزول ، و الاتصال بالبدن و الانفصال عنه ، و تخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن و صفاته ، فعدم مما ثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها ، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص ، فيكونون قد أخطئوا في اللفظ ، و أنى لهم بذلك ؟!. و لا نقول إنها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم و البخار مثلا ، أو صفة من صفات البدن و الحياة ، و أنها مختلفة الأجساد ، و مساوية لسائر الأجساد في الحد و الحقيقة ، كما يقول طوائف من أهل الكلام ، بل نتيقن أن الروح عين موجودة غير البدن ، و أنها ليست مماثلة له ، و هي موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة لا مجازا ، فإذا كان مذهبنا في حقيقة " الروح " و صفاتها بين المعطلة و الممثلة ، فكيف الظن بصفات رب العالمين ؟!. و أما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها ، أعني الذين يقولون : ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط ، و إن الله لا صفة له ثبوتية ، بل صفاته إما سلبية و إما إضافية و إما مركبة منهما ، أو يثبتون بعض الصفات ـ و هي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر ـ أو يثبتون الأحوال دون الصفات ، و يقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث ، على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين ، فهؤلاء قسمان : 1 - قسم يتأولونها و يعينون المراد مثل قولهم : استوى بمعنى استولى ، أو بمعنى علو المكانة و القدر ، أو بمعنى ظهور نوره للعرش ، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه ، إلى غير ذلك من معاني المتكلمين . 2 - و قسم يقولون : الله أعلم بما أراد بها ، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه . و أما القسمان الواقفان : 1 - فقوم يقولون : يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله ، و يجوز أن لا يكون المراد صفة الله و نحو ذلك . و هذه طريقة كثير من الفقهاء و غيرهم . 2 - وقوم يمسكون عن هذا كله و لا يزيدون على تلاوة القرآن ، و قراءة الحديث ، معرضين بقلوبهم و ألسنتهم عن هذه التقديرات ، فهذه " الأقسام الستة " لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها . و الصواب في كثير من آيات الصفات و أحاديثها ، القطع بالطريقة الثابتة : كالآيات و الأحاديث الدالة على أن الله سبحانه و تعالى فوق عرشه ، و يعلم طريقة الصواب في هذا و أمثاله بدلالة الكتاب و السنة و الإجماع على ذلك ، دلالة لا تحتمل النقيض ، و في بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض ، و تردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم و الإيمان ، و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور .
4- و من اشتبه عليه ذلك أو غيره فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قام يصلي من الليل قلا : " اللهم رب جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل ، فاطر السموات و الأرض ، عالم الغيب و الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " . و في رواية لأبي داود : أنه كان يكبر في صلاته ثم يقول ذلك . فإذا أفتقر العبد إلى الله و دعاه ، و أدمن النظر في كلام الله و كلام رسوله و كلام الصحابة و التابعين و أئمة المسلمين ، انفتح له طريق الهدى ، ثم إن كان قد خبر نهايات إقدام المتفلسفة و المتكلمين في هذا الباب ؛ و عرف أن غالب ما يزعمونه برهانا هو شبهة ، و رأى أن غالب ما يعتمدونه يئول إلى دعوى لا حقيقة لها ، أو شبهة مركبة من قياس فاسد ، أو قضية كلية لا تصح إلا جزئية ، أو دعوى إجماع لا حقيقة له ، أو التمسك في المذهب و الدليل بالألفاظ المشتركة . ثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف اصطلاحهم ـ أوهمت الغر ما يوهمه السراب للعطشان ـ ازداد إيمانا و علما بما جاء به الكتاب و السنة فإن " الضد يظهر حسنه الضد " و كل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيما ، و بقدره أعرف إذا هدي إليه . فأما المتوسطون من المتكلمين فيخاف عليهم ما لا يخاف على من لم يدخل فيه ، و على من قد أنهاه نهايته ، فإن من لم يدخل فيه فهو في عافية ، و من أنهاه فقد عرف الغاية ، فما بقي يخاف من شيء آخر ، فإذا ظهر له الحق و هو عطشان إليه قبله ، و أما المتوسط فيتوهم بما يتلقاه من المقالات المأخوذة تقليدا لمعظمة هؤلاء . و قد قال بعض الناس : أكثر ما يفسد الدنيا : نصف متكلم ، و نصف متفقه ، و نصف متطبب ، و نصف نحوي ، هذا يفسد الأديان ، و هذا يفسد البلدان ، و هذا يفسد الأبدان ، و هذا يفسد اللسان . و من علم أن المتكلمين من المتفلسفة و غيرهم في الغالب في قول مختلف يؤفك عنه من أفك : يعلم الذكي منهم و العاقل أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة ، و أن حجته ليست ببينة ، و إنما هي كما قيل فيها : حجج تهافت كالزجاج تخــالها حقا و كل كاسر مكســـــور و يعلم العليم البصير بهم أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي رضي الله عنه حيث قال : حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد و النعال ، و يطاف بهم في القبائل و العشائر ، و يقال : هذا جزاء من أعرض عن الكتاب و السنة ، و أقبل على الكلام . و من وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر ـ و الحيرة مستولية عليهم و الشيطان مستحوذ عليهم ـ رحمتهم و ترفقت بهم ، أوتوا ذكاء ، و ما أوتوا ذكاء و أعطوا فهوما و ما أعطوا علوما ، و أعطوا سمعا و أبصارا و أفئدة : (فما أغنى عنهم سمعهم و لا أبصارهم و لا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله و حاق بهم ما كانوا به يستهزئون) [الأحقاف : 26] . و من كان عليما بهذه الأمور : تبين له بذلك حذق السلف و علمهم و خبرتهم ، حيث حذروا عن الكلام و نهوا عنه ، و ذموا أهله و عابوهم ، و علم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب و السنة لم يزدد من الله إلا بعدا . فنسأل الله العظيم أن يهدينا صراطه المستقيم ، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين آمين . و الحمد لله رب العالمين ، و صلاته و سلامه على محمد خاتم النبيين و آله و صحبه أجمعين .