العقيدة الطحاوية-36
الشيخ محمد أمان الجامي
العقيدة الطحاوية
الحجم ( 3.70 ميغابايت )
التنزيل ( 709 )
الإستماع ( 378 )


2 - تعليق الشيخ على ما تقدم قراءته من الشرح " ... وقوله : " فمن سأل: لم فعل ؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين ". اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله - على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع. ولهذا لم يحك الله سبحانه عن أمة نبي صدقت بنبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلغها عن ربها، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها، بل انقادت وسلمت وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على معرفته، ولا جعلت ذلك من شأنها، وكان رسولها أعظم عندها من أن تسأله عن ذلك، كما في الإنجيل: "يا بني إسرائيل لا تقولوا: لم أمر ربنا ؟ ولكن قولوا: بم أمر ربنا "؛ ولهذا كان سلف هذه الأمة. التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما - لا تسأل نبيها: لم أمر الله بكذا ؟ ولم نهى عن كذا ؟ ولم قدر كذا ؟ ولم فعل كذا ؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام، وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم. فأول مراتب تعظيم الأمر التصديق به، ثم العزم الجازم على امتثاله، ثم المسارعة إليه والمبادرة به، والحذر عن القواطع والموانع، ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه، ثم فعله لكونه مأمورا، بحيث لا يتوقف فشفاء العي السؤال. ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم، فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره. قال القرطبي ناقلا عن ابن عبد البر: فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل عن نفسه، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه - فلا بأس به، فشفاء العي السؤال. ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم، فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره ...".

3 - تعليق الشيخ على ما تقدم قراءته من الشرح " ... قال ابن العربي : الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة، وإيضاح سبل النظر، وتحصيل مقدمات الاجتهاد، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد. قال: فإن عرضت لك مسألة: أتيت من بابها، ونشدت من مظانها، والله يفتح وجه الصواب فيها. انتهى. وقال صلى الله عليه وسلم: ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) . رواه الترمذي وغيره... " . ولا شك في تكفير من رد حكم الكتاب، ولكن من تأول حكم الكتاب لشبهة عرضت له، بين له الصواب ليرجع إليه، وهو سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل، لكمال حكمته ورحمته وعدله، لا بمجرد قهره وقدرته، كما يقول جهم وأتباعه. وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قول الشيخ: " ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ...".

5 - تعليق الشيخ على ما تقدم قراءته من الشرح : " ...الإشارة بقوله: " فهذا "إلى ما تقدم ذكره، مما يجب اعتقاده والعمل به، مما جاءت به الشريعة، وقوله "وهي درجة الراسخين في العلم"أي علم ما جاء به الرسول جملة وتفصيلا، نفيا وإثباتا. ويعني بالعلم المفقود: علم القدر الذي طواه الله عن أنامه، ونهاهم عن مرامه. ويعني بالعلم الموجود، علم الشريعة، أصولها وفروعها، فمن أنكر شيئا مما جاء به الرسول كان من الكافرين، ومن ادعى علم الغيب كان من الكافرين. قال تعالى: (( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول )) ، الآية. وقال تعالى: (( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير )) . ولا يلزم من خفاء حكمة الله علينا عدمها، ولا من جهلنا انتفاء حكمته. ألا ترى أن خفاء حكمة الله علينا في خلق الحيات والعقارب والفأر والحشرات، التي لا يعلم منها إلا المضرة - لم ينف أن يكون الله تعالى خالقا لها، ولا يلزم أن لا يكون فيها حكمة خفيت علينا، لأن عدم العلم لا يكون علما بالمعدوم...".

6 - قراءة الطالب لشرح الطحاوية : " ... قوله: ( ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم). قال تعالى: (( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ )) . وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:( إن الله خلق لوحا محفوظا، من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، [وعرضه ما بين السماء والأرض. ينظر فيه كل يوم ستين وثلاثمائة نظرة، يخلق بكل نظرة ، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء )) . اللوح المذكور هو الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه، والقلم المذكور هو الذي خلقه الله وكتب به في اللوح المذكور المقادير، كما في سنن أبي داود، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب، وما ذا أكتب ؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ) . واختلف العلماء: هل القلم أول المخلوقات، أو العرش ؟ على قولين، ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهمذاني، أصحهما: أن العرش قبل القلم، لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال : وعرشه على الماء ) . فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش، والتقدير وقع عند أول خلق القلم، بحديث عبادة هذا. ولا يخلو قوله ( أول ما خلق الله القلم )، إلخ - إما أن يكون جملة أو جملتين. فإن كان جملة، وهو الصحيح، كان معناه: أنه عند أول خلقه قال له:( اكتب ) . كما في اللفظ: ( أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب ) بنصب( أول ) و( القلم ) . وإن كان جملتين، وهو مروي برفع( أول )و( القلم ) ، فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق الحديثان، إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم. وفي اللفظ الآخر: ( لما خلق الله القلم قال له: اكتب ) . فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها. وقد قال غير واحد من أهل التفسير: إنه القلم الذي أقسم الله به في قوله تعالى: (( ن والقلم وما يسطرون )) . والقلم الثاني: قلم الوحي: وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله، وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم. والأقلام كلها خدم لأقلامهم. وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم لله ليلة أسري به إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من الأمور التي يدبرها، أمر العالم العلوي والسفلي ...".