العقيدة الطحاوية-40
الشيخ محمد أمان الجامي
العقيدة الطحاوية
الحجم ( 3.49 ميغابايت )
التنزيل ( 677 )
الإستماع ( 348 )


1 - تتمة التعليق على قوله في شرح الطحاوية " ... وأما كونه فوق المخلوقات، فقال تعالى: (( وهو القاهر فوق عباده )) ، (( يخافون ربهم من فوقهم )) ، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الأوعال المتقدم ذكره: ( والعرش فوق ذلك، والله فوق ذلك كله ) . وقد أنشد عبد الله بن رواحة رضي الله عنه شعره المذكور بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأقره على ما قال: وضحك منه. وكذا أنشده حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه قوله: شهدت بإذن الله أن محمدا *** رسول الذي فوق السماوات من عل وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما ***. له عمــــــل مـــــــــن ربه متقبل وأن الذي عادى اليهود ابن مريم *** رسول أتى من عند ذي العرش مرسل وأن أخا الأحقاف إذ قام فيـــــهم *** يجاهد في ذات الإلــــه ويعدل . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وأنا أشهد ) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ( لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: أن رحمتي سبقت غضبي وفي رواية: تغلب غضبي ) رواه البخاري وغيره. وروى ابن ماجه عن جابر يرفعه، قال: ( بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا إليه رءوسهم، فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة، سلام عليكم، ثم قرأ قوله تعالى: (( سلام قولا من رب رحيم ))، فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون ) . وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، في تفسير قوله تعالى: (( هو الأول والآخر والظاهر والباطن )) بقوله: ( أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء ) . والمراد بالظهور هنا: العلو. ومنه قوله تعالى: (( فما اسطاعوا أن يظهروه )) ، أي يعلوه. فهذه الأسماء الأربعة متقابلة: اسمان منها لأزلية الرب سبحانه وتعالى وأبديته، واسمان لعلوه وقربه. وروى أبو داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده، قال: ( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وضاعت العيال ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام ، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك! أتدري ما تقول ؟ وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله ؟ إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته، وقال بأصابعه! مثل القبة عليه ، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب ) ... " .

2 - تعليق الشيخ على ما تقدم قراءته من الشرح : " وفي قصة سعد بن معاذ يوم بني قريظة، لما حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سماوات ) وهو حديث صحيح، أخرجه الأموي في مغازيه، وأصله في الصحيحين. وروى البخاري عن زينب رضي الله عنها: أنها كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول: " زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات " . وعن عمر رضي الله عنه: أنه مر بعجوز فاستوقفته، فوقف معها يحدثها، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، حبست الناس بسبب هذه العجوز ؟ فقال: ويلك! أتدري من هذه ؟ امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة التي أنزل الله فيها: (( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله )) أخرجه الدارمي. وروى عكرمة عن ابن عباس، في قوله: (( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ))، قال: ولم يستطع أن يقول من فوقهم؛ لأنه قد علم أن الله سبحانه من فوقهم. ومن سمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام السلف، وجد منه في إثبات الفوقية ما لا ينحصر، ولا ريب أن الله سبحانه لما خلق الخلق، لم يخلقهم في ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك، فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجا عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات، مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم، لكان متصفا بضد ذلك؛ لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية: السفول، وهو مذموم على الإطلاق، لأنه مستقر إبليس وأتباعه وجنوده... " .

3 - قراءة الطالب لشرح الطحاوية : " ... فإن قيل: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها. قيل: لو لم يكن قابلا للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى أقررتم بأنه ذات قائم بنفسه، غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج، ليس وجوده ذهنيا فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعا، فقد علم العقلاء كلهم بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو: إما داخل العالم وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ما هو أجل وأظهر من الأمور البديهيات الضرورية بلا ريب، فلا يستدل على ذلك بدليل إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه، وأوضح وأبين. وإذا كان صفة العلو والفوقية صفة كمال، لا نقص فيه، ولا يستلزم نقصا، ولا يوجب محذورا، ولا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، فنفي حقيقته يكون عين الباطل والمحال الذي لا تأتي به شريعة أصلا. فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده وتصديق رسله، والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله -: إلا بذلك ؟ فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة، والفطر المستقيمة، والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه، وكونه فوق عباده، التي تقرب من عشرين نوعا:... " مع تعليق الشيخ.

4 - قراءة الطالب لشرح الطحاوية : " ... أحدها: التصريح بالفوقية مقرونا بأداة"من"المعينة للفوقية بالذات، كقوله تعالى: (( يخافون ربهم من فوقهم )) . الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله تعالى: (( وهو القاهر فوق عباده )) . الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو: (( تعرج الملائكة والروح إليه )) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ) . الرابع: التصريح بالصعود إليه. كقوله تعالى: (( إليه يصعد الكلم الطيب )) . الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله تعالى: (( بل رفعه الله إليه )) . وقوله: (( إني متوفيك ورافعك إلي )) . السادس: التصريح بالعلو المطلق، الدال على جميع مراتب العلو، ذاتا وقدرا وشرفا، كقوله تعالى: (( وهو العلي العظيم )) ، (( وهو العلي الكبير ))، (( إنه علي حكيم )) . السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله تعالى: (( تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم )) ، (( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم )) ، (( تنزيل من الرحمن الرحيم )) ، (( تنزيل من حكيم حميد )) ، (( قل نزله روح القدس من ربك بالحق )) ، (( حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين )) . الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: (( إن الذين عند ربك ))، (( وله من في السماوات والأرض ومن عنده )) ، . ففرق بين (( من له )) عموما وبين(( من عنده )) من ملائكته وعبيده خصوصا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه: ( أنه عنده فوق العرش ) . التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء، وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون (( في )) بمعنى"على"، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره. العاشر: التصريح بالاستواء مقرونا بأداة (( على )) مختص بالعرش، الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبا في الأكثر لأداة(( ثم )) الدالة على الترتيب والمهلة. الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، كقوله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا ). والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط - باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع. كما يأتي إن شاء الله تعالى. الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل. الثالث عشر: الإشارة إليه حسا إلى العلو، كما أشار إليه من هو أعلم بربه وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر، لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله، في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: ( أنتم مسئولون عني، فماذا أنتم قائلون ؟ ) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعا لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء، قائلا: ( اللهم اشهد ) . فكأنا نشاهد تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله، وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع أصبعه إليه: اللهم اشهد، ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين، وأدى رسالة ربه كما أمر، ونصح أمته غاية النصيحة، فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين، وحذلقة المتحذلقين! والحمد لله رب العالمين... " مع تعليق الشيخ.