شرح الفتوى الحموية الكبرى-01
الشيخ صالح آل الشيخ
الفتوى الحموية الكبرى
الحجم ( 5.66 ميغابايت )
التنزيل ( 732 )
الإستماع ( 308 )


1 - ما قول السادة أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى : (الرحمن على العرش استوى) [طه:5] . و قوله : (ثم استوى على العرش) [الفرقان :59] .و قوله : (ثم استوى إلى السماء و هي دخان) [فصلت : 11] . إلى غير ذلك من آيات الصفات ، و أحاديث الصفات كقوله صلى الله عليه و سلم : " إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن " . و قوله : " يضع الجبار قدمه في النار " . إلى غير ذلك ؟ و ما قالت العلماء فيه ؟ و ابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى . فأجاب رضي الله عنه : الحمد لله رب العالمين ، قولنا فيها ما قاله الله و رسوله صلى الله عليه و سلم و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار ، و الذين اتبعوهم بإحسان ، و ما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم و درايتهم ، و هذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب و غيره ، فإن الله سبحانه و تعالى بعث محمدا صلى الله عليه و سلم بالهدى و دين الحق ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد و شهد له بأنه بعثه داعيا إليه بإذنه و سراجا منيرا ، و أمره أن يقول : (قل هذه سبيلي أدعوا الله على بصيرة أنا و من اتبعني) [يوسف] . فمن المحال في العقل و الدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ، و أنزل معه الكتاب بالحق ، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، و أمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب و الحكمة ، و هو يدعو إلى الله و إلى سبيله بإذنه على بصيرة ، و قد أخبر الله بأنه أكمل له و لأمته دينهم ، و أتم عليهم نعمته ، محال مع هذا و غيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله و العلم به ملتبسا مشتبها ، و لم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى و الصفات العليا ، و ما يجوز عليه ، و ما يمتنع عليه . فإن معرفة هذا أصل الدين و أساس الهداية ، و أفضل و أوجب ما اكتسبته القلوب ، و حصلته النفوس ، و أدركته العقول ، فكيف يكون ذلك الكتاب و ذلك الرسول و أفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقادا و قولا ؟!. و من المحال أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه و سلم قد أعلم أمته كل شيء حتى الخراءة ، و قال : " تركتكم على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " . و قال فيما صح عنه أيضا : " ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، و ينهاهم عن شر ما يعلمه لهم " . و قال أبو ذر : " لقد توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم و ما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما " . و قال عمر بن الخطاب : " قام فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم مقاما ، فذكر بدء الخلق ؛ حتى دخل أهل الجنة منازلهم ، و أهل النار منازلهم ، حفظ ذلك من حفظه و نسيه من نسيه " . رواه البخاري .

2 - و محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين ـ و إن دقت ـ أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ، و يعتقدونه في قلوبهم ، في ربهم و معبودهم رب العالمين ، الذي معرفته غاية المعارف ، و عبادته أشرف المقاصد ، و الوصول إليه غاية المطالب ، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية ، و زبدة الرسالة الإلهية ، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان و حكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام ؟! ثم إذا كان قد وقع ذلك منه : فمن المحال أن يكون خير أمته و أفضل قرونها قصروا في هذا الباب ، زائدين فيه أو ناقصين عنه . ثم من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة ـ القرن الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ـ كانوا غير عالمين و غير قائلين في هذا الباب بالحق المبين ؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم و القول ، و إما اعتقاد نقيض الحق و قول خلاف الصدق ، و كلاهما ممتنع . أما الأول : فلأن من في قلبه أدنة حياة و طلب للعلم ، أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب و السؤال عنه ، و معرفة الحق فيه ، أكبر مقاصده ، و أعظم مطالبه ، أعني بيان ما ينبغي اعتقاده ، لا معرفة كيفية الرب و صفاته . و ليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ، و هذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية ، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى ـ الذي هو من أقوى المقتضيات ـ أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم ؟! هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق ، و أشدهم إعراضا عن الله ، و أعظمهم إكبابا على طلب الدنيا ، و الغفلة عن ذكر الله تعالى ، فكيف يقع في أولئك ؟!. و أما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه : فهذا لا يعتقده مسلم ، و لا عاقل عرف حال القوم .

3 - ثم الكلام في هذا الباب عنهم : أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى و أضعافها ، يعرف ذلك من طلبه و تتبعه . و لا يجوز أيضا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين ، كما قد يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر قدر السلف ، بل و لا عرف الله و رسوله و المؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها : من أن " طريقة السلف أسلم ، و طريقة الخلف أعلم و أحكم " و إن كانت هذه العبارة إذا صدرت من بعض العلماء قد يعنى بها معنى صحيحا . فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة و من حذا حذوهم على طريقة السلف : إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن و الحديث ، من غير فقه لذلك ، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم : (و منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) [البقرة : 78] . و أن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات و غرائب اللغات . فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر ، و قد كذبوا على طريقة السلف ، و ضلوا في تصويب الخلف ؛ فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم ، و بيان الجهل و الضلال بتصويب طريقة الخلف .

4 - و سبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة ، التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين ، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر ، و كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى ، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ و تفويض المعنى ـ و هي التي يسمونها طريقة السلف ـ و بين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف ـ و هي التي يسمونها طريقة الخلف ـ فصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل و الكفر بالسمع . فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات و هي شبهات و السمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه . فلما ابتنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين الكاذبتين : كانت النتيجة استجهال السابقين الأولين و استبلاههم ، و اعتقاد أنهم كانوا قوما أميين ، بمنزلة الصالحين من العامة ، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ، و لم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي ، و أن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله . ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة ؛ بل في غاية الضلالة ، كيف يكون هؤلاء المتأخرين لا سيما و الإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم ، و غلط [ في نسخة القارئ : غلظ ] عن معرفة الله حجابهم ، و أخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه أمرهم [ في نسخة القارئ : من مرامهم ] حيث يقول : لعمري لقد طفت المعاهد كلهــا و سيرت طرفي بين تلك المعـــالم فلم أر إلا واضعا كف حائـــر على ذقن أو قارعا سن نــــادم و أقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم : نهاية إقدام العقول عقـــــال و أكثر سعي العالمين ضــــلال و أرواحنا في وحـشة من جسومنا و حاصل دنيانا أذى و وبــــال و لم نستفد من بحثنا طول عمرنـا سوى أن جمعنا فيه قيل و قـــالوا

5 - لقد تأملت الطرق الكلامية و المناهج الفلسفية ، فما رأيتها تشفي عليلا ، و لا تروي غليلا ، و رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ، اقرأ في الإثبات : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] (إليه يصعد الكلم الطيب) [فاطر : 10] و اقرأ في النفي : (ليس كمثله شيء) [الشورى : 11] (و لا يحيطون به علما) [طه : 110] و من جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي . و يقول الآخر منهم : لقد خضت البحر الخضم ، و تركت أهل الإسلام و علومهم ، و خضت في الذي نهوني عنه ، و الآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان ، و ها أنا أموت على عقيدة أمي . اهـ و يقول الآخر منهم : أكثر الناس شكاً عند الموت أصحاب الكلام .

6 - ثم هؤلاء المتكلمين المخالفون للسلف إذا حقق عليهم الأمر : لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله و خالص المعرفة به خبر ، و لم يقعوا من ذلك على عين و لا أثر ، كيف يكون هؤلاء المحجبون ، المفضلون ، المنقوصون ، المسبوقون ، الحيارى ، المتهوكون : أعلم بالله و أسمائه و صفاته ، و أحكم في باب ذاته و آياته من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار ، و الذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى مصابيح الدجى ، الذين بهم قام الكتاب و به قاموا ، و بهم نطق الكتاب و به نطقوا ، الذين وهبهم الله من العلم و الحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء ، فضلا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم ، و أحاطوا من حقائق المعارف و بواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة ؟!. ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم و الحكمة ـ لا سيما العلم بالله و أحكام أسمائه و آياته ـ من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم ؟! أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة و أتباع الهند و اليونان ، و ورثة المجوس و المشركين ، و ضلال اليهود و النصارى و الصابئين ، و أشكالهم و أشباههم ، أعلم بالله من ورثة الأنبياء و أهل القرآن و الإيمان ؟!. و إنما قدمت هذه المقدمة ؛ لأن من استقرت هذه المقدمة عنده عرف [ في نسخة القارئ : علم ] طريق الهدى أين هو في هذا الباب و غيره ، و علم أن الضلال و التهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم ، و إعراضهم عما بعث الله به محمدا صلى الله عليه و سلم من البينات و الهدى ، و تركهم البحث عن طريقة السابقين و التابعين ، و التماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقرار على نفسه ، و بشهادة الأمة على ذلك و بدلالات كثيرة ، و ليس غرضي واحدا معينا و إنما أصف نوع هؤلاء و نوع هؤلاء .

8 - و هو فوق كل شيء ، و هو على كل شيء ، و أنه فوق العرش ، و أنه فوق السماء ، مثل قوله تعالى : (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه) [فاطر : 10] (إني متوفيك و رافعك ألي) [آل عمران : 55] (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) [الملك : 16] (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا) [الملك : 17] (بل رفعه الله إليه) [النساء : 158] (تعرج الملائكة و الروح إليه) [المعارج : 4] (يدبر الأمر من المساء إلى الأرض ثم يعرج إليه) [السجدة : 5] (يخافون ربهم من فوقهم) [النحل : 5] (ثم استوى على العرش) [الفرقان : 59] في ستة مواضع ، (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] (يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى و إني للأظنه كاذبا) [غافر : 36-37] ( تنزيل من حكيم حميد) [فصلت : 42] ( منزل من ربك بالحق) [الأنعام : 114] . إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة .

9 - و في الأحاديث الصحاح و الحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة ، مثل قصة معراج الرسول صلى الله عليه و سلم إلى ربه ، ونزول الملائكة من عند الله و صعودها إليه ، و قوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل و النهار : " فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم و هو أعلم بهم ......". و في الصحيح في حديث الخوارج : " ألا تأمنوني و أن أمين من في السماء ، يأتيني خبر السماء صباحا و مساءا ". و في حديث الرقية الذي رواه أبو داود و غيره : " ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك ، أمرك في السماء و الأرض ، كما رحمتك في السماء ، اجعل رحمتك في الأرض ، اغفر لنا حوبنا و خطايانا ، أنت رب الطيبين ، أنزل رحمة من رحمتك ، و شفاء من شفائك على هذا الوجع " قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل : ربنا الله الذي في السماء ........." و ذكره . و قوله في حديث الأوعال : " و العرش فوق ذلك ، و الله فوق عرشه ، و هو يعلم ما أنتم عليه " . رواه أحد و أبو داود و غيرهما ، و قوله في الحديث الصحيح للجارية : " أين الله ؟ قالت : في السماء . قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله . قال : اعتقها فإنها مؤمنة ". و قوله في الحديث الصحيح : " إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي " . و قوله في حديث قبض الروح : " حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله تعالى " .

10 - و قول عبد الله بن رواحة الذي أنشده للنبي صلى الله عليه و سلم و أقره عليه . شهدت بأن وعد الله حــــق و أن النار مثوى الكافرينـــــا و أن العرش فوق الماء طـــاف و فوق العرش رب العـــــالمينا و قول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي صلى الله عليه و سلم هو و غيره من شعره فاستحسنه ، و قال : " آمن شعره و كفر قلبه " . حيث قال : مجدوا الله فهو للمجد أهــــل ربنا في السمــــاء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق النــاس و سوى فوق الســــماء سريرا شرجعا ما ينــــاله بصر العين ترى دونه الملائــــــك صورا و قوله في الحديث الذي في المسند : " إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا " . و قوله في الحديث : " يمد يديه إلى السماء يقول : يا رب ، يا رب " . إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله ، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية و المعنوية .

11 - التي تورث علما يقينا من أبلغ العلوم الضرورية أن الرسول صلى الله عليه و سلم المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين : أن الله سبحانه على العرش ، و أنه فوق السماء ،كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم و عجمهم في الجاهلية و الإسلام ، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته . ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفا . ثم ليس في كتاب الله ، و لا في سنة رسوله صلى الله عليه و سلم و لا عن أحد من سلف الأمة ـ لا من الصحابة و لا من التابعين لهم بإحسان ، و لا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء و الاختلاف ـ حرف واحد يخالف ذلك ، لا نصا و لا ظاهرا . و لم يقل أحد منهم قط إن الله ليس في السماء ، و لا أنه ليس على العرش ، و لا أنه بذاته في كل مكان ، و لا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء ، و لا أنه لا داخل العالم و لا خارجه ، و لا أنه متصل و لا منفصل ، و لا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع و نحوها ، بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه و سلم لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات ، في أعظم مجمع حضره الرسول صلى الله عليه و سلم جعل يقول : " ألا هل بلغت ؟ " . فيقولون : نعم . فيرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكبها إليهم و يقول : " اللهم اشهد " . غير مرة ، و أمثال ذلك كثيرة . فلئن كان الحق ما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب و السنة من هذه العبارات و نحوها دون ما يفهم من الكتاب و السنة إما نصا و إما ظاهرا ، فكيف يجوز على الله تعالى ، ثم على رسوله صلى الله عليه و سلم ، ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائما بما هو إما نص و إما ظاهر في خلاف الحق ؟! ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط ، و لا يدلون عليه لا نصا و لا ظاهرا ، حتى يجيء أنباط الفرس و الروم ، و فروخ اليهود و النصارى و الفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها !!. لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب و هم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم ، و أن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب و السنة نصا أو ظاهرا ؛ لقد كان ترك الناس بلا كتاب و لا سنة ، أهدى لهم و انفع على هذا التقدير ، بل كان وجود الكتاب و السنة ضرراً محضا في أصل الدين . فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء : إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله عز وجل ، و ما يستحقه من الصفات نفيا و إثباتا ، لا من الكتاب و لا من السنة ، و لا من طريق سلف الأمة ، و لكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقا له من الصفات فصفوه به ـ سواء كان موجودا في الكتاب و السنة أو لم يكن ـ و ما لم تجدوه مستحقا له في عقولكم فلا تصفون به !!. ثم هم ها هنا فريقان : أكثرهم يقولون : ما لم تثبته عقولكم فاتقوه ـ و منهم من يقول : بل توقفوا فيه ـ و ما نفاه قياس عقولكم ـ الذي أنتم فيه مختلفون و مضطربون اختلافا أكثر من جميع من على وجه الأرض [ في نسخة القارئ : من جميع اختلاف من على وجه الأرض ] ـ فانفوه ، و إليه عند التنازع فارجعوا ، فإنه الحق الذي تعبدتكم به ، و ما كان مذكورا في الكتاب و السنة مما يخالف قياسكم هذا ، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم ـ على طريقة أكثرهم ـ فاعلموا أني امتحنتكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه ، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة ، و وحشي الألفاظ ، و غرائب الكلام ، أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله ، مع نفي دلالته على شيء من الصفات . هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين .