شرح الفتوى الحموية الكبرى-03
الشيخ صالح آل الشيخ
الفتوى الحموية الكبرى
الحجم ( 5.84 ميغابايت )
التنزيل ( 589 )
الإستماع ( 242 )


1 - و الإيمان بالله و اليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ و المعاد ، و هو الإيمان بالخلق و البعث ، كما جمع بينهما في قوله تعالى : (و من الناس من يقول آمنا بالله و باليوم الآخر و ما هم بمؤمنين) [البقرة : 8] و قال تعالى : (ما خلقكم و لا بعثكم إلا كنفس واحدة) [لقمان : 28] و قال تعالى : (و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده) [الروم : 27] و قد بين الله على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم من أمر الإيمان بالله و اليوم الآخر ما هدى الله به عباده ، و كشف به مراده . و معلوم للمؤمنين : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أعلم من غيره بذلك ، و أنصح من غيره للأمة ، و أفصح من غيره عبارة و بيانا ، بل هو أعلم الخلق بذلك ، و أنصح الخلق للأمة ، وأفصحهم ، فقد اجتمع في حقه كمال العلم و القدرة و الإرادة .

3 - و الرسول هو الغاية في كمال العلم ، و الغاية في كمال إرادة البلاغ المبين ، و الغاية في قدرته على البلاغ المبين ، و مع وجود القدرة التامة ، و الإرادة الجازمة يجب وجود المراد ، فعلم قطعا أن ما بينه من أمر الإيمان بالله و اليوم الآخر حصل به مراده من البيان ، و ما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه ، و علمه بذلك أكمل العلوم ، فكل من ظن أن غير الرسول أعلم بهذا منه ، أو أكمل بيانا منه ، أو أحرص على هدي الخلق منه ، فهو من الملحدين لا من المؤمنين . و الصحابة و التابعون لهم بإحسان و من سلك سبيلهم في هذا الباب على سبيل الاستقامة . و أما المنحرفون عن طريقهم فهم " ثلاث طوائف " : أهل التخييل ، و أهل التأويل ، و أهل التجهيل . فأهل التخييل : هم المتفلسفة و من سلك سبيلهم : من متكلم و متصوف و متفقه ، فإنهم يقولون : إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله و اليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور ، لا أنه بين به الحق ، و لا هدى به الخلق ، و لا أوضح به الحقائق . ثم هم على قسمين : منهم من يقول : إن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه ، و يقولون : إن من الفلاسفة الإلهية من علمها ، و كذلك من الأشخاص الذين يسمونهم الأولياء من علمها ، و يزعمون أن من الفلاسفة و الأولياء من هو أعلم بالله و اليوم الآخر من المرسلين .

4 - و هذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة و الباطنية : باطنية الشيعة و باطنية الصوفية . و منهم من يقول : بل الرسول علمها لكن لم يبينها ، و إنما تكلم بما يناقضها ، و أراد من الخلق فهم ما يناقضها ؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق . و يقول هؤلاء : يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل ، و إلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل ، و يخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون و يشربون مع أن ذلك باطل ، قالوا : لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريقة ، التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد ، فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله و اليوم الآخر . و أما الأعمال فمنهم من يقرها ، و منهم من يجريها هذا المجرى ، و يقول : إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض ، و يؤمر بها العامة دون الخاصة ، فهذه طريقة الباطنية الملاحدة ، و اللإسماعيلية و نحوهم . و أما أهل التأويل : فيقولون : إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل ، و لكن قصد بها معاني ، و لم يبين لهم تلك المعاني و لا دلهم عليها ، و لكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم ، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها ، و مقصوده امتحانهم و تكليفهم ، و إتعاب أذهانهم و عقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله و مقتضاه ، و يعرف الحق من غير جهته ، و هذا قول المتكلمة و الجهمية و المعتزلة ، و من دخل معهم في شي من ذلك . و الذين قصدنا الرد في هذه الفتيا عليهم : هم هؤلاء ، إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهورا ، بخلاف هؤلاء فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة ، و هم ـ في الحقيقة ـ لا للإسلام نصروا ، و لا للفلاسفة كسروا . لكن أولئك الملاحدة ألزموهم في النصوص ـ نصوص المعاد ـ نظير ما ادعوه في نصوص الصفات ، فقالوا لهم : نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان ، و قد علمنا فساد الشبه المانعة منه . و أهل السنة يقولون لهم : و نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات ، و نصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر و أعظم من نصوص المعاد . و يقولون لهم : معلوم أن مشركي العرب و غيرهم كانوا ينكرون المعاد ، و قد أنكروه على الرسول ، و ناظروه عليه ، بخلاف الصفات ؛ فإنه لم ينكر شيئا منها أحد من العرب ، فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد ، و أن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات ، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به ، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به ؟!.

5 - و أيضا : فقد علم أنه صلى الله عليه و سلم قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه و بدلوه ، و معلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات ، فلو كان هذا مما بدل و حرف لكان إنكار ذلك عليهم أولى ، فكيف و كانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبا منهم و تصديقا لها ؟! و لم يعبهم قط بما تعيب النفاة أهل الإثبات ، مثل لفظ التجسيم و التشبيه و نحو ذلك ، بل عابهم بقولهم : (يد الله مغلولة) [المائدة : 64] و قولهم : (إن الله فقير و نحن أغنياء) [آل عمران : 181] و قولهم : إنه استراح لما خلق السموات و الأرض ، فال تعالى : (و لقد خلقنا السموات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام و ما مسنا من لغوب) [ق : 38] . و التوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن و الحديث ، و ليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن ، فإذا جاز أن تتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى ، و الثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل فالأول أولى بالبطلان . و أما الصنف الثالث : و هم أهل التجهيل : فهم كثير من المنتسبين إلى السنة ، و اتباع السلف ، يقولون : إن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ، و لا جبريل يعرف معاني الآيات ، و لا السابقون الأولون عرفوا ذلك . و كذلك قولهم في أحاديث الصفات : إن معناها لا يعلمه إلا الله ، مع أن الرسول تكلم بها ابتداء ، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه . و هؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى : (و ما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران : 7] ، فإنه وقف أكثر السلف على قوله : (و ما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران : 7] . و هو وقف صحيح ، لكن لم يفرقوا بين معنى الكلام و تفسيره ، و بين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه ، و ظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين و غلطوا في ذلك .

6 - فإن لفظ " التأويل " يراد به ثلاثة معان : فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو : صرف اللفظ عن الاحتمال الراجع إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك ، فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلا على اصطلاح هؤلاء ، و ظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك ، و أن للنصوص تأويلا يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله و لا يعلمه المتأولون . ثم كثير من هؤلاء يقولون : تجري على ظاهرها ، فظاهرها مراد مع قولهم : إن لها تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله ، و هذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة ، من أصحاب الأئمة الأربعة و غيرهم . و المعنى الثاني : أن التأويل هو تفسير الكلام ـ سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه و هذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين ، و غيرهم ، و هذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم ، و هو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله : (و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم) [آل عمران : 7] . كما نقل ذلك عن ابن عباس و مجاهد ، و محمد بن جعفر بن الزبير ، و محمد بن إسحاق ، و ابن قتيبة و غيرهم ، و كلا القولين حق باعتبار ـ كما قد بسطناه في موضع آخر ـ و لهذا نقل عن ابن عباس هذا و هذا ، و كلاهما حق . و المعنى الثالث : أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها ـ و إن وافقت ظاهره ـ فالتأويل ما أخبر الله به في الجنة من ـ الأكل و الشرب و اللباس و النكاح و قيام الساعة و غير ذلك ـ هو الحقائق الموجودة انفسها ، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان ، و يعبر عنه باللسان ، و هذا هو " التأويل " في لغة القرآن ، كما قال تعالى عن يوسف أنه قال : (يا أبت هذا تأويل رءياي من قبل قد جعلها ربي حقا) [يوسف : 100] . و قال تعالى : (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق) [الأعراف : 53] ، و قال تعالى : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا) [النساء : 59] ، و هذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله . و تأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله تعالى بعلمها ، و هو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف ـ كمالك و غيره ـ : الاستواء معلوم ، و الكيف مجهول ، فالاستواء معلوم ـ يعلم معناه و يفسر و يترجم بلغة أخرى ـ و هو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم ، و أما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى .

7 - و قد روي عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاق و غيره في تفسيرهم عنه انه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير تعرفه العرب من كلامها ، و تفسير لا يعذر أحد بجهالته ، و تفسير يعلمه العلماء ، و تفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فمن ادعى علمه فهو كاذب . و هذا كما قال تعالى : (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزا بما كانوا يعملون) [السجدة : 17] ، و قال النبي صلى الله عليه و سلم : يقول الله تعالى : " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، و لا أذن سمعت ، و لا خطر على قلب بشر " و كذلك علم وقت الساعة ، و نحو ذلك ، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى .

9 - و قال أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان ، و عبد الله بن مسعود ، و غيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه و سلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم و العمل ؛ قالوا : فتعلمنا القرآن و العلم و العمل جميعا . و قال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ من فاتحته إلى خاتمته ، أقف عند كل آية و أسأله عنها . و قال الشعبي : ما ابتدع أحد بدعة إلا و في كتاب الله بيانها . و قال مسروق : ما سئل أصحاب محمد عن شيء إلا و علمه في القرآن ، و لكن علمنا قصر عنه . و هذا باب واسع قد بسط في موضعه . و المقصود هنا : التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم و الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم ، و أن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه و لا جبريل ؛ جعله غير عالم بالسمعيات ، و لم يجعل القرآن هدى و لا بيانا للناس . ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية ، فلا يجعلون عند الرسول و أمته في " باب معرفة الله عز وجل " لا علوما عقلية و لا سمعية ، و هم قد شاركوا الملاحدة في هذه من وجوه متعددة ، و هم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول صلى الله عليه و سلم ، و إلى السلف من الجهل ، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف ، و التأويلات الفاسدة ، و سائر أصناف الملاحدة . و نحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها و ألفاظ من نقل مذهبهم ـ إلى غير ذلك من الوجوه بحسب ما يحتمله هذا الموضع ـ ما يعلم به مذهبهم .

11 - و إنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه و النافي لصفاته ؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك . و روى أبو بكر الخلال في كتاب " السنة " عن الوزاعي ، قال : سئل مكحول و الزهري عن تفسير الأحاديث فقالا : أمروها كما جاءت . و روى أيضا عن الوليد بن مسلم قال : سألت مالك بن أنس ، و سفيان الثوري ، و الليث بن سعد ، و الأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات ، فقالوا : أمروها كما جاءت . و في رواية : فقالوا : أمروها كما جاءت بلا كيف . فقولهم رضي الله عنهم : " أمروها كما جاءت " رد على المعطلة ، و قولهم : " بلا كيف " رد على الممثلة ، و الزهري و مكحول : هما أعلم التابعين في زمانهم ، و الأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين ، و من طبقتهم حماد بن زيد ، و حماد بن سلمة ، و أمثلهما .

12 - و روى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرف بن عبد الله ، قال : سمعت مالك ابن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول : قال عمر بن عبد العزيز : سن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و ولاة الأمر بعده سننا ، الأخذ بها تصديق لكتاب الله و استكمال لطاعة الله ، و قوة على دين الله ، ليس لأحد من خلق الله تعالى تغييرها ، و لا النظر في شيء خالفها ، من اهتدى بها فهو مهتد ، و من استنصر بها فهو منصور ، و من خالفها و اتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى ، و أصلاه جهنم و ساءت مصيرا . و روى الخلال بإسناد ـ كلهم أئمة ثقات ـ عن سفيان بن عيينة ، قال : سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] ، كيف استوى ؟ قال : الاستواء غير مجهول ، و الكيف غير معقول ، و من الله الرسالة و على الرسول البلاغ المبين ، و علينا التصديق . و هذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه . منها : ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني ، و أبو بكر البيهقي عن يحي بن يحي ، قال كنا عند مالك بن أنس ، فجاء رجل فقال : يا أبا عبد الله (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] كيف استوى ؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ! ثم قال : الاستواء غير مجهول ، و الكيف غير معقول ، و الإيمان به واجب ، و السؤال عنه بدعة ، و ما أراك إلا مبتدعا ، ثم أمر به أن يخرج . فقول ربيعة و مالك : الاستواء غير مجهول ، و الكيف غير معقول ، و الإيمان به واجب ؛ موافق لقول الباقين : أمروها كما جاءت بلا كيف ، فإنما نفوا علم الكيفية و لم ينفوا حقيقة الصفة . و لو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه ـ على ما يليق بالله ـ لما قالوا : الاستواء غير مجهول ، و الكيف غير معقول ، و لما قالوا : أمروها كما جاءت بلا كيف ؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما ، بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم . و أيضا : فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى ، و إنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات . و أيضا : فإن من ينفي الصفات الخبرية ـ أو الصفات مطلقا ـ لا يحتاج إلى أن يقول بلا كيف ، فمن قال : إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف ، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف . و أيضا : فقولهم : أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه ، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني ، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال : أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد ، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة ، و حينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت ، و لا يقال حينئذ بلا كيف ، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول .