شرح الفتوى الحموية الكبرى-06
الشيخ صالح آل الشيخ
الفتوى الحموية الكبرى
الحجم ( 3.79 ميغابايت )
التنزيل ( 561 )
الإستماع ( 236 )


1 - و قال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه " اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء و الصفات " قال في آخر خطبته : " فاتفقت أقوال المهاجرين و الأنصار في توحيد الله عز وجل ، و معرفة أسمائه و صفاته و قضائه ، قولا واحدا و شرعا ظاهرا ، و هم الذين نقلوا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك حتى قال : " عليكم بسنتي " . و ذكر الحديث ، و حديث : " لعن الله من أحدث حدثا " . قال : فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف ، و هم الذين أمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد ، و أصول الدين من الأسماء و الصفات ، كما اختلفوا في الفروع ، و لو كان منهم في ذلك اختلاف لنقل إلينا ؛ كما نقل سائر الاختلاف ، فاستقر صحة ذلك عند خاصتهم و عامتهم ، حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان ، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين ، حتى نقلوا ذلك قرنا بعد قرن ؛ لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر ، و لله المنة . ثم إني قائل ـ و بالله أقول ـ إنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد ، و ذكر الأسماء و الصفات على خلاف منهج المتقدمين ، من الصحابة و التابعين ، فخاضوا في ذلك من لم يعرفوا بعلم الآثار ، و لم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار ، و صار معولهم على أحكام هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به ، على مخالفة السنة ، و التعلق منهم بآيات لم يسعدهم فيها ما وافق النفوس ، فتأولوا على ما وافق هواهم ، و صححوا بذلك مذهبهم ، احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين ، و مأخذ المؤمنين ، و منهاج الأولين ، خوفا من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حذر رسول الله صلى الله عليه و سلم أمته ، و منع المستجيبين له حتى حذرهم . ثم ذكر أبوعبد الله خروج النبي صلى الله عليه و سلم و هم يتنازعون في القدر و غضبه . و حديث : " لا ألفين أحدكم " . و حديث : " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " : " فإن الناجية ما كان عليه هو أصحابه ، ثم قال :

2 - فلزم الأمة قاطبة معرفة ما كان عليه الصحابة ، و لم يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين لهم بإحسان ، المعروفين بنقل الأخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة ، فيتصل ذلك قرنا بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة و الأمانة الحافظين على الأمة ما لهم و ما عليهم من إثبات السنة " . إلى أن قال : " فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها ذكر أسماء الله عز وجل في كتابه ، و ما بين صلى الله عليه و سلم من صفاته في سنته ، و ما وصف به عز وجل مما سنذكر قول القائلين بذلك ، مما لا يجوز لنا في ذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك ، و مما قد أمرنا بالاستسلام له " .

3 - إلى أن قال : " ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية و الإقرار بالألوهية ، أن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق ، بما بدأ من أسمائه و صفاته ، و أكد عليه السلام بقوله ، فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله لا إله إلا الله ، إلى أن قال بإثبات نفسه بالتفصيل و المجمل ، فقال لموسى عليه السلام : (واصطنعتك لنفسي) [طه : 41] . و قال : (و يحذركم الله نفسه) [آل عمران : 28] . و لصحة ذلك و استقرار ما جاء به المسيح عليه السلام فقال : (تعلم ما في نفسي و لا أعلم ما في نفسك) [المائدة : 116] . و قال عز وجل : (كتب ربكم على نفسه الرحمة) [الأنعام : 54] . و أكد عليه السلام صحة إثبات ذلك في سننه فقال : " يقول الله عز وجل : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي " . و قال : " كتب كتابا بيده على نفسه : إن رحمتي غلبت غضبي " . و قال : " سبحان الله رضى نفسه " . و قال في محاجة آدم لموسى : " أنت الذي اصطفاك الله و اصطنعك لنفسه " . فقد صرح بظاهر قوله : إنه أثبت لنفسه نفسا ، و أثبت له الرسول ذلك ، فعلى من صدق الله و رسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه ، و يكون ذلك مبنيا على ظاهر قوله : (ليس كمثله شيء) [الشورى :11] " .

4 - ثم قال : " فعلى المؤمنين خاصتهم و عامتهم قبول كل ما ورد عنه عليه السلام بنقل العدل عن العدل ، حتى يتصل به صلى الله عليه و سلم ، و إن مما قضى الله علينا في كتابه ، و وصف به نفسه ، و وردت السنة بصحة ذلك أن قال : (الله نور السموات و الأرض) [النور : 35] . ثم قال عقيب ذلك : (نور على نور) . و بذلك دعاه صلى الله عليه و سلم : " أنت نور السموات و الأرض " .ثم ذكر حديث أبي موسى : " حجابه النور ـ أو النار ـ لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ". و قال : " سبحات وجهه : جلاله و نوره " . نقله عن الخليل و أبي عبيد ، و قال : قال عبد الله بن مسعود : نور السموات نور وجهه " .

5 - ثم قال : " و مما ورد به النص أنه حي " ، و ذكر قوله تعالى : (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) [البقرة : 255] . و الحديث : " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث " . قال : " و مما تعرف الله إلى عباده أن وصف نفسه أن له وجها موصوفا بالجلال و الإكرام ، فأثبت لنفسه وجها " و ذكر الآيات . ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم ، فقال : " في هذا الحديث من أوصاف الله عز وجل لا ينام ، موافق لظاهر الكتاب : (لا تأخذه سنة و لا نوم) [البقرة : 255] . و أن له وجها موصوفا بالأنوار ، و أن له بصرا كما علمنا في كتابه أنه سميع بصير " . ثم ذكر الأحاديث في إثبات الوجه ، و في إثبات السمع و البصر ، و الآيات الدالة على ذلك . ثم قال : " ثم إن الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين ، أن قال : له يدان قد بسطهما بالرحمة " و ذكر الأحاديث في ذلك ، ثم ذكر شعر أمية بن أبي الصلت . ثم ذكر حديث : " يلقى في النار و تقول : هل من مزيد ؟ حتى يضع فيها رجله " . و هي رواية البخاري . و في رواية أخرى : " يضع عليها قدمه " . ثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس : أن الكرسي موضع القدمين و أن العرش لا يقدر قدره إلا الله ، و ذكر قول مسلم البطين نفسه ، و قول السدي ، و قول وهب بن منبه ، و أبي مالك و بعضهم يقول : موضع قدميه . و بعضهم يقول : واضع رجليه عليه . ثم قال : فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة موافقة لقول النبي صلى الله عليه و سلم متداولة في الأقوال ، و محفوظة في الصدر ، و لا ينكر خلف عن السلف ، و لا ينكر عليهم أحد من نظرائهم ، نقلتها الخاصة والعامة مدونة في كتبهم ، إلى أن حدث في آخر الأمة من قلل الله عددهم ، ممن حذرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم عن مجالستهم و مكالمتهم ، و أمرنا أن لا نعود مرضاهم ، و لا نشيع جنائزهم ، فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات ، فضربوها بالتشبيه ، و عمدوا إلى الأخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام المقاييس ، و كفر المتقدمين ، و أنكروا على الصحابة و التابعين ، و ردوا على الأئمة الراشدين ، فضلوا و أضلوا عن سواء السبيل " .

6 - ثم ذكر المأثور عن ابن عباس ، و جوابه لنجدة الحروري ، ثم حديث " الصورة " . و ذكر أنه صنف فيه كتابا مفردا ، و اختلاف الناس في تأوليه . ثم قال : " و سنذكر أصول السنة و ما ورد من الاختلاف فيما نعتقده فيما خالفنا فيه أهل الزيغ و ما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة إن شاء الله " . ثم ذكر الخلاف في الإمامة ، و احتج عليها ، و ذكر اتفاق المهاجرين و الأنصار على تقديم الصديق ، و أنه أفضل الأمة . ثم قال : " و كان الاختلاف في خلق الأفعال هل هي مقدرة أم لا ؟ قال : و قولنا فيها : إن أفعال العباد مقدرة معلومة " . و ذكر إثبات القدر ، ثم ذكر الخلاف في أهل " الكبائر " و مسألة " الأسماء و الأحكام " و قال : " قولنا فيها أنهم مؤمنون على الإطلاق و أمرهم إلى الله ، إن شاء عذبهم و إن شاء عفا عنهم " . وقال : " أصل الإيمان موهبة يتولد منها أفعال العباد ، فيكون أصل التصديق و الإقرار و الأعمال " .

7 - و ذكر الخلاف في زيادة الإيمان و نقصانه ، و قال : " قولنا : أنه يزيد و ينقص . قال : ثم كان الاختلاف في القرآن مخلوقا و غير مخلوق ، فقولنا و قول أئمتنا : إن القرآن كلام الله غير مخلوق ، و أنه صفة الله ، منه بدأ قولا و إليه يعود حكما ". ثم ذكر الخلاف في الرؤية و قال : " قولنا و قول أئمتنا فيما نعتقد أن الله يرى في القيامة " و ذكر الحجة . ثم قال : " اعلم ـ رحمك الله ـ أني ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من ترتيب المحدثين في كل الأزمنة ، و قد بدأت أن أذكر أحكام الجمل من العقود . فنقول و نعتقد : أن الله عز وجل له عرش ، و هو على عرشه ، فوق سبع سمواته ، بكل أسمائه و صفاته ؛ كما قال : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) [السجدة : 5] . و لا نقول : إنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه ؛ لأنه عالم بما يجري على عباده (ثم يعرج إليه) [السجدة : 5] .