شرح الفتوى الحموية الكبرى-07
الشيخ صالح آل الشيخ
الفتوى الحموية الكبرى
الحجم ( 5.58 ميغابايت )
التنزيل ( 564 )
الإستماع ( 231 )


3 - لا كما قال أهل البدع . و نعتقد أن الله تعالى خص محمدا صلى الله عليه و سلم بالرؤية ، و اتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ، و نعتقد أن الله تعالى اختص بمفتاح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله (إن الله عنده علم الساعة) [لقمان : 34] الآية . و نعتقد المسح على الخفين ، ثلاثا للمسافر ، و يوما و ليلة للمقيم ، و نعتقد الصبر على السلطان من قريش ، ما كان من جور أو عدل ، ما أقام الصلاة من الجمع و الأعياد ، و الجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة ، و الصلاة في الجماعة حيث ينادى لها واجب ، إذا لم يكن عذر أو مانع ، و التراويح سنة ، و نشهد أن من ترك الصلاة عمدا فهو كافر ، و الشهادة و البراءة بدعة .

7 - و اعلم أني ذكرت اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة و التابعين مجملا من غير استقصاء ، إذ تقدم القول من مشايخنا المعروفين من أهل الإبانة و الديانة ، إلا أني أحببت أن أذكر عقود أصحابنا المتصوفة فيما أحدثته طائفة نسبوا إليهم ما قد تخرصوا من القول بما نزه الله تعالى المذهب و أهله من ذلك " . إلى أن قال : " و قرأت لمحمد بن جرير الطبري في كتاب سماه " التبصير " ، كتب بذلك إلى أهل طبرستان في اختلاف عندهم ، و سألوه أن يصنف لهم ما يعتقد و يذهب إليه ، فذكر في كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى ، فذكر عن طائفة إثبات الرؤية في الدنيا و الآخرة ، و نسب هذه المقالة إلى " الصوفية " قاطبة لم يخص طائفة . فبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المخلصين منهم ، و كان من نسب إليه ذلك القول ـ بعد أن ادعى الطائفة ـ ابن أخت عبد الواحد بن زيد ، و الله أعلم محله عند المخلصين ، فكيف بابن أخته ، و ليس إذا أحدث الزائغ في نحلته قولا نسب إلى الجملة ، كذلك في الفقهاء و المحدثين ليس من أحدث قولا في الفقه ، و ليس فيه حديث يناسب ذلك ، ينسب ذلك إلى جملة الفقهاء و المحدثين . و اعلم أن لفظ " الصوفية " و علومهم تختلف ، فيطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم ومرموزات ، و إشارات تجري فيما بينهم ، فمن لم يداخلهم على التحقيق ، ونازل ما هم عليه رجع عنهم و هو خاسئ و حسير " . ثم ذكر إطلاقهم لفظ " الرؤية " بالتقييد . فقال : " كثيرا ما يقولون : رأيت الله " يقول : " و ذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل : هل رأيت الله حين عبدته ؟ قال : رأيت الله ثم عبدته . فقال السائل : كيف رأيته ؟ فقال : لم تره الأبصار بتحديد الأعيان ، و لكن رؤية القلوب بتحقيق الإيقان " . ثم قال : و إنه تعالى يرى في الآخرة كما أخبر في كتابه ، و ذكره رسول الله صلى الله عليه و سلم ، هذا قولنا و قول أئمتنا ، دون الجهال من أهل الغباوة فينا . و إن مما نعتقده أن الله حرم على المؤمنين دماءهم و أموالهم و أعراضهم ، و ذكر ذلك في حجة الوداع ، فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يبيح الحق له ما حظر على المؤمنين ـ إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس لو بلغ العبد ما بلغ من العلم و العبادات ـ فذلك كفر بالله ، و قائل ذلك قائل بالإباحة ، و هم المنسلخون من الديانة . و إن مما نعتقده ترك إطلاق تسمية " العشق " على الله تعالى ، و بين أن ذلك لا يجوز لاشتقاقه و لعدم ورود الشرع به . و قال : أدنى ما فيه أنه بدعة و ضلالة ، و فيما نص الله من ذكر المحبة كفاية .

8 - و إن مما نعتقده أن الله لا يحل في المرئيات ، و أنه المتفرد بكمال أسمائه و صفاته ، بائن من خلقه ، مستو على عرشه ، و أن القرآن كلامه غير مخلوق ـ حيثما تلي و درس و حفظ ـ و نعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا ، و اتخذ نبينا محمدا صلى الله عليه و سلم خليلا و حبيبا ، و الخلة لهما منه ، على خلاف ما قاله المعتزلة : إن الخلة الفقر و الحاجة . إلى أن قال : " و الخلة و المحبة صفتان لله هو موصوف بهما ، و لا تدخل أوصافه تحت التكييف و التشبيه ، و صفات الخلق من المحبة و الخلة جائز عليها الكيف ، فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم ، و موجودة في التعريف ، قد انتفى عنهما التشبيه ، فالإيمان به واجب ، و اسم الكيفية عن ذلك ساقط .

9 - و مما نعتقده أن الله أباح المكاسب و التجارات و الصناعات ، و إنما حرم الله الغش و الظلم ، و أما من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضال مضل مبتدع ، إذ ليس الفساد و الظلم و الغش من التجارات و الصناعات في شيء ، إنما حرم الله و رسوله الفساد لا الكسب و التجارات ، فإن ذلك على أصل الكتاب و السنة جائز إلى يوم القيامة ، و إن مما نعتقده أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات ؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة ، و المعتقد أن الأرض تخلو من الحلال ، و الناس يتقلبون في الحرام فهو مبتدع ضال ، إلا أنه يقل في موضع و يكثر في موضع ، لا أنه مفقود من الأرض .

10 - و مما نعتقده أنا إذا رأينا من ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه و ماله و طعامه جائز أن يؤكل طعامه و المعاملة في تجارته ، فليس علينا الكشف عما قاله . فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط ، جاز إلا من داخل الظلمة ، و من ينزع عن الظلم ، و أخذ الأموال بالباطل و معه غير ذلك ، فالسؤال و الترقي ، كما سأل الصديق غلامه ، فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الأموال فاختلطا فلا يطلق عليه الحلال و لا الحرام ، إلا أنه مشتبه ، فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصديق ، و أجاز ابن مسعود و سلمان الأكل منه و عليه التبعة ، و الناس طبقات و الدين الحنيفية السمحة .

11 - و إن مما نعتقده أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه فلا يسقط عنه الخوف و الرجاء ، و كل من ادعى الأمن فهو جاهل بالله ، و بما اخبر به عن نفسه (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) [الأعراف : 99] . و قد أفردت كشف عورات من قال بذلك . و نعتقه أن العبودية لا تسقط عن العبد ما عقل و علم ما له و ما عليه ، فيبقى على أحكام القوة و الاستطاعة ، إذ لم يسقط الله ذلك عن الأنبياء ، و الصديقين ، و الشهداء , الصالحين ، و من زعم أنه قد خرج عن رق العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية ، و الخروج إلى أحكام الأحدية المسدية بعلائق الآخرية : فهو كافر لا محالة ، إلا من اعتراه علة ، أو رأفة ، فصار معتوها ، أو مجنونا ، أو مبرسما ، و قد اختلط عقله ، أو لحقه غشية يرتفع عنه بها أحكام العقل ، و ذهب عنه التمييز و المعرفة ، فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة . و من زعم الإشراف على الخلق ، يعلم مقاماتهم و مقدارهم عند الله ـ بغير الوحي المنزل من قول رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ فهو خارج عن الملة ، و من ادعى أنه يعرف مآل الخلق و منقلبهم ، و على ماذا يموتون عليه و يختم لهم ـ بغير الوحي من قول الله و قول رسوله ـ فقد باء بغضب من الله .

15 - و نعتقد أن القراءة " الملحنة " بدعة و ضلالة ، و أن القصائد بدعة ، و مجراها على قسمين : فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله و نعمائه و إظهار نعت الصالحين و صفة المتقين فذلك جائز ، و تركه و الاشتغال بذكر الله و القرآن و العلم أولى به ، و ما جرى على وصف المرئيات و نعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر ، و استماع الغناء و الربعيات على الله كفر ، و الرقص بالإيقاع و نعت الرقاصين على أحكام الدين فسق ، و على أحكام التواجد و الغناء لهو و لعب . و حرام على كل من يسمع القصائد و الربعيات الملحنة ـ الجائي بين أهل الأطباع ـ على أحكام الذكر ، إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد ، و معرفة أسمائه و صفاته ، و ما يضاف إلى الله تعالى من ذلك ، و ما لا يليق به عز وجل مما هو منزه عنه ، فيكون استماعه كما قال : (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) الآية [الزمر : 18] . و كل من جهل ذلك و قصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر لا محالة ، فكل من جمع القول و أصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز إلا لمن عرف بما وصفت من ذكر الله و نعمائه ، و ما هو موصوف به عز وجل مما ليس للمخلوقين فيه نعت و لا وصف ، بل ترك ذلك أولى و أحوط ، و الأصل في ذلك أنها بدعة ، و الفتنة فيها غير مأمونة على استماع الغناء . و " الربعيات " بدعة ، و ذلك مما أنكره المطلبي ، ومالك ، و الثوري ، و يزيد بن هارون ، و أحمد بن حنبل ، و إسحاق ، و الإقتداء بهم أولى من الإقتداء بمن لا يعرفون في الدين ، و لا لهم قدم عند المخلصين . و بلغني أنه قيل لبشر بن الحارث : إن أصحابك قد احدثوا شيئا يقال له القصائد .

16 - قال : مثل إيش ؟ قال : مثل قوله : اصبري يا نفـــــس حـتى تسكني دار الجــــــــليل فقال : حسن ، و أين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك ؟ قال : قلت ببغداد ، فقال : كذبوا ـ و الله الذي لا إله غيره ـ لا يسكن ببغداد من يستمع ذلك . قال أبو عبد الله : و مما نقول ـ و هو قول أئمتنا ـ إن الفقير إذا احتاج و صبر و لم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى ، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله صلى الله عليه و سلم : " لأن يأخذ أحدكم حبله " . الحديث ، و نقول : إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط موسومة من التعفف و الاستغناء عما في أيدي الناس ، و من جعل السؤال حرفة ـ و هو صحيح ـ فهو مذموم في الحقيقة خارج . و نقول : إن المستمع إلى الغناء ، و الملاهي فإن ذلك كما قال عليه السلام : " الغناء ينبت النفاق في القلب " . و إن لم يكفر فهو فسق لا محالة . و الذي نختار : قول أئمتنا : أن ترك المراء في الدين ، و الكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق ، و من زعم أن الرسول صلى الله عليه و سلم واسط يؤدي ، و أن المرسل إليهم أفضل : فهو كافر بالله ، و من قال بإسقاط على الجملة فقد كفر " اهـ .