شرح الفتوى الحموية الكبرى-09
الشيخ صالح آل الشيخ
الفتوى الحموية الكبرى
الحجم ( 5.87 ميغابايت )
التنزيل ( 539 )
الإستماع ( 216 )


2 - ثم قال : " فصل " . و قد قال القائلون من المعتزلة ، و الجهمية ، و الحرورية : إن معنى قوله : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . أنه استولى و قهر و ملك ، و أن الله عز وجل في كل مكان ، و جحدوا أن يكون الله على عرشه ، كما قال أهل الحق ، و ذهبوا في الاستواء إلى القدرة ، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش و الأرض السابعة ؛ لأن الله قادر على كل شيء ، و الأرض فالله قادر عليها ، و على الحشوش ، و على كل ما في العالم ، فلو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء ـ و هو عز وجل مستول على الأشياء كلها ـ لكان مستويا على العرش و على الأرض ، و على السماء و على الحشوش و الأقذار ، لأنه قادر على الأشياء مستول عليها . و إذا كان قادرا على الأشياء كلها و لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول : إن الله مستو على الحشوش و الأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ، و وجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها ، و ذكر دلالات من القرآن و الحديث ، و الإجماع ، و العقل .

3 - ثم قال : " باب الكلام في الوجه و العينين و البصر و اليدين " . و ذكر الآيات في ذلك ، ورد على المتأولين لها بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته ، مثل قوله : فإن سئلنا : أتقولون لله يدان ؟ قيل : نقول ذلك ، و قد دل عليه قوله تعالى : (يد الله فوق أيديهم) [التح : 10] . و قوله تعالى : (لما خلقت بيدي) . و روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : " إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته " . "و خلق جنة عدن بيده " . " و كتب التوراة بيده " . و قد جاء في الخبر المذكور عن النبي صلى الله عليه و سلم : " إن الله خلق آدم بيده ، و خلق جنة عدن بيده ، و كتب التوراة بيده ، و غرس شجرة طوبى بيده " .

5 - و هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ، ليس فيهم مثله لا قبله و لا بعده ـ قال في كتاب " الإبانة " تصنيفه : فإن قال قائل : فما الدليل على أن الله وجها و يدا ؟ . قيل له : قوله : (و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام) [الرحمن : 27] . و قوله تعالى (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) [ص : 75] . فأثبت لنفسه وجها و يدا . فإن قال : فلم أنكرتم أن يكون وجهه و يده جارحة إن كنتم لا تعقلون وجها و يدا إلا جارحة ؟ . قلنا : لا يجب هذا ، كما لا يجب إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما أن نقضي نحن و أنتم بذلك على الله سبحانه و تعالى ، و كما لا يجب في كل شيء كان قائما بذاته أن يكون جوهرا ؛ لأنا و إياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك ، و كذلك الجواب لهم إن قالوا : يجب أن يكون علمه ، و حياته ، و كلامه و سمعه ، و بصره ، و سائر صفات ذاته عرضا و اعتلوا بالوجود . و قال : فإن قال : فهل تقولون : إنه في كل مكان ؟ . قيل له : معاذ الله ، بل مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال : (الرحمن على العرش استوى) [طه : 5] . و قال الله تعالى : (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه) [فاطر : 10] . و قال : (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور) [الملك : 16] . قال : و لو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان ، و فمه ، و الحشوش و المواضع التي يرغب عن ذكرها ، و لوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن ، و ينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان ، و لصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض ، و إلى خلفنا ، و إلى يميننا ، و إلى شمالنا ، و هذا قد أجمع المسلمون على خلافه و تخطئة قائله .

7 - و ملاك الأمر أن يهب الله للعبد حكمة و إيمانا بحيث يكون له عقل و دين ، حتى يفهم و يدين ، ثم نور الكتاب و السنة يغنيه عن كل شيء ، و لكن كثيرا من الناس قد صار منتسبا إلى بعض طوائف المتكلمين ، و محسنا للظن بهم دون غيرهم ، و متوهما أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم ، فلو أتى بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم . ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم ؛ فلو أنهم أخذوا بالهدى الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى ، و من كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة ، ثم لا يتمسك بما جاءت به من الحق ، ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم : (و إذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا و يكفرون بما وراءه و هو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) [البقرة : 91] . فإن اليهود قالوا : لا نؤمن إلا بما أنزل علينا ، قال الله تعالى لهم : (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) [البقرة : 91] . أي إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم ، يقول سبحانه و تعالى : لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون ، و لا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون ، و لكن إنما تتبعون أهواءكم ، فهذا حال من لم يقبل الحق ، لا من طائفته و لا من غيرها ، مع كونه يتعصب لطائفته ، بلا برهان من الله و لا بيان .

8 - و كذلك قال أبو المعالي الجويني في كتابه " الرسالة النظامية " : اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر ؛ فرأى بعضهم تأوليها ، و التزم ذلك في آي الكتاب ، و ما يصح من السنن ، و ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل ، و إجراء الظواهر على مواردها ، و تفويض معانيها إلى الرب ، فقال : و الذي نرتضيه رأيا وندين لله به عقيدة : اتباع سلف الأمة ، و الدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الأمة ، و هو حجة متبعة ، و هو مستند معظم الشريعة . و قد درج صحب رسول الله صلى الله عليه و سلم على ترك التعرض لمعانيها و درك ما فيها و هم صفوة الإسلام و المستقلون بأعباء الشريعة ، و كانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة ، و التواصي بحفظها ، و تعليم الناس ما يحتاجون إليه منها ، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ، و إذا انصرم عصرهم و عصر التابعين على الإضراب عن التأويل ، كان ذلك هو الوجه المتبع ، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ، و لا يخوض في تأويل المشكلات ، ويكل معناها إلى الرب تعالى ، فليجر آية الاستواء و المجيء و قوله : (لما خلقت بيدي) [ص : 75] . (و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام) [الرحمن : 27] . و قوله : (تجري بأعيننا) [القمر : 14] . و ما صح من أخبار الرسول كخبر النزول و غيره على ما ذكرناه .

9 - قلت : و ليعلم السائل أن الغرض من هذا الجواب ذكر ألفاظ بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب ، و ليس كل من ذكرنا شيئا من قوله ـ من المتكلمين و غيرهم ـ يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب و غيره ، و لكن الحق يقبل من كل من تكلم به ، و كان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه ، الذي رواه أبو داود في سننه : اقبلوا الحق من كل من جاء به ، و إن كان كافرا ـ أو قال فاجرا ـ و احذروا زيغة الحكيم . قالوا : كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق ؟ قال : إن على الحق نورا . أو قال كلاما هذا معناه .

11 - و جماع الأمر في ذلك : أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى و النور لمن تدبر كتاب الله و سنة نبيه ، و قصد اتباع الحق ، و أعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه ، و الإلحاد في أسماء الله و آياته . و لا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا ألبتة ،مثل أن يقول القائل : ما في الكتاب و السنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله : (و هو معكم أين ما كنتم) [الحديد : 4] . و قوله صلى الله عليه و سلم : " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه " . و نحو ذلك فإن هذا غلط .

12 - و ذلك أن الله معنا حقيقة ، و هو فوق العرش حقيقة ، كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه و تعالى : (هو الذي خلق السموات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض و ما يخرج منها و ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها و هو معكم أين ما كنتم و الله بما تعملون بصيرا) [الحديد : 4] . فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء ، و هو معنا أينما كنا ، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم في حديث الأوعال : " و الله فوق العرش و هو يعلم ما أنتم عليه " . و ذلك أن كلمة " مع " في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة ، من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال ، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى ، فإنه يقال : ما زلنا نسير و القمر معنا أو و النجم معنا . و يقال : هذا المتاع معي . لمجامعته لك و إن كان فوق رأسك ، فالله مع خلقه حقيقة ، و هو فوق عرشه حقيقة . ثم هذه " المعية " تختلف أحكامها بحسب الموارد فلما قال : (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها) [الحديد : 4] . إلى قوله : (و هو معكم أين ما كنتم) [الحديد : 4] . دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية و مقتضاها أنه مطلع عليكم ، شهيد عليكم ،و مهيمن عالم بكم ، و هذا معنى قول السلف : أنه معهم بعلمه ، و هذا ظاهر الخطاب و حقيقته .

13 - و كذلك في قوله : (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) [المجادلة : 7] . إلى قوله : (هو معهم أين ما كانوا) [المجادلة : 7] . و لما قال النبي صلى الله عليه و سلم لصاحبه في الغار : (لا تحزن إن الله معنا) [التوبة : 4] . كان هذا أيضا حقا على ظاهره ، و دلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الاطلاع ، و النصر و التأييد . و كذلك قوله تعالى : (إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون) [النحل : 128] . و كذلك قوله لموسى و هارون : (إنني معكما أسمع و أرى) [طه : 46] . هنا المعية على ظاهرها ، و حكمها في هذه المواطن النصر و التأييد . و قد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي ، فيشرف عليه أبوه من فوق السقف فيقول : لا تخف ، أنا معك أو أنا هنا ، أو أنا حاضر و نحو ذلك . ينبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه ، ففرق بين معنى المعية و بين مقتضاها ، و ربما صار مقتضاها من معناها ، فيختلف باختلاف المواضع . فلفظ " المعية " قد استعمل في الكتاب و السنة في مواضع ، يقتضي في كل موضع أمورا لا يقتضيها في الموضع الآخر ، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع ، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها ـ و إن امتاز كل موضع بخاصية ـ فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب عز وجل مختلطة بالخلق ، حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها . و نظيرها من بعض الوجوه " الربوبية ، و العبودية " فإنهما و إن اشتركتا في أصل الربوبية و العبودية فلما قال : (رب العالمين رب موسى و هارون) [الأعراف : 122-الشعراء : 47-48] . كانت ربوبية موسى و هارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق ، فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره ، فقد ربه و رباه ربوبية و تربية أكمل من غيره .