شرح الفتوى الحموية الكبرى-10
الشيخ صالح آل الشيخ
الفتوى الحموية الكبرى
الحجم ( 5.85 ميغابايت )
التنزيل ( 534 )
الإستماع ( 217 )


2 - و كذلك قوله : (عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا) [الإنسان : 6] . و (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) [الإسراء : 1] . فإن العبد تارة يعنى به : المعبد فيعم الخلق ، كما في قوله : (إن كل من في السموات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا) [مريم : 93] . و تارة يعني به : العابد فيخص ، ثم يختلفون ، فمن كان أعبد علما و حالا كانت عبوديته أكمل ، فكانت الإضافة في حقه أكمل ، مع أنها حقيقة في جميع المواضع . و مثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس " مشككة " لتشكك المستمع فيها ، هل هي من قبيل الأسماء المتواطئة ، أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط ، و المحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة ، إذ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدر المشترك ، و إن كانت نوعا مختصا من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ .

3 - و من علم أن " المعية " تضاف إلى كل نوع من أنواعه المخلوقات ـ كإضافة الربوبية مثلا ـ و أن الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش ، و أن الله يوصف بالعلو و الفوقية الحقيقية ، و لا يوصف بالسفول و لا بالتحتية قط ، لا حقيقة و لا مجازا ، علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف . ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به و تحويه فهو كاذب ـ إن نقله عن غيره ـ و ضال ـ إن اعتقده في ربه ـ و ما سمعنا أحدا يفهم هذا من اللفظ ، و لا رأينا أحدا نقله عن واحد ، و لو سئل سائر المسلمين هل تفهمون من قول الله و رسوله " إن الله في السماء " أن السماء تحويه ؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول : هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا . و إذا كان الأمر هكذا : فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئا محالا لا يفهمه الناس منه ، ثم يريد أن يتأوله ، بل عند الناس " إن الله في السماء " ، " و هو على العرش " واحد ، إذ السماء إنما يراد به العلو ، فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل ، و قد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه و تعالى وسع السموات و الأرض ، و أن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، و أن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله و عظمته ، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقا يحصره و يحويه ؟‍! و قد قال سبحانه : (و لأصلبنكم في جذوع النخل) [طه : 71] . و قال : (فسيروا في الأرض) [النحل : 36] . بمعنى " على " و نحو ذلك ، و هو كلام عربي حقيقة لا مجازا ، و هذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف ، و إنها متواطئة في الغالب لا مشتركة .

5 - و قد ضرب النبي صلى الله عليه و سلم المثل بذلك ـ و لله المثل الأعلى ، و لكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا و إمكانه ، لا تشبيه الخالق بالمخلوق ـ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليا به " . فقال له أبو رزين العقيلي : كيف يا رسول الله ، و هو واحد و نحن جميع ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم : "سأنبك بمثل ذلك في آلاء الله ، هذا القمر كلكم يراه مخليا به ، و هو آية من آيات الله ، فالله أكبر " . أو كما قال النبي صلى الله عليه و سلم . و قال : " إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس و القمر " . فشبه الرؤية بالرؤية ، و إن لم يكن المرئي مشابها للمرئي . فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة و ناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه ، كما يرى الشمس و القمر ، و لا منافاة أصلا . و من كان له نصيب من المعرفة بالله ، و الرسوخ في العلم بالله ، يكون إقراره للكتاب و السنة على ما هما عليه أوكد .

6 - و اعلم أن من المتأخرين من يقول : مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد ، و هذا اللفظ " مجمل " فإن قوله : ظاهرها غير مراد يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين ، و صفات المحدثين ، مثل أن يراد بكون " الله قبل وجه المصلي " أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه ، و أن " الله معنا " ظاهره أنه إلى جانبنا و نحو ذلك ، فلا شك أن هذا غير مراد . و من قال : إن مذهب السلف أن هذا غير مراد فقد أصاب في المعنى لكن أخطأ بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات و الأحاديث ، فإن هذا المحال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع ، اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس فيكون القائل لذلك مصيبا بهذا الاعتبار ، معذورا في هذا الإطلاق . فإن الظهور و البطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس ، و هو من الأمور النسبية ، و كان أحسن من هذا أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر أن هذا ليس هو الظاهر ، حتى يكون قد أعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظا و معنى . و إن كان الناقل عن السلف أراد بقوله : الظاهر غير مراد عندهم أن المعاني التي تظهر من هذه الآيات و الأحاديث مما يليق بجلال الله و عظمته ، و لا يختص بصفة المخلوقين ، بل هي واجبة لله ، أو جائزة عليه جوازا ذهنيا ، أو جوازا خارجيا غير مراد ، فهذا قد أخطأ فيما نقله عن السلف ، أو تعمد الكذب .

8 - و قد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف ، و يقولون : إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف ـ بمعنى أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات و الأحاديث لم تدل على صفات الله سبحانه و تعالى ـ و لكن السلف أمسكوا عن تأوليها ، و المتأخرين رأوا المصلحة في تأوليها ، لمسيس الحاجة إلى ذلك ، و يقولون : الفرق بين الطريقتين أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل ، و أولئك لا يعينون ، لجواز أن يراد غيره . و هذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف ، أما في كثير من الصفات فقطعا ،مثل أن الله تعالى فوق العرش ، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم ـ الذي لم يحك هنا عشره ـ علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة ، و أنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط ، و كثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك . و الله يعلم أني بعد البحث التام ، و مطالعة ما أمكن من كلام السلف ، ما رأيت كلام أحد منهم يدل ـ لا نصا ، و لا ظاهرا ، ولا بالقرائن ـ على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر ، بل الذي رأيته أن كثيرا من كلامهم يدل ـ إما نصا و إما ظاهرا ـ على تقرير جنس هذه الصفات ، و لا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة ، بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة ، و ما رأيت أحدا منهم نفاها . و إنما ينفون التشبيه ، و ينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه ، مع إنكارهم على من ينفي الصفات أيضا ، كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري : من شبه الله بخلقه فقد كفر ، و من جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، و ليس ما وصف الله به نفسه و لا رسوله تشبيها . و كانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا : هذا جهمي معطل . و هذا كثير جدا في كلامهم ، فإن الجهمية و المعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئا من الصفات مشبها ـ كذبا منهم و افتراء ـ حتى إن منهم من غلا و رمى الأنبياء ـ صلوات الله و سلامه عليهم ـ بذلك ، حتى قال ثمامة بن الأشرس من رؤساء الجهمية : ثلاثة من الأنبياء مشبهة ، موسى حيث قال : (إن هي إلا فتنتك) [الأعراف : 155] . و عيسى حيث قال : (تعلم ما في نفسي و لا أعلم ما في نفسك) [المائدة : 116] . و محمد صلى الله عليه و سلم حيث قال : " ينزل ربنا " . و حتى إن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة ، مثل : مالك و أصحابه ، و الثوري و أصحابه ، و الأوزاعي و أصحابه ، و الشافعي و أصحابه ، و أحمد و أصحابه ، و إسحاق بن راهويه ، و أبي عبيد و غيرهم في قسم المشبهة . و قد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءا سماه : " تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة " ذكر فيه كلام السلف و غيرهم في معاني هذا الباب ، و ذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب " أهل السنة " بلقب افتراه يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي بألقاب افتروها . فالروافض تسميهم نواصب ، و القدرية يسمونهم مجبرة ، و المرجئة تسميهم شكاكا ، و الجهمية تسميهم مشبهة ، و أهل الكلام يسمونهم حشوية ، و نوابت و غثاء ، و غثرا ، إلى أمثال ذلك . كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه و سلم تارة مجنونا و تارة شاعرا و تارة كاهنا ، و تارة مفتريا . قالوا : فهذه علامة الإرث الصحيح و المتابعة التامة ، فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه ، اعتقادا و اقتصادا و قولا و عملا ، فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة ـ و إن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة ـ فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا و الممات ، باطنا و ظاهرا . و أما الذين وافقوه ببواطنهم و عجزوا عن إقامة الظواهر ، و الذين وافقوه بظواهرهم و عجزوا عن تحقيق البواطن ، و الذين وافقه ظاهرا و باطنا بحسب الإمكان : فلا بد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به ، و يسمونهم بأسماء مكذوبة ـ و إن اعتقدوا صدقها ـ كقول الرافضي : من لم يبغض أبا بكر رضي الله عنه و عمر ، فقد أبغض عليا ؛ لأنه لا ولاية لعلي إلا بالبراءة منهما ، ثم يجعل من أحب أبا بكر عمر ناصبيا ، بناء على هذه الملازمة الباطلة ، التي اعتقدها صحيحة ، أو عاند فيها و هو الغالب . و كقول القدري : من اعتقد أن الله أراد الكائنات ، و خلق أفعال العباد : فقد سلب من العباد الاختيار و القدرة ، و جعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها و لا قدرة . و كقول الجهمي : من قال إن الله فوق العرش . فقد زعم أنه جسم مركب ، و أنه مشبه ؛ لأن هذه الصفات أعراض ، و العرش لا يقوم إلا بجوهر متحيز ، و كل متحيز جسم مركب ، أو جوهر فرد ، و من قال ذلك فهو مشبه ؛ لأن الأجسام متماثلة . و من حكى عن الناس " المقالات " و سماهم بهذه الأسماء المكذوبة ـ بناء على عقيدته التي هم مخالفون له فيها ـ فهو و ربه ، و الله من ورائه بالمرصاد ، و لا يحيق المكر السيء إلا بأهله .