شرح كتاب التوحيد-08
الشيخ عبدالعزيز ابن باز
كتاب التوحيد
الحجم ( 5.14 ميغابايت )
التنزيل ( 1181 )
الإستماع ( 289 )


1 - باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول وقول الله تعالي: (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) (110) الآية.عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة - دخل حديث بعضهم في بعض - : أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء ـ فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره فوجد القرآن قد سبقه. فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب، نقطع به عنا الطريق. فقال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسـعة ناقة رســول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة تنكب رجليه - وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب - فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن) ما يتلفت إليه وما يزيده عليه.فيه مسائل:الأولى: وهي العظيمة: أن من هزل بهذا فهو كافر.الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان.الثالثة: الفرق بين النميمة والنصيحة لله ولرسوله.الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله.الخامسة: أن من الأعذار ما لا ينبغي أن يقبل.

2 - باب ما جاء في قول الله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي)(111) الآية.قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به. وقال ابن عباس: يريد من عندي.وقوله: (قال إنما أوتيته على علم عندي) (112) قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل. وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف.وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى. فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبـل أو البقر ـ شك إسحاق ـ فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع، فقال أي شيء أحب إليك قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به فمسحه، فذهب عنه، وأعطي شعرا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر، أو الإبل، فأعطي بقرة حاملا، قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري؛ فأبصر به الناس، فمسحه، فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدا؛ فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم، قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته. فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرا، فأعطاك الله عز وجل المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك) أخرجاه.فيه مسائل:الأولى: تفسير الآية.الثانية: ما معنى: (ليقولن هذا لي)(113) .الثالثة: ما معنى قوله: (أوتيته على علم عندي)(113).الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة.

3 - باب قول الله تعالى: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما) (114) الآية.قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله؛ كعبد عمر، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب.وعن ابن عباس رضي الله عنه في الآية قال: لما تغشـاها آدم حمـلت، فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن ـ يخوفهما ـ سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت، فأتاهما، فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث فذلك قوله تعالى: (جعلا له شركاء فيما آتاهما ) (115) رواه ابن أبي حاتم.وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته. وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ( لئن آتيتنا صالحا ) (116) قال: أشفقا ألا يكون إنسانا، وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما.فيه مسائل:الأولى: تحريم كل اسم معبد لغير الله.الثانية: تفسير الآية.الثالثة: أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها.الرابعة: أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم.الخامسة: ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة، والشرك في العبادة.

8 - باب لا يرد من سأل الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى ترون أنكم قد كافأتموه). رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح.فيه مسائل:الأولى: إعاذة من استعاذ بالله.الثانية: إعطاء من سأل بالله.الثالثة: إجابة الدعوة.الرابعة: المكافأة على الصنيعة.الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه.السادسة: قوله: (حتى ترون أنكم قد كافأتموه).

10 - باب ما جاء في اللو وقول الله تعالى: (يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا) (118). وقوله: (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا)(119) الآية.في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا؛ ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان).فيه مسائل:الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران.الثانية: النهي الصريح عن قول: لو، إذا أصابك شيء.الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان.الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن.الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله.السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز

12 - باب قول الله تعالى: (أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله) (1) الآية. وقوله: (والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء) (120) الآية.قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره الله على الدين كله. وهذا هو الظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره أو أنكر أن يكون قدره بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده. فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك: هل أنت سالم؟فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيا فيه مسائل:الأولى: تفسير آية آل عمران.الثانية: تفسير آية الفتح.الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر.الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه.