شرح القواعد المثلى-10b
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
القواعد المثلى
الحجم ( 4.89 ميغابايت )
التنزيل ( 484 )
الإستماع ( 123 )


2 - قال المؤلف : " قوله تعالى في الحديث القدسي:"وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعإذاًي لأعيذنه". والجواب: أن هذا الحديث صحيح رواه البخاري في باب التواضع الثامن والثلاثين من كتاب الرقاق. وقد أخذ السلف أهل السنة والجماعة بظاهر الحديث وأجروه على حقيقته. ولكن ما ظاهر هذا الحديث؟ هل يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يكون سمع الولي وبصره ويده ورجله؟ أو يقال: إن ظاهره أن الله تعالى يسدد الولي في سمعه وبصره ويده ورجله بحيث يكون إدراكه وعمله لله وبالله وفي الله؟" أستمع حفظ

3 - قال المؤلف : " ولا ريب أن القول الأول ليس ظاهر الكلام، بل ولا يقتضيه الكلام لمن تدبر الحديث فإن في الحديث ما يمنعه من وجهين: الوجه الأول: أن الله تعالى قال: "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه وقال: ولئن سألني لأعطينه ولئن استعإذاًي لأعيذنه". فأثبت عبداً ومعبوداً ومتقرباً ومتقرباً إليه، ومحباً ومحبوباً، وسائلاً ومسؤولاً، ومعطياً ومعطى، ومستعيذاً ومستعاذاً به، ومعيذاً ومعاذاً. فسياق الحديث يدل على اثنين متباينين كل واحد منهما غير الآخر وهذا يمنع أن يكون أحدهما وصفاً في الآخر أو جزءاً من أجزائه. الوجه الثاني: أن سمع الولي وبصره ويده ورجله كلها أوصاف أو أجزاء في مخلوق حادث بعد أن لم يكن ولا يمكن لأي عاقل أن يفهم أن الخالق الأول الذي ليس قبله شيء يكون سمعاً وبصراً ويداً ورجلاً لمخلوق بل إن هذا المعنى تشمئز منه النفس أن تتصوره ويحسر اللسان أن ينطق به ولو على سبيل الفرض والتقدير فكيف يسوغ أن يقال: إنه ظاهر الحديث القدسي وإنه قد صرف عن هذا الظاهر ؟سبحانك اللهم وبحمدك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وإذا تبين بطلان القول الأول وامتناعه تعين القول الثاني وهو أن الله تعالى يسدد هذا الولي في سمعه وبصره وعمله بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصاً وبالله تعالى استعانة، وفي الله تعالى شرعاً واتباعاً فيتم له بذلك كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة وهذا غاية التوفيق وهذا ما فسره به السلف وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ موافق لحقيقته متعين بسياقه وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره ولله الحمد والمنة." أستمع حفظ

4 - قال المؤلف : "المثال الثاني عشر: قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تعالى أنه قال: "من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة". وهذا الحديث صحيح رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء من حديث أبي ذر رضي الله عنه وروى نحوه من حديث أبي هريرة أيضاً وكذلك روى البخاري نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب التوحيد الباب الخامس عشر. وهذا الحديث كغيره من النصوص الدالة على قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى وأنه سبحانه فعال لما يريد كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة مثل قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}. وقوله: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً}. وقوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك}. وقوله:{الرحمن على العرش استوى}. وقوله صلى الله عليه وسلم :"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر" وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما تصدق أحد بصدقة من طيب ـ ولا يقبل الله إلا الطيب ـ إلا أخذها الرحمن بيمينه". إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على قيام الأفعال الاختيارية به تعالى. فقوله في هذا الحديث: تقربت منه وأتيته هرولة من هذا الباب." أستمع حفظ

5 - قال المؤلف : " والسلف "أهل السنة والجماعة" يجرون هذه النصوص على ظاهرها وحقيقة معناها اللائق بالله عز وجل من غير تكييف ولا تمثيل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول ص466جـ5 من مجموع الفتاوي: وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة ونزوله واستواءه على العرش وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث والنقل عنهم بذلك متواتر ا.هـ. فأي مانع يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه؟ وأي مانع يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييف ولا تمثيل؟ وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالاً لما يريد على الوجه الذي يليق به؟" أستمع حفظ

13 - قال المؤلف : " وعلل ما ذهب إليه بأن الله تعالى قال في الحديث: "ومن أتاني يمشي" ومن المعلوم أن المتقرب إلى الله - عز وجل - الطالب للوصول إليه لا يتقرب، ويطلب الوصول إلى الله تعالى بالمشي فقط بل تارة يكون بالمشي كالسير إلى المساجد ومشاعر الحج والجهاد في سبيل الله ونحوها وتارة بالركوع والسجود ونحوهما وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد بل قد يكون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه والعبد مضطجع على جنبه كما قال الله تعالى: {الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: "صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب"." أستمع حفظ

14 - قال المؤلف : " قال :فإذا كان كذلك صار المراد بالحديث بيان مجازاة الله تعالى العبد على عمله وأن من صدق في الإقبال على ربه وإن كان بطيئاً جازاه الله تعالى بأكمل من عمله وأفضل. وصار هذا هو ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية المفهومة من سياقه. وإذا كان هذا ظاهر اللفظ بالقرينة الشرعية، لم يكن تفسيره به خروجاً به عن ظاهره ولا تأويلاً كتأويل أهل التعطيل فلا يكون حجة لهم على أهل السنة ولله الحمد. وما ذهب إليه هذا القائل له حظ من النظر لكن القول الأول أظهر وأسلم وأليق بمذهب السلف. ويجاب عما جعله قرينة من كون التقرب إلى الله تعالى وطلب الوصول إليه لا يختص بالمشي بأن الحديث خرج مخرج المثال لا الحصر فيكون المعنى من أتاني يمشي في عبادة تفتقر إلى المشي لتوقفها عليه بكونه وسيلة لها كالمشي إلى المساجد للصلاة أو من ماهيتها كالطواف والسعي. والله تعالى أعلم." أستمع حفظ

16 - قال المؤلف : "أما القول الأول فليس هو ظاهر اللفظ لوجهين: أحدهما: أن اللفظ لا يقتضيه بمقتضى اللسان العربي الذي نزل به القرآن ألا ترى إلى قوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} وقوله: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}. وقوله: {ذلك بما قدمت أيديكم}. فإن المراد ما كسبه الإنسان نفسه وما قدمه وإن عمله بغير يده بخلاف ما إذا قال: عملته بيدي كما في قوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله}. فإنه يدل على مباشرة الشيء باليد. الثاني: أنه لو كان المراد أن الله تعالى خلق هذه الأنعام بيده لكان لفظ الآية خلقنا لهم بأيدينا أنعاماً كما قال الله تعالى في آدم: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي}. لأن القرآن نزل بالبيان لا بالتعمية لقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء}. وإذا ظهر بطلان القول الأول تعين أن يكون الصواب هو القول الثاني وهو أن ظاهر اللفظ أن الله تعالى خلق الأنعام كما خلق غيرها ولم يخلقها بيده لكن إضافة العمل إلى اليد كإضافته إلى النفس بمقتضى اللغة العربية بخلاف ما إذا أضيف إلى النفس وعدي بالباء إلى اليد فتنبه للفرق فإن التنبه للفروق بين المتشابهات من أجود أنواع العلم وبه يزول كثير من الإشكالات." أستمع حفظ

17 - قال المؤلف : "المثال الرابع عشر: قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم}. والجواب: أن يقال: هذه الآية تضمنت جملتين: الجملة الأولى: قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}. وقد أخذ السلف "أهل السنة" بظاهرها وحقيقتها، وهي صريحة في أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كما في قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}. ولا يمكن لأحد أن يفهم من قوله تعالى: {إنما يبايعون الله}. أنهم يبايعون الله نفسه ولا أن يدعي أن ذلك ظاهر اللفظ لمنافاته لأول الآية والواقع واستحالته في حق الله تعالى. وإنما جعل الله تعالى مبايعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، مبايعة له لأنه رسوله قد بايع الصحابة على الجهاد في سبيل الله تعالى ومبايعة الرسول على الجهاد في سبيل من أرسله مبايعة لمن أرسله لأنه رسوله المبلغ عنه كما أن طاعة الرسول طاعة لمن أرسله لقوله تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله}.وفي إضافة مبايعتهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، إلى الله تعالى من تشريف النبي صلى الله عليه وسلم وتأييده وتوكيد هذه المبايعة وعظمها ورفع شأن المبايعين ما هو ظاهر لا يخفى على أحد." أستمع حفظ