التعليق على كتاب زاد المعاد-02
الشيخ عبدالعزيز ابن باز
زاد المعاد
الحجم ( 7.69 ميغابايت )
التنزيل ( 569 )
الإستماع ( 113 )


21 - القراءة من قول المصنف: فلما اشتد البلاء أذن الله سبحانه لهم بالهجرة الأولى إلى أرض الحبشة وكان أول من هاجر إليها عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا وأربع نسوةٍ عثمان وامرأته وأبو حذيفة وامرأته سهلة بنت سهيلٍ وأبو سلمة وامرأته أم سلمة هند بنت أبي أمية والزبير بن العوام ومصعب بن عميرٍ وعبد الرحمن بن عوفٍ وعثمان بن مظعونٍ وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي حثمة وأبو سبرة بن أبي رهمٍ وحاطب بن عمرٍو وسهيل بن وهبٍ وعبد الله بن مسعودٍ . وخرجوا متسللين سرا فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار فحملوهم فيهما إلى أرض الحبشة وكان مخرجهم في رجبٍ في السنة الخامسة من المبعث وخرجت قريشٌ في آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوا منهم أحدًا ثم بلغهم أن قريشًا قد كفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم فرجعوا فلما كانوا دون مكة بساعةٍ من نهارٍ بلغهم أن قريشًا أشد ما كانوا عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل من دخل بجوارٍ وفي تلك المرة دخل ابن مسعودٍ فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فلم يرد عليه فتعاظم ذلك على ابن مسعودٍ حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم ؟ : إن الله قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة هذا هو الصواب وزعم ابن سعدٍ وجماعةٌ أن ابن مسعودٍ لم يدخل وأنه رجع إلى الحبشة الثانية إلى المدينة مع من قدم ورد هذا بأن ابن مسعودٍ شهد بدرًا وأجهز على أبي جهلٍ وأصحاب هذه الهجرة إنما قدموا المدينة مع جعفر بن أبي طالبٍ وأصحابه بعد بدرٍ بأربع سنين أو خمسٍ أستمع حفظ

23 - القراءة من قول المصنف: قالوا : فإن قيل بل هذا الذي ذكره ابن سعدٍ يوافق قول زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت { وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام وزيد بن أرقم من الأنصار والسورة مدنيةٌ وحينئذٍ فابن مسعودٍ سلم عليه لما قدم وهو في الصلاة فلم يرد عليه حتى سلم وأعلمه بتحريم الكلام فاتفق حديثه وحديث ابن أرقم . قيل يبطل هذا شهود ابن مسعودٍ بدرًا وأهل الهجرة الثانية إنما قدموا عام خيبر مع جعفر ٍ وأصحابه ولو كان ابن مسعودٍ ممن قدم قبل بدرٍ لكان لقدومه ذكرٌ ولم يذكر أحدٌ قدوم مهاجري الحبشة إلا في القدمة الأولى بمكة والثانية عام خيبر مع جعفرٍ فمتى قدم ابن مسعودٍ في غير هاتين المرتين ومع من ؟ وبنحو قلنا في ذلك قال ابن إسحاق قال وبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى الحبشة إسلام أهل مكة فأقبلوا لما بلغهم من ذلك حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن إسلام أهل مكة كان باطلًا فلم يدخل منهم أحدٌ إلا بجوارٍ أو مستخفيًا . فكان ممن قدم منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد بدرًا وأحدًا فذكر منهم عبد الله بن مسعودٍ . فإن قيل فما تصنعون بحديث زيد بن أرقم ؟ قيل قد أجيب عنه بجوابين أحدهما : أن يكون النهي عنه قد ثبت بمكة ثم أذن فيه بالمدينة ثم نهي عنه . والثاني : أن زيد بن أرقم كان من صغار الصحابة وكان هو وجماعةٌ يتكلمون في الصلاة على عادتهم ولم يبلغهم النهي فلما بلغهم انتهوا وزيدٌ لم يخبر عن جماعة المسلمين كلهم بأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة إلى حين نزول هذه الآية ولو قدر أنه أخبر بذلك لكان وهمًا منه . ثم اشتد البلاء من قريشٍ على من قدم من مهاجري الحبشة وغيرهم وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذًى شديدًا فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى أرض الحبشة مرةً ثانيةً وكان خروجهم الثاني أشق عليهم وأصعب ولقوا من قريشٍ تعنيفًا شديدًا ونالوهم بالأذى وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره لهم وكان عدة من خرج في هذه المرة ثلاثةً وثمانين رجلًا إن كان فيهم عمار بن ياسرٍ فإنه يشك فيه قاله ابن إسحاق ومن النساء تسع عشرة امرأةً . قلت قد ذكر في هذه الهجرة الثانية عثمان بن عفان وجماعةٌ ممن شهد بدرًا فإما أن يكون هذا وهمًا وإما أن يكون لهم قدمةٌ أخرى قبل بدرٍ فيكون لهم ثلاث قدماتٍ قدمةٌ قبل الهجرة وقدمةٌ قبل بدرٍ وقدمةٌ عام خيبر ولذلك قال ابن سعدٍ وغيره إنهم لما سمعوا مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة رجع منهم ثلاثةٌ وثلاثون رجلًا ومن النساء ثمان نسوةٍ فمات منهم رجلان بمكة وحبس بمكة سبعةٌ وشهد بدرًا منهم أربعةٌ وعشرون رجلًا . كان شهر ربيعٍ الأول سنة سبعٍ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام وبعث به مع عمرو بن أمية الضمري فلما قرئ عليه الكتاب أسلم وقال لئن قدرت أن آتيه لآتينه أستمع حفظ

35 - القراءة من قول المصنف: وعلى هذا فيزول الإشكال الذي بين حديث ابن مسعودٍ وزيد بن أرقم ويكون ابن مسعودٍ قدم في المرة الوسطى بعد الهجرة قبل بدرٍ إلى المدينة وسلم عليه حينئذٍ فلم يرد عليه وكان العهد حديثًا بتحريم الكلام كما قال زيد بن أرقم ويكون تحريم الكلام بالمدينة لا بمكة وهذا أنسب بالنسخ الذي وقع في الصلاة والتغيير بعد الهجرة كجعلها أربعًا بعد أن كانت ركعتين ووجوب الاجتماع لها . فإن قيل ما أحسنه من جمعٍ وأثبته لولا أن محمد بن إسحاق قد قال ما حكيتم عنه أن ابن مسعودٍ أقام بمكة بعد رجوعه من الحبشة حتى هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وهذا يدفع ما ذكر . قيل إن كان محمد بن إسحاق قد قال هذا فقد قال محمد بن سعدٍ في " طبقاته " : إن ابن مسعودٍ مكث يسيرًا بعد مقدمه ثم رجع إلى أرض الحبشة وهذا هو الأظهر لأن ابن مسعودٍ لم يكن له بمكة من يحميه وما حكاه ابن سعدٍ قد تضمن زيادة أمرٍ خفي على ابن إسحاق وابن إسحاق لم يذكر من حدثه ومحمد بن سعدٍ أسند ما حكاه إلى المطلب بن عبد الله بن حنطبٍ فاتفقت الأحاديث وصدق بعضها بعضًا وزال عنها الإشكال و لله الحمد والمنة أستمع حفظ

37 - القراءة من قول المصنف: وقد ذكر ابن إسحاق في هذه الهجرة إلى الحبشة أبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس ٍ وقد أنكر عليه ذلك أهل السير منهم محمد بن عمر الواقدي وغيره وقالوا : كيف يخفى ذلك على ابن إسحاق أو على من دونه ؟ قلت وليس ذلك مما يخفى على من دون محمد بن إسحاق فضلًا عنه وإنما نشأ الوهم أن أبا موسى هاجر من اليمن إلى أرض الحبشة إلى عند جعفرٍ وأصحابه لما سمع بهم ثم قدم معهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر كما جاء مصرحًا به في " الصحيح " فعد ذلك ابن إسحاق لأبي موسى هجرةً ولم يقل إنه هاجر من مكة إلى أرض الحبشة لينكر عليه أستمع حفظ

52 - القراءة من قول المصنف: حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتبوا بذلك صحيفةً وعلقوها في سقف الكعبة يقال كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشمٍ ويقال النضر بن الحارث والصحيح أنه بغيض بن عامر بن هاشمٍ فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت يده فانحاز بنو هاشمٍ وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهبٍ فإنه ظاهر قريشًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني هاشمٍ وبني المطلب وحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه في الشعب شعب أبي طالبٍ ليلة هلال المحرم سنة سبعٍ من البعثة وعلقت الصحيفة في جوف الكعبة وبقوا محبوسين ومحصورين مضيقًا عليهم جدا مقطوعًا عنهم الميرة والمادة نحو ثلاث سنين حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب وهناك عمل أبو طالب ٍ قصيدته اللامية المشهورة أولها : جزى الله عنا عبد شمسٍ ونوفلًا عقوبة شر عاجلًا غير آجل وكانت قريشٌ في ذلك بين راضٍ وكارهٍ فسعى في نقض الصحيفة من كان كارهًا لها وكان القائم بذلك هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالكٍ مشى في ذلك إلى المطعم بن عدي وجماعةٍ من قريشٍ فأجابوه إلى ذلك ثم أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم وأنه أرسل عليها الأرضة فأكلت جميع ما فيها من جورٍ وقطيعةٍ وظلمٍ إلا ذكر الله عز وجل فأخبر بذلك عمه فخرج إلى قريشٍ فأخبرهم أن ابن أخيه قد قال كذا وكذا فإن كان كاذبًا خلينا بينكم وبينه وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا وظلمنا قالوا : قد أنصفت فأنزلوا الصحيفة فلما رأوا الأمر كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ازدادوا كفرًا إلى كفرهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب . أستمع حفظ

61 - القراءة من قول المصنف: رجاء أن يؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم ودعاهم إلى الله عز وجل فلم ير من يؤوي ولم ير ناصرًا وآذوه مع ذلك أشد الأذى ونالوا منه ما لم ينله قومه وكان معه زيد بن حارثة مولاه فأقام بينهم عشرة أيامٍ لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه فقالوا : اخرج من بلدنا وأغروا به سفهاءهم فوقفوا له سماطين وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شجاجٌ في رأسه فانصرف راجعًا من الطائف إلى مكة محزونًا وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء الطائف : اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيدٍ يتجهمني ؟ أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو أن ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك أستمع حفظ

68 - القراءة من قول المصنف: فلما نزل بنخلة مرجعه قام يصلي من الليل فصرف إليه نفرٌ من الجن فاستمعوا قراءته ولم يشعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه { وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريقٍ مستقيمٍ يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذابٍ أليمٍ ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجزٍ في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلالٍ مبينٍ } أستمع حفظ

73 - القراءة من قول المصنف: وأقام بنخلة أيامًا فقال له زيد بن حارثة : كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك ؟ يعني قريشًا فقال يا زيد إن الله جاعلٌ لما ترى فرجًا ومخرجًا وإن الله ناصرٌ دينه ومظهرٌ نبيه ثم انتهى إلى مكة فأرسل رجلًا من خزاعة إلى مطعم بن عدي أدخل في جوارك ؟ فقال نعم ودعا بنيه وقومه فقال البسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدًا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى : يا معشر قريشٍ إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحدٌ منكم فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه وصلى ركعتين وانصرف إلى بيته والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته أستمع حفظ

75 - فصل : ٌثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكبًا على البراق صحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام فنزل هناك وصلى بالأنبياء إمامًا وربط البراق بحلقة باب المسجد . وقد قيل إنه نزل ببيت لحمٍ وصلى فيه ولم يصح ذلك عنه البتة. ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا فاستفتح له جبريل ففتح له فرأى هنالك آدم أبا البشر فسلم عليه فرد عليه السلام ورحب به وأقر بنبوته وأراه الله أرواح السعداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن يساره ثم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم فلقيهما وسلم عليهما فردا عليه ورحبا به وأقرا بنبوته ثم عرج به إلى السماء الثالثة فرأى فيها يوسف فسلم عليه فرد عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم عرج به إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم عرج به إلى السماء الخامسة فرأى فيها هارون بن عمران فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم عرج به إلى السماء السادسة فلقي فيها موسى بن عمران فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته فلما جاوزه بكى موسى فقيل له ما يبكيك ؟ فقال أبكي لأن غلامًا بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ثم عرج به إلى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم رفع إلى سدرة المنتهى ثم رفع له البيت المعمور أستمع حفظ

87 - القراءة من قول المصنف: حول فأوحى إلى عبده ما مر على موسى فقال له بم أمرت ؟ قال بخمسين صلاةً قال إن أمتك لا تطيق ذلك ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار أن نعم إن شئت فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى وهو في مكانه . هذا لفظ البخاري في بعض الطرق فوضع عنه عشرًا ثم أنزل حتى مر بموسى فأخبره فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل حتى جعلها خمسًا فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف فقال قد استحييت من ربي ولكن أرضى وأسلم فلما بعد نادى منادٍ قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي . رأى ربه تلك الليلة أم لا ؟ فصح عن ابن عباسٍ أنه رأى ربه وصح عنه أنه قال رآه بفؤاده وصح عن عائشة وابن مسعودٍ إنكار ذلك وقالا : إن قوله { ولقد رآه نزلةً أخرى عند سدرة المنتهى } إنما هو جبريل . وصح عن أبي ذر أنه سأله هل رأيت ربك ؟ فقال نورٌ أنى أراه أي حال بيني وبين رؤيته النور كما قال في لفظٍ آخر رأيت نورًا وقد حكى عثمان بن سعيدٍ الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره . قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وليس قول ابن عباسٍ : " إنه رآه " مناقضًا لهذا ولا قوله رآه بفؤاده وقد صح عنه أنه قال " رأيت ربي تبارك وتعالى " ولكن لم يكن هذا في الإسراء ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح ثم أخبرهم عن رؤية ربه تبارك وتعالى تلك الليلة في منامه وعلى هذا بنى الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقال نعم رآه حقا فإن رؤيا الأنبياء حق ولا بد ولكن لم يقل أحمد رحمه الله تعالى : إنه رآه بعيني رأسه يقظةً ومن حكى عنه ذلك فقد وهم عليه ولكن قال مرةً رآه ومرةً قال رآه بفؤاده فحكيت عنه روايتان وحكيت عنه الثالثة من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه وهذه نصوص أحمد موجودةٌ ليس فيها ذلك . وأما قول ابن عباسٍ : أنه رآه بفؤاده مرتين فإن كان استناده إلى قوله تعالى : { ما كذب الفؤاد ما رأى } ثم قال { ولقد رآه نزلةً أخرى } والظاهر أنه مستنده فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل رآه مرتين في صورته التي خلق عليها وقول ابن عباسٍ هذا هو مستند الإمام أحمد في قوله رآه بفؤاده والله أعلم . وأما قوله تعالى في سورة النجم { ثم دنا فتدلى } فهو غير الدنو والتدلي في قصة الإسراء فإن الذي في ( سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه كما قالت عائشة وابن مسعودٍ والسياق يدل عليه فإنه قال { علمه شديد القوى } وهو جبريل { ذو مرةٍ فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى } فالضمائر كلها راجعةٌ إلى هذا المعلم الشديد القوى وهو ذو المرة أي القوة وهو الذي استوى بالأفق الأعلى وهو الذي دنى فتدلى فكان من محمدٍ صلى الله عليه وسلم قدر قوسين أو أدنى فأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فذلك صريحٌ في أنه دنو الرب تبارك وتدليه أستمع حفظ

95 - القراءة من قول المصنف: فصلٌ: وقد نقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا : إنما كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده ونقل عن الحسن البصري نحو ذلك ولكن ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال كان الإسراء منامًا وبين أن يقال كان بروحه دون جسده وبينهما فرقٌ عظيمٌ وعائشة ومعاوية لم يقولا : كان منامًا وإنما قالا : أسري بروحه ولم يفقد جسده وفرقٌ بين الأمرين فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالًا مضروبةً للمعلوم في الصور المحسوسة فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء أو ذهب به إلى مكة وأقطار الأرض وروحه لم تصعد ولم تذهب وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال والذين قالوا : عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم طائفتان طائفةٌ قالت عرج بروحه وبدنه وطائفةٌ قالت عرج بروحه ولم يفقد بدنه وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان منامًا وإنما أرادوا أن الروح ذاتها أسري بها وعرج بها حقيقةً أستمع حفظ

97 - القراءة من قول المصنف: وباشرت من جنس ما تباشر بعد المفارقة وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة في صعودها إلى السماوات سماءً سماءً حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فتقف بين يدي الله عز وجل فيأمر فيها بما يشاء ثم تنزل إلى الأرض والذي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء أكمل مما يحصل للروح عند المفارقة . ومعلومٌ أن هذا أمرٌ فوق ما يراه النائم لكن لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام خرق العوائد حتى شق بطنه وهو حي لا يتألم بذلك عرج بذات روحه المقدسة حقيقةً من غير إماتةٍ ومن سواه لا ينال بذات روحه الصعود إلى السماء إلا بعد الموت والمفارقة أستمع حفظ