تتمة التعليق على تفسير الجلالين : (( فإن أعرضوا )) عن الإجابة (( فما أرسلناك عليهم حفيظا )) تحفظ أعمالهم بأن توافق المطلوب منهم (( إن )) ما (( عليك إلا البلاغ )) وهذا قبل الأمر بالجهاد (( وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة )) نعمة كالغنى والصحة (( فرح بها وإن تصبهم )) الضمير للإنسان باعتبار الجنس (( سيئة )) بلاء (( بما قدمت أيديهم )) أي قدموه وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها (( فإن الإنسان كفور )) للنعمة . حفظ
إذا فالآية على كلام المؤلف منسوخة، والمؤلف ونحوه دائما إذا أتى مثل هذه الآية يقول: هذه منسوخة، وهذا غلط لأن النسخ ليس بالأمر الهين، ادعاء النسخ يعني أن المنسوخ باطل حكما زائل، وهذا صعب أن ترفع حكمة آية أو حديث لمجرد وهم توهمته، لذلك لا يجوز للإنسان أن يسلك هذا المسلك المشين، أنه إذا عجز عن الجمع بين الآيات ذهب يقول: إنها منسوخة، النسخ يحتاج إلى العلم بتأخر الناسخ، ويحتاج أيضا إلى تعذر إمكان الجمع، فإن أمكن الجمع فلا نسخ، هل قوله : ((إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ ))هل هو منسوخ ؟ أجيبوا يا جماعة، أبدا، إلى آخر رمق من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهو عليه البلاغ، فلم ينسخ، والبلاغ لا ينافي أن يكون معه جهاد، ولكن من حكمة الله عز وجل أن الله لم يفرض الجهاد إلا حين قويت الأمة الإسلامية، فلم يفرض الجهاد فيمكةوإنما فرضه في المدينة حين صار للأمة الإسلامية دولة مستقلة تستطيع أن تجاهد، فهذا من الحكمة، ويعبر عنه أنه من باب التدرج في التشريع ومن باب الحكمة في التشريع، إذا نقول: إن قول المؤلف عفا الله عنه وغفر له: " إن هذا قبل الأمر بالجهاد "خطأ عظيم، نقول: البلاغ واجب عليه حتى بعد الأمر بالجهاد ولا يتنافيان، لا ينافي أن يكونه عليه البلاغ وأن يكون مأمورا بالجهاد.
" (( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ))نعمة كالغنى والصحة(( فَرِحَ بِهَاوَإِنْ تُصِبْهُمْ ))الضمير للإنسان باعتبار الجنس(( سَيِّئَةٌ )) بلاء (( بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ))أي قدموه، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها(( فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ ))للنعمة"، (( وإنا إذا أذقنا ))معلوم أن الله تعالى واحد فلماذا قال : (( إنا )) ؟ نقول: للتعظيم لإظهار العظمة والسلطة وقوة الملك((إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ))يعني أوصلناها إليه حتى كأنها طعام ذاقه لا يشك فيه، وقوله: (( منا ))لأن كل نعمة بنا فإنها من الله كما قال الله عز وجل : ((وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ))[النحل:53] (( منا رحمة ))يقول: " نعمة كالغنى والصحة " والمثال هنا لا يعني الحصر لكنه مثال، الغنى نعمة، الصحة نعمة، الأولاد نعمة، الأمن نعمة، نعم الله لا تحصى كما قال الله عز وجل: (( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ))[ إبراهيم:34]إذا ما ذكره المؤلف على سبيل إيش ؟ التمثيل، والتمثيل لا يعطي الحصر، وقوله : (( فرح بها ))المراد بذلك فرح البطر والأشر، لا الفرح بالنعمة مع اعتقاد أنها من عند الله، فإن هذا مأمور به أن يفرح الإنسان بنعم الله وفي الحديث: (إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته عليه )ومن آثار النعمة الفرح، الإنسان إذا رزقه الله مالا فرح، إذا عافاه الله بعد المرض فرح، إذا تزوج فرح، إذا ولد له فرح، ولكن الفرح نوعان: فرح أشر وبطر فهذا مذموم، وفرح بنعمة الله تعالى مع التزام شريعته فهذا ممدوح ولا بأس به، ولا ينبغي أن يكون الإنسان كالحمار لا يفرح بنعمة ولا يتألم بنقمة، بل يجب أن يكون الإنسان إنساناً منفعلا مع الحوادث، يفرح في موضع الفرح ويغتم في موضع الاغتماء.
(( فَرِحَ بِهَاوَإِنْ تُصِبْهُمْ ))يقول المؤلف: " الضمير للإنسان باعتبار الجنس " أزال بذلك إشكالا وهو أن الآية: (( وإنا إِذَا أَذَقْنَاالإِنْسَانَ ))والإنسان يا أخ واحد ولا جماعة ؟ واحد، كيف يقول : ((وإن تصبهم ))فيعيد الضمير عليه جمعا ؟ نعم أجاب عنه المؤلف بأن المراد بالإنسان الجنس فيشمل كل إنسان، ويصح أن يقول: (( وإن تصبهم سيئة ))ضد رحمة، ولهذا فسرها المؤلف بالبلاء، ((بما قدمت أيديهم ))أي بما قدموا من إيش ؟ من المعاصي، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها، لو أنك فكرت أيما أكثر عملاً الأيدي أو الأرجل ؟ تأملوا يا جماعة، طيب مشيك من البيت إلى المسجد كم خطوة ؟ كم حركة ؟ والرجل ما تتحرك ؟ لو ما تتحرك الرجل ما مشيت؟فيقال: إن حركة الرجل في جنس واحد وهو المشي، لكن حركة اليد ما أكثر أنواعها فضلاً عن أفرادها، فالأعمال حقيقة إنما تزاول باليد لأنها أكثر من أي عضو في البدن مزاولة للأعمال، حتى لو قال قائل : اللسان أكثر من اليد، من يحصي كلمات اللسان ؟ نجيب عن هذا بما أجبنا عن المشي، بأنها من جنس واحد، لكن اليد تبطش تضرب تكتب تمحو، يعني لا تحصى أنواعها، فلذلك عبر بالأيدي عن النفس، ومن ذلك قوله تعالى:(( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً ))[يس:71]انتبه إلى هذا(( مما عملت أيدينا أنعاماً)) المراد ؟ أجيبوا ؟ المراد مما عملنا، لكن اللغة العربية واسعة تعبر بالأيدي عن النفس، ومن ثم نعلم أنه لا سواء بين خلقآدمبيد الله وبين عمل أيدي الله سبحانه وتعالى في الإبل ونحوها، قال : ((فإن الإنسان كفور ))شوف أعاد الإفراد بعد أن جاء الجمع(( وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ ))هذا ابتدأها بالمفرد (( فإن الإنسان ))ختمها بالمفرد من أجل أن يشمل الإنسان مجتمعا أو منفردا فهذه حالة، ولكن من المراد بالإنسان هنا ؟ الظاهر والله أعلم أن المراد بذلك الكافر لأنه هو الذي ينطبق عليه فرح البطر والأشر والكفر إذا أصيب بسوء.