فوائد قوله تعالى : (( لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير )) . حفظ
في الآية الكريمة: عموم ملك الله سبحانه وتعالى لما في السماوات والأرض لقوله: (( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ )) .
ومن فوائدها أيضاً : اختصاص الله تبارك وتعالى بذلك، من أين نأخذ الاختصاص ؟
الطالب : ...
الشيخ : غلط ، إلا إذا كنت لم تفهم السؤال، والسؤال اختصاص الله تعالى بملك السماوات والأرض، إيش وجه ذلك ؟ وجه ذلك أن الله قدم الخبر، والخبر حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
فإن قال قائل : إذا قلتم : إن ملك السماوات والأرض خاص بالله، أليس الإنسان له ملك ؟ طيب قال الله تعالى :(( أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ))[النساء:3]فللإنسان ملك فكيف الجمع بين قولنا : إن ملك السماوات والأرض خاص بالله وإثبات الملكية لغير الله ؟
الجواب: ملك الله تبارك وتعالى تام شامل ففيه شمول التصرف وفيه شمول المكان، بمعنى أن ملك الله تعالى تام من كل وجه، عام من كل وجه، ملك الإنسان قاصر لا من جهة العموم المكاني ولا من جهة عموم التصرف، فكلنا نملك لكن ملكنا إيش ؟ محدود، أنا أملك حقيبة ولا أملك حقيبة أخرى لغيري، فهو محدود.
ثانيا : ملك ناقص لا يمكنني أن أتصرف في ملكي كما أشاء، صحيح ؟ لا يمكن أن أتصرف في ملكي كما أشاء صحيح ؟ صحيح، لا يمكن أن أضيعه لأننا منهي عن إضاعة المال، لا يمكن أن أعذبه إذا كان حيوانا لأني منهي عن ذلك، لا يمكن أن آكل من ملكي ما شئت وأدع ما شئت، فالحيوان المحرم لا يجوز أن آكله ولو كان ملكي، المهم أن ملك الإنسان محدود وثانياً: ناقص، محدود لا يشمل كل شيء، ناقص لا يملك كل التصرف .
ومن فوائد الآية الكريمة : أن الله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء من الأعيان والأوصاف، على أي كيفية وعلى أي صفة، ولهذا انظر إلى مخلوقات الله هل هي واحدة ؟ أجيبوا، لا، لا ليست واحدة تختلف اختلافا عظيما كبيرا في الشكل في الأيدي في الأرجل في الغذاء في كل شيء، فالله تعالى يخلق ما يشاء، لكن اعلم أن الله تعالى هدى كل مخلوق لما خلق له، قال الله تعالى حين موسى حين سأله فرعون : (( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ )) أي خلقه اللائق به (( ثُمَّ هَدَى )) أي هدى كل مخلوق لما خلق له، ولذلك تجد هذا المخلوق لا يأكل من هذا النوع من العشب والمخلوق الآخر يأكل منه، تجد هذا المخلوق لا يسكن هذا النوع من الأرض ويسكن أرضا أخرى، ومخلوق آخر بضده، الرمل مثلاً لا يسكنه النمل لأنه لا يملك الجحور، لكن يسكنه الحشرات أو الزواحف التي تندس في الرمل، لأن هناك زواحف صغيرة تندس في الرمل اندساساً تشاهدها كأنما يغوص السابح في الماء، وليس لها جحور، هناك أشياء لا تسكن هذا النوع من الأرض بل تسكن أرضاً صلبة حتى تبني لها الجحور، أشياء غريبة من مخلوقات الله، لأن الله سبحانه وتعالى أعطى كل شيء خلقه .
من فوائد الآية الكريمة : أن الأولاد هبة من الله عز وجل لقوله : (( يهب لمن يشاء ويهب )) والهبة هي العطية بلا عوض، فما هو العوض الذي علينا بالنسبة لله لهذه النعم؟ هو الشكر.
وهنا سؤال هل يجوز أن تسمي ابنك أو بنتك هبة الله ؟ نعم يجوز، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله : في السقط، السقط إذا سقط يعني الحمل، إذا سقط بعد أن تنفخ فيه الروح فسمه ولو مات في الحال سمه، فإذا جهلت أنه ذكر أو أنثى فسمه اسما يصلح لهما بأن تقول هذا هبة الله، تسميه هبة الله .
ومن فوائد الآية الكريمة : أنه لا اختيار للمرء بالنسبة للأولاد لقوله : (( يهب لمن يشاء )) فجعل الأمر راجعاً إلى مشيئته تبارك وتعالى.
ومنها أنه لا ينبغي للإنسان أن ييأس إذا أتاه إناث متتابعات، فإن بعض الناس إذا أتاه إناث متتابعات أيس وقال : لن يولد لي ذكر، وهذا غلظ، فالله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء .
ومن فوائد الآية : تمام قدرة الله تبارك وتعالى حيث خلق من هذه النطفة وهي واحدة خلق منها ذكورا خلصا وإناثا خلصا، والثالث أصنافا ذكورا وإناثا مع أن الماء واحد ولكن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير .
ومن فوائد الآية الكريمة : أن العقم يعتبر نقصاً بالنسبة لمن يولد له لقوله : (( ويجعل من يشاء عقيماً )) بعد أن ذكر أن الأولاد هبة، فيكون العقيم موهوبا له أو لا ؟ لا، إذا هذا نقص.
ويتفرع على هذه القاعدة أن لو تبين زوج المرأة عقيما فلها الفسخ، فسخ النكاح، يعني لو أن أحداً تزوج امرأة وهو لا يعلم عن نفسه ثم تبين أنه عقيم، فلها أن تفسخ إما بنفسها تشهد اثنين تقول : إني فسخت نكاحي من فلان، أو بالقاضي تذهب وزوجها إلى القاضي فيفسخ النكاح وهذا حق لها، فإن قال الزوج : أنا ليس في عيب إنه يقدر على الوطء وإنه مستقيم خلقاً ودينا،ليش تفسخونها مني ؟ ماذا نقول ؟ نقول : لأن العقم عيب والمرأة لها حق في الأولاد، ولذلك يحرم على الزوج أن يعزل عن زوجته إلا بإذنها، لأنه إذا عزل عنها حرمها من الأولاد إلا أن تأذن .
ومن فوائد الآية الكريمة : إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل وهما العليم والقدير.
ومن فوائدها أيضاً : إثبات ما دل عليه هذان الاسمان من صفة، العليم دل على إيش ؟ على العلم، والقدير؟ على القدرة، وكل اسم من أسماء الله متضمن لصفة أو أكثر، وليست كل صفة يشتق منها اسم، انتبه كل اسم من أسماء الله فهو متضمن إيش ؟ لصفة أو أكثر، ولا يشتق من كل صفة اسم لله، وبه نعرف أن الصفات أكثر من الأسماء.
ومن فوائد الآية الكريمة : إثبات المشيئة لله عز وجل لقوله تعالى : (( يخلق ما يشاء )) لا أحد يجبره على أن يخلق أنثى أو ذكر، بل له عز وجل المشيئة التامة في خلقه.
واعلم أنه كلما ذكرت المشيئة لله عز وجل فإنه مقرونة بالحكمة، انتبه لهذه النقطة، يعني أن مشيئة ليست مشيئة مجردة بل هي مقرونة بالحكمة، والدليل على هذا قول الله تعالى : (( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ )) أكمل: (( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ))[الإنسان:30](( عليماً حكيماً )) بعد أن قال : (( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ )) فعلم من هذا أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته، وأنه لا يشاء شيئاً مشيئة مجردة بل لا بد أن تكون مقرونة بالحكمة، وهذا في كل نص يأتيك فيه ذكر المشيئة لله فاعلم أنها مقرونة بالحكمة.
ثم قال عز وجل لما ذكر خلقه سبحانه وتعالى وأنه هو الخالق له المشيئة المطلقة، ذكر شيئاً آخر وهو الشرع، لو تأملت الآيات القرآنية لوجدت أن الله تعالى يذكر الشرع قبل القدر ، اقرأ (( الرحمن * علم القرآن )) بعدها (( خلق الإنسان )) فبدأ بالشرع (( علم القرآن * خلق الإنسان )) (( اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق )) فبدأ بالقراءة، وهكذا تجد هذه القاعدة مطردة إلا أن يكون هناك سبب لتقديم الخلق على الشرع، نسأل الله تعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى .