حكم القيام للداخل إكراما وتعظيما. حفظ
الشيخ : إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد فالأحكام كثير منها يختلف شرعا بحسب صورة الحكم أولا والنية المقترنة بهذه الصورة ثانيا فقيام الرجل صاحب الدار لخدمة ضيوفه فهذا أمر مستحسن ومشروع أما قيامه إكراما وتعظيما لشخص ما أو أشخاص ما فذلك أمر غير مشروع، فلذلك فعلى كل مسلم وبخاصة إذا كان طالب علم أن يراعي صفة ذلك الحكم أوّلا والنّيّة التي ينبغي أن تكون مقترنة به ثانيا فقيام رب البيت أو صاحب الدار بخدمة الضيوف هذه سنة جرى عليها عمل السلف الصالح فهو أمر داخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) أما إذا كان القيام تعظيم كما قلنا لشخص أو أشخاص فحينذاك هذا القيام يكون ممنوعا شرعا لما أخرجه الإمام مسلم في " صحيحه " من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بأصحابه يوما صلاة الظهر جالسا وقام الناس خلفه قياما فأشار إليهم هكذا أن اجلسوا وصلى بهم جالسا وهم معه جلوس ولما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاته أقبل إليهم قائلا ( إن كدتم آنفا أن تفعلوا فعل فارس بعظمائها يقومون على رؤوس ملوكهم إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين ) انتهى هنا حديث جابر وهو كما قلنا في " صحيح مسلم " والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر المصلين الذين قاموا خلفه قائمين بأن يصلوا معه جالسين علما أن قيام المصلي في الصلاة في الفريضة ركن من أركان الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بهذا الركن كما قال عز وجز (( وقوموا لله قانتين )) وكما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ( صلّ قائما فإن لم تستطع فجالسا فإن لم تستطع فعلى جنب ) فمع كون القيام لصلاة الفريضة ركن من أركان الصلاة مع ذلك وجدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أسقط هذا الركن عن القائمين خلفه في صلاة الفرض لماذا؟ لكي لا تتجلى تلك الصورة التي أشار إليها في قوله لهم ( إن كدتم أن تفعلوا آنفا فعل فارس لعظمائها يقومون على رؤوس ملوكهم ) مع ظهور الفرق كل الفرق بين جلوس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقيام أصحابه خلفه أولا هو جلس يصلي وهم قاموا يصلون، ثانيا هو جلس مضطرا ولم يجلس استكبارا، ثالثا أصحابه ما قاموا خلفه معظمين له وإنما معظمين لرب العالمين الذي قال في القرآن كما سمعتم آنفا (( وقوموا لله قانتين )) مع اختلاف الصورة بين الرسول عليه السلام وأصحابه من جهة وصورة كسرى وأصحابه من جهة أخرى فكسرى يجلس على كرسيه والوزراء والحاشية يقومون خلفه وحوله قائمين تعظيما له مع اختلاف القصد والغاية من كلّ من الطائفتين مع ذلك أبى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أن يستمر أصحابه يصلون خلفه قياما وإنما قال لهم اجلسوا ووضع لكل المصلين على مر السنين هذه القاعدة ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين ) لهذا ينبغي أن نلاحظ أن القيام إذا كان من أجل التعظيم كما هو شأن اليوم في كثير من المناسبات فهذا أمر منهي عنه وخلاف سنة الرسول عليه الصلاة والسلام - إلى هنا إلى هنا يا حسين أولا بتسد الباب على الداخلين وثانيا نتقارب بالأبدان حتى نتقارب بالجنان - كيف حالك؟ وقد صح عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال ( ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا لا يقومون له لما يعلمون من كراهيته لذلك ) وأنا أعتقد أن من كان من أهل العلم حقا فهو سيكون من ورثة الأنبياء كما قال عليه السلام ( العلماء ورثة الأنبياء ) ولكن هذه الوراثة لا تتحقق إلا بشيئين اثنين الشيء الأول أن يكون العلم الذي ورثه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم علما صافيا ليس مخلوطا بالآراء والبدع والمحدثات من الأمور لأنه حينذاك لا يكون وارثا للرسول صلّى الله عليه وآله وسلم هذا هو الشرط الأول، والشرط الثاني أن يكون عاملا بعلمه وألا يخالف قوله فعله وفعله قوله لقوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون )) فالعالم حقيقة يعلم أن من هدي الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم ما سمعتموه آنفا وهو يصلي معذورا جالسا وأولئك يقومون معذورين أيضا لله رب العالمين مع ذلك يقول لهم اجلسوا حتى ما تكون هناك مشابهة بين هذه الطائفة المؤمنة وتلك الطائفة الكافرة هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما سمعتموه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال " ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا لا يقومون له لما يعلمون من كراهيته لذلك " يعني كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يقومون له لم؟ جاء الجواب في نفس الحديث " لما يعلمون من كراهيته لذلك " فمن كان وارثا محمديا حقا للعلم النافع أولا والعمل الصالح ثانيا يتجلى ذلك في كل حركاته وسكناته ومنها أنه كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكره من أصحابه أن يقوموا له وهو أحق من يستحق التبجيل والتعظيم كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه ) فمما لا شك فيه أن أصحابه عليه الصلاة والسلام كانوا يعرفون حقه كاملا وافيا غير منقوص ولكن هل كانوا يقومون له؟ عرفتم أن الجواب لا، ولم؟ لأن ذلك ليس من حق أتباع العالم للعالم فليس من حق هذا العالم عليهم أن يقوموا له كلما دخل فإذا هذا القيام للعالم ينبغي أن يكون مكروها لأنه كان مكروها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم - عند صاحبك هنا الله يهديك - وهذا البحث في الواقع طويل الذيل ولكن أكتفي بما ذكرت بتلك المناسبة ولكن أختمه بأبيات من الشعر حيث مر أحد العلماء بأحد الأفاضل وهو في دكانه وهذا الفاضل يعلم من ذلك العالم أنه يكره القيام لما سمعتم من البيان قال معتذرا:
" لا تلمني على القيام فحقي *** حين تبدو ألا أمل القياما
أنت من أكرم البرية عندي *** ومن الحق أن أجل الكراما "
.
قال العالم لصاحبه وهو يماشيه وصاحبه شاعر فالعلماء لا يحسنون الشعر في الغالب لكن هذا الصاحب الشاعر متشبع بعلم هذا العالم في مسألة القيام قال العالم لصاحبه الشاعر أجبه عني فقال على البديهة:
" أنت إن كنت لا عدمتك ترعى *** لي حقا وتظهر الإعظاما
فلك الفضل في التقدم والعلم *** ولسنا نحب منك احتشاما
فاعفني الآن من قيامك أولا *** فسأجزيك بالقيام القياما
وأنا كاره لذلك جدا *** إن فيه تملقا وأثاما
لا تكلف أخاك أن يتلقاك *** بما يستحل فيه الحراما
وإذا صحت الضمائر منا *** اكتفينا من أن نتعب الأجساما
كلنا واثق بود مصافيه *** ففيم انزعاجنا وعلاما "
هذا كلام عالم فعلا أن العبرة بما في القلوب " وإذا صحت الضمائر منا *** اكتفينا من أن نتعب الأجسام
كلنا واثق بود أخيه *** ففيم انزعاجنا وعلاما "
وجرت نكتة بهذه المناسبة هناك في دمشق الشام حدثني أحد العبيديين أصحاب مكتب العربية الهاشمية اسمه حمدي عبيد رحمه الله قال حضرنا حفلا أو دعينا إلى حفل فأجلسونا في الكراسي الأمامية فما طال الوقت بنا حتى سرت إشاعة الآن يدخل الأمير الفلاني فتوجهت العيون إلى الباب الكبير باب الحفل فدخل الأمير فقمنا وبقينا قائمين حتى جلس الأمير في صدر المكان جلسنا، قال ما كدنا نجلس حتى سرت إشاعة أخرى الآن يدخل الباشا الفلاني ودخل الباشا الفلاني فقمنا واستمررنا قائمين حتى جلس ما كدنا نجلس إلا سرت إشاعة أخرى الآن يدخل الوزير الفلاني وهكذا تكرر منهم القيام والقعود الشاهد صاحبي يقول لي يا أخي ما شعرت غير كأنه زنبرك ... نابض من تحتي بيرفعني وبيقعدني بعدين قلنا هاي شغلة طويلة أحسن شيء والله نأخذ بالسنة اللي سمعناها بالشيخ الفلاني فبقيت كل ما دخل واحد بقيت في مكاني جالس فبالسنة استرحنا وبالسنة ستكون راحة الأمة الإسلامية هذا مثال يتعلق بجزئية بسيطة جدا لكن السنة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ) فنسأل الله تبارك وتعالى أوّلا أن يعرفنا بالسنة والسنة الصحيحة لأن هنا بحث طويل هناك سنن يظنها الناس هي من السنن وليست من السنة في شيء لأنه قد دخل في السنة وفي الحديث أحاديث لا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك أقول نسأل الله عز وجل أن يعرفنا وأن يعلمنا السنة والسنة الصحيحة أولا ثم أن يلهمنا العمل بهذه السنة ثانيا حتى لا يكون علمنا حجة علينا وفي ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.