المقدمة-010
الشيخ عبد المحسن العباد
صحيح مسلم
الحجم ( 7.33 ميغابايت )
التنزيل ( 471 )
الإستماع ( 44 )


2 - وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقول لو ضربنا عن حكايته، وذكر فساده صفحا لكان رأيا متينا، ومذهبا صحيحا، إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته، وإخمال ذكر قائله، وأجدر أن لا يكون ذلك تنبيها للجهال عليه، غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد، أجدى على الأنام، وأحمد للعاقبة إن شاء الله وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويته، أن كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به غير أنه لا نعلم له منه سماعا، ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث، أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا من دهرهما مرة فصاعدا، أو تشافها بالحديث بينهما، أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما وتلاقيهما مرة من دهرهما فما فوقها، فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة، وسمع منه شيئا لم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك والأمر كما وصفنا حجة، وكان الخبر عنده موقوفا حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث، قل أو كثر في رواية مثل ما ورد. أستمع حفظ

10 - قال المصنف : " قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل، ثم أدخلت فيه الشرط بعد، فقلت: حتى نعلم أنهما قد كانا التقيا مرة فصاعدا، أو سمع منه شيئا، فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحد يلزم قوله؟ وإلا فهلم دليلا على ما زعمت، فإن ادعى قول أحد من علماء السلف بما زعم من إدخال الشريطة في تثبيت الخبر، طولب به، ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلا، وإن هو ادعى فيما زعم دليلا يحتج به، قيل: وما ذاك الدليل؟ فإن قال: قلته لأني وجدت رواة الأخبار قديما وحديثا يروي أحدهم عن الآخر الحديث، ولما يعاينه ولا سمع منه شيئا قط، فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا على الإرسال من غير سماع، والمرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة احتجت لما وصفت من العلة إلى البحث عن سماع راوي كل خبر عن راويه، فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء ثبت عندي بذلك جميع ما يروي عنه بعد " أستمع حفظ

14 - قال المصنف : " وإن كان قد عرف في الجملة أن كل واحد منهم قد سمع من صاحبه سماعا كثيرا، فجائز لكل واحد منهم أن ينزل في بعض الرواية، فيسمع من غيره عنه بعض أحاديثه، ثم يرسله عنه أحيانا، ولا يسمي من سمع منه، وينشط أحيانا فيسمي الذي حمل عنه الحديث ويترك الإرسال، وما قلنا من هذا موجود في الحديث مستفيض، من فعل ثقات المحدثين وأئمة أهل العلم، وسنذكر من رواياتهم على الجهة التي ذكرنا عددا يستدل بها على أكثر منها إن شاء الله تعالى، فمن ذلك. أن أيوب السختياني، وابن المبارك، ووكيعا، وابن نمير، وجماعة غيرهم، رووا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ( كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله، ولحرمه بأطيب ما أجد ). فروى هذه الرواية بعينها الليث بن سعد، وداود العطار، وحميد بن الأسود، ووهيب بن خالد، وأبو أسامة، عن هشام، قال: أخبرني عثمان بن عروة، عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم " أستمع حفظ

18 - قال المصنف : " وهذا النحو في الروايات كثير يكثر تعداده، وفيما ذكرنا منها كفاية لذوي الفهم، فإذا كانت العلة عند من وصفنا قوله من قبل في فساد الحديث وتوهينه، إذا لم يعلم أن الراوي قد سمع ممن روى عنه شيئا، إمكان الإرسال فيه، لزمه ترك الاحتجاج في قياد قوله برواية من يعلم أنه قد سمع ممن روى عنه، إلا في نفس الخبر الذي فيه ذكر السماع، لما بينا من قبل عن الأئمة الذين نقلوا الأخبار أنهم كانت لهم تارات يرسلون فيها الحديث إرسالا، ولا يذكرون من سمعوه منه، وتارات ينشطون فيها، فيسندون الخبر على هيئة ما سمعوا، فيخبرون بالنزول فيه إن نزلوا، وبالصعود إن صعدوا، كما شرحنا ذلك عنهم " أستمع حفظ

19 - قال المصنف : " وما علمنا أحدا من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار، ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني وابن عون، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد، كما ادعاه الذي وصفنا قوله من قبل وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث، وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه " أستمع حفظ

23 - قال المصنف : " فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم، قد روى عن حذيفة، وعن أبي مسعود الأنصاري، وعن كل واحد منهما حديثا يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في روايته عنهما ذكر السماع منهما، ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبد الله بن يزيد شافه حذيفة، وأبا مسعود بحديث قط، ولا وجدنا ذكر رؤيته إياهما في رواية بعينها ولم نسمع عن أحد من أهل العلم ممن مضى، ولا ممن أدركنا أنه طعن في هذين الخبرين اللذين رواهما عبد الله بن يزيد، عن حذيفة، وأبي مسعود بضعف فيهما، بل هما وما أشبههما عند من لاقينا من أهل العلم بالحديث من صحاح الأسانيد وقويها، يرون استعمال ما نقل بها، والاحتجاج بما أتت من سنن وآثار " أستمع حفظ

25 - قال المصنف : " حتى يصيب سماع الراوي عمن روى، ولو ذهبنا نعدد الأخبار الصحاح عند أهل العلم ممن يهن بزعم هذا القائل، ونحصيها لعجزنا عن تقصي ذكرها وإحصائها كلها، ولكنا أحببنا أن ننصب منها عددا يكون سمة لما سكتنا عنه منها, وهذا أبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية، وصحبا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البدريين هلم جرا، ونقلا عنهم الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة، وابن عمر، وذويهما قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا، ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيا، أو سمعا منه شيئا " أستمع حفظ