التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم-08a
الشيخ محمد بن صالح العثيمين
اقتضاء الصراط المستقيم
الحجم ( 6.09 ميغابايت )
التنزيل ( 315 )
الإستماع ( 54 )


1 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه: " فأما سهل بن أبي أمامة، فقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وروى له مسلم وغيره . أما ابن أبي العمياء فمن أهل بيت المقدس ما أعرف حاله، لكن رواية أبي داود للحديث، وسكوته عنه : يقتضي أنه حسن عنده، وله شواهد في الصحيح. فأما ما فيه من وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف : ففي الصحيحين عنه - أعني : أنس بن مالك - قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجز الصلاة ويكملها ". وفي الصحيحين أيضا عنه قال: " ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتم من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ". زاد البخاري: " وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف، مخافة أن تفتتن أمه ". أستمع حفظ

2 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " وما ذكره أنس بن مالك من التخفيف : هو بالنسبة إلى ما كان يفعله بعض الأمراء وغيرهم في قيام الصلاة، فإن منهم من كان يطيل القيام زيادة على ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غالب الأوقات، ويخفف الركوع والسجود والاعتدال فيهما عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في غالب الأوقات، ولعل أكثر الأئمة، أو كثيرا منهم، كانوا قد صاروا يصلون كذلك، ومنهم من كان يقرأ في الأخيرتين مع الفاتحة، سورة، وهذا كله قد صار مذاهب لبعض الفقهاء، وكان الخوارج أيضا قد تعمقوا وتنطعوا كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ". ولهذا لما صلى علي رضي الله عنه بالبصرة قال عمران: " لقد أذكرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة: كان يخفف القيام والقعود، ويطيل الركوع والسجود . وقد جاء هذا مفسرا، عن أنس بن مالك نفسه، فروى النسائي عن قتيبة، عن العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال : " دخلنا على أنس بن مالك ، فقال : صليتم ؟ قلنا : نعم . قال : يا جارية، هلمي لي وضوءا، ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من إمامكم هذا - قال زيد - وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود. وهذا حديث صحيح، فإن العطاف بن خالد المخزومي قال فيه يحيى بن معين - غير مرة - : " هو ثقة ". وقال أحمد بن حنبل : " هو من أهل مكة، ثقة صحيح الحديث، روى عنه نحو مائة حديث ". وقال ابن عدي : " يروي قريبا من مائة حديث، ولم أر بحديثه بأسا إذا حدث عنه ثقة ". وروى أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان ، حدثني أبي عن وهب بن مانوس ، سمعت سعيد بن جبير يقول : " سمعت أنس بن مالك يقول : ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم، من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - قال : فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات " وقال يحيى بن معين : " إبراهيم بن عمر بن كيسان : يماني ثقة ". وقال هشام بن يوسف : " أخبرني إبراهيم بن عمر ، وكان من أحسن الناس صلاة " ؛ وابنه عبد الله قال فيه أبو حاتم : " صالح الحديث ". ووهب بن مانوس - بالنون - يقوله عبد الله هذا وكان عبد الرزاق يقوله : بالباء المنقوطة بواحدة من أسفل . وهو شيخ كبير قديم، قد أخذ عنه إبراهيم هذا، واتبع ما حدثه به، ولولا ثقته عنده لما عمل بما حدثه به، وحديثه موافق لرواية زيد بن أسلم، وما أعلم فيه قدحا . وروى مسلم في صحيحه، من حديث حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت ، عن أنس، قال : " ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر رضي الله عنه متقاربة، فلما كان عمر رضي الله عنه، مد في صلاة الفجر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قال : سمع الله لمن حمده، قام حتى نقول : قد أوهم، ثم يسجد ويقعد بين السجدتين، حتى نقول : قد أوهم " ورواه أبو داود، من حديث حماد بن سلمة، أنبأنا ثابت وحميد، عن أنس بن مالك، قال : " ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال : " سمع الله لمن حمده قام " حتى نقول قد أوهم . ثم يكبر ثم يسجد . وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم ". فجمع أنس رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح، بين الإخبار بإيجاز النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصلاة وإتمامها، وبين أن من إتمامها الذي أخبر به : إطالة الاعتدالين، وأخبر في الحديث المتقدم : أنه ما رأى أوجز من صلاته، ولا أتم . فيشبه - والله أعلم - أن يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمام إلى الركوع والسجود ؛ لأن القيام، لا يكاد يفعل إلا تاما، فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام، بخلاف الركوع والسجود والاعتدالين . وأيضا، فإنه بإيجاز القيام، وإطالة الركوع والسجود تصير الصلاة تامة، لاعتدالها وتقاربها، فيصدق قوله : " ما رأيت أوجز ولا أتم " . فأما إن أعيد الإيجاز إلى نفس ما أتم والإتمام إلى نفس ما أوجز ؛ فإنه يصير في الكلام تناقضا، لأن من طول القيام على قيامه لم يكن دونه في إتمام القيام، إلا أن يقال : الزيادة في الصورة تصير نقصا في المعنى، وهذا خلاف ظاهر اللفظ، فإن الأصل : أن يكون معنى الإيجاز والتخفيف غير معنى الإتمام والإكمال ؛ ولأن زيد بن أسلم قال : " كان عمر يخفف القيام والقعود، ويتم الركوع والسجود " فعلم أن لفظ الإتمام عندهم، هو إتمام الفعل الظاهر وأحاديث أنس كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل الركوع والسجود والاعتدالين، زيادة على ما يفعله أكثر الأئمة . وسائر روايات الصحيح تدل على ذلك . ففي الصحيحين : عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس بن مالك قال: " إني لا آلو أن أصلي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا " قال ثابت : " فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه : كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل : قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث، حتى يقول القائل: قد نسي ". وفي رواية - في الصحيح - : " وإذا رفع رأسه بين السجدتين " وفي رواية للبخاري، من حديث شعبة، عن ثابت : " كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي، وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نسي فهذا يبين لك أن أنسا أراد بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : إطالة الركوع والسجود، والرفع فيهما، على ما كان الناس يفعلونه، وتقصير القيام عما كان الناس يفعلونه ". أستمع حفظ

3 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " وروى مسلم في صحيحه من حديث جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع بكاء الصبي مع أمه، وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة ". فبين أن التخفيف الذي كان يفعله هو تخفيف القراءة، وإن كان ذلك يقتضي ركوعا وسجودا يناسب القراءة، ولهذا قال : " كانت صلاته متقاربة " أي يقرب بعضها من بعض . وصدق أنس: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بنحو الستين إلى المائة، يقرأ في الركعتين بطول المفصل بـ : الم . تنزيل، وهل أتى، وبالصافات، وبقاف ؛ وربما قرأ أحيانا بما هو أطول من ذلك، وأحيانا بما هو أخف. فأما عمر رضي الله عنه، فكان يقرأ في الفجر بيونس، وهود، ويوسف، ولعله علم أن الناس خلفه يؤثرون ذلك ". أستمع حفظ

4 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " وكان معاذ رضي الله عنه : قد صلى خلفه الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء، فقرأ فيها بسورة البقرة، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك . وقال : " أفتان أنت يا معاذ، إذا أممت الناس فخفف، فإن من ورائك الكبير والضعيف وذا الحاجة . هلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ونحوها من السور ؟ " فالتخفيف الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم معاذا، وغيره من الأئمة، هو ما كان يفعله - بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم، فإنه كما قال أنس : " كان أخف الناس صلاة في تمام " . وقد قال : " صلوا كما رأيتموني أصلي ". ثم إن عرض حال عرف منها إيثار المأمومين للزيادة على ذلك فحسن، فإنه صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب : بطولى الطوليين وقرأ فيها بالطور . وإن عرض ما يقتضي التخفيف عن ذلك فعل، كما قال في بكاء الصبي ونحوه . فقد تبين أن حديث أنس تضمن مخالفة من خفف الركوع والسجود، تخفيفا كثيرا، ومن طول القيام تطويلا كثيرا. وهذا الذي وصفه أنس، ووصفه سائر الصحابة. فروى مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه، عن هلال بن أبي حميد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال : " رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فجلسته ما بين التسليم والانصراف : قريبا من السواء ". وروى مسلم أيضا في صحيحه، عن شعبة عن الحكم قال : " غلب على الكوفة رجل - قد سماه - زمن ابن الأشعث قال : فأمر أبا عبيدة بن عبد الله أن يصلي بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول : اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد " . قال الحكم : " فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال : " سمعت البراء بن عازب يقول : كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده، وما بين السجدتين، قريبا من السواء " . قال شعبة : " فذكرته لعمرو بن مرة. فقال: قد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلم تكن صلاته هكذا، وروى البخاري هذا الحديث - ما خلا القيام والقعود - قريبا من السواء. وذلك لأنه لا شك أن القيام - قيام القراءة - وقعود التشهد يزيد على بقية الأركان، لكن لما كان صلى الله عليه وسلم يوجز القيام، ويتم بقية الأركان، صارت قريبا من السواء. فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى، وإنما البراء : تارة قرب ولم يحدد، وتارة استثنى وحدد، وإنما جاز أن يقال في القيام مع بقية الأركان : قريبا، بالنسبة إلى الأمراء الذين يطيلون القيام، ويخففون الركوع والسجود، حتى يعظم التفاوت . ومثل هذا: " أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف، فقرأ في الركعة بنحو من سورة البقرة وركع . فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكذلك سجوده ". ولهذا نقول في أصح القولين : إن ركوع صلاة الكسوف وسجودها يكون قريبا من قيامه بقدر معظمه، أكثر من النصف . ومن أصحابنا وغيرهم من قال : إذا قرأ البقرة، يسبح في الركوع والسجود، بقدر قراءة مائة آية. وهو ضعيف مخالف للسنة ." أستمع حفظ

7 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " ثم هذا القيام الذي وصفه أنس وغيره بالخفة، والتخفيف الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم قد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وأمره، وبلغ ذلك أصحابه فإنه لما صلى على المنبر قال : " إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي " ، وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". وذلك : أنه ما من فعل في الغالب إلا وقد يسمى خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويسمى طويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه، فلا حد له في اللغة، وليس الفعل من العادات : كالإحراز، والقبض، والاصطياد، وإحياء الموات، حتى يرجع في حده إلى عرف اللفظ، بل هو من العبادات، والعبادات يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع، كما يرجع في أصلها إلى الشارع . ولأنه لو جاز الرجوع فيه إلى عرف الناس في الفعل، أو في مسمى التخفيف، لاختلفت الصلاة الشرعية الراتبة، التي يؤمر بها في غالب الأوقات، عند عدم المعارضات المقتضية للطول أو للقصر، اختلافا متباينا لا ضبط له، ولكان لكل أهل عصر ومصر، ولكان لكل أهل حي وسكة، بل لأهل كل مسجد عرف في معنى اللفظ، وفي عادة الفعل، مخالفا لعرف الآخرين، وهذا مخالف لأمر الله ورسوله حيث قال : " صلوا كما رأيتموني أصلي " ولم يقل : كما يسميه أهل أرضكم خفيفا، أو كما يعتادونه، وما أعلم أحدا من العلماء يقول ذلك فإنه ؛ يفضي إلى تغيير الشريعة، وموت السنن، إما بزيادة وإما بنقص، وعلى هذا دلت سائر روايات الصحابة ." أستمع حفظ

10 - القراءة من قول المصنف مع التعليق عليه ومقابلة النسخ: " وروى أيضا عن شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر بنحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك "، وهذا يبين ما رواه مسلم أيضا، عن زائدة حدثنا سماك عن جابر بن سمرة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد وكانت صلاته بعد تخفيفا " أنه أراد - والله أعلم - بقوله : " وكانت صلاته بعد " أي بعد الفجر، أي أنه يخفف الصلوات التي بعد الفجر، عن الفجر. فإنه في الرواية الأولى جمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف، وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف." أستمع حفظ