فوائد حديث : ( إن خيركم قرني ... ). حفظ
الشيخ : في هذا الحديث: دليل على فضل القرن الأول وهم الصحابة، والفضل هنا باعتبار الجنس والقرن لا باعتبار كل واحد، إذ أنه قد يوجد في التابعين من هو خير من الصحابة للأمة في علمه وتعليمه وجهاده وغير ذلك، لكن في الصحابة فضل لا يمكن أن يدركه أحد وهو الصحبة هذه الفضل المطلق في الصحبة هذه لا يناله أحد، لكن الفضل باعتبار أنواع العبادات وأفعال العباد لا شك أنه يوجد من التابعين من هو أفضل من بعض الصحابة، وأضرب لكم مثلًا رجل جاء وافدًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وبقي معه يومًا أو يومين وأخذ منه ما شاء الله من الأحكام ثم خرج إلى إبله وإلى أهله ومات ولم ينتفع الناس منه، وآخر من التابعين نفع الله به الأمة في علمه ونقله للحديث ودعوته للحق وجهاده في سبيل الله أيهم أفضل؟ من حيث أنواع الأفعال الثاني أفضل، لكن الأول يمتاز عليه بالصحبة التي لا يمكن أن ينالها إلا من صحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن فوائد هذا الحديث: أن التابعين أفضل من تابعي التابعين، والمراد أيضًا الجنس يعني جنس التابعين أفضل من جنس تابعي التابعين، وليس المراد كل فرد من هؤلاء أفضل من كل فرد من هؤلاء، لأن في تابعي التابعين من هو أفضل من كثير من التابعين والتابعون لا يتميزون بصحبة حتى نقول إنه لا يمكن أن نفضل من بعدهم عليهم مطلقًا، بل هم من مثل تابعي التابعين من حيث فقد الصحبة في كل منهم، لكن في الجملة وباعتبار الجنس التابعون أفضل من تابعي التابعين ثم الذين يلونهم وهم تابعوا التابعين، ثم بعد ذلك تتغير الأحوال تحدث شهادة الزور والخيانات والغدر، ولهذا قال: ( ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون ) فيه أيضًا من فوائده: ذم من يشهد ولا يستشهد ذم من يشهد ولا يستشهد، ولكن ما محل الذم هنا؟ اختلف العلماء رحمهم الله في هذا فقيل: المعنى أنهم يشهدون شهادة زور وأن معنى ولا يستشهدون أو قبل أن يستشهدوا أي أنهم يشهدون بدون أن يحمّلوا الشهادة، وهذا أقرب ما قيل في الحديث أن المراد به شهداء الزور، لأن هذا هو المناسب لأحوال من وصفوا من بعده، وبناء على ذلك نقول لا معارضة بينه وبين الحديث الأول، لأن الحديث الأول فيمن عنده شهادة شهادة حق، ولكن أداها قبل أن يسألها وسيأتي التفصيل في هذا أيضًا إن شاء الله، وقيل المراد بقوله: ( يشهدون ولا يستشهدون ) أي: أنهم يشهدون متسرعين في الشهادة لا لغرض صحيح، ولكن للتسرع وهذا لا شك أنه ذم كما هو واضح إنسان لم يدع للشهادة يذهب ويشهد، هذا لا شك أنه تسرّع يخالف ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من التأتي والتثبت، ومن فوائد هذا الحديث: التحذير من شهادة الزور وإن كان الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا سيقع، ومن فوائده أن الإخبار بشيء لا يعني جوازه الإخبار بالشيء لا يعني جوازه، فالرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بأن قومًا يأتون يستحلون الحرا والحرير والخمر والمعازف فهل إخباره بذلك إقرار أو تحذير؟ تحذير، وأخبر أن من هذه الأمة من يتّبع سنن اليهود والنصارى وهذا إخبار وليس بإقرار، بل هو تحذير وأخبر أن الظعينة تمشي من كذا إلى كذا أظنها من صنعاء إلى عدن لا تخشى أحدًا وهذا أيضًا إخبار لا إقرار، فلا يكون فيه دليل على جواز سفر المرأة بلا محرم، المهم أن ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام وهو مما يخالف الحكم الشرعي فإنه لا يدل على أن الرسول أقرّه أو أباحه، ومن فوائد هذا الحديث: أنه يفسد الزمان أيضًا بكون الناس تظهر فيهم الخيانة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أنها تنزع الأمانة حتى يقال فلان فيهم أمين حتى يقال القبيلة فيهم أمين يعني لا تكاد تجد الأمين في القبيلة الكاملة، ومن فوائده أيضًا: أنه يتغير الزمان بنقض العهد ينذرون ولا يوفون وكل هذه الأوصاف التي ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام كلها مقام ذم وتحذير، الحديث الأول حديث زيد إذا قال قائل: هل الأفضل للإنسان أن يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها؟ نقول هذا فيه تفصيل، والتفصيل أنه إذا كان المشهود له لا يعلم وجب عليه أن يشهد ويخبر بشهادته وإن لم يسأل، فإذا قال قائل: كيف يتصور أن المشهود له لا يعلم؟ قلنا يتصور سمع شخص رجلًا يقول لصاحبه إن القرض الذي أقرضتنيه وهو ألف درهم سوف أحضره إن شاء الله بعد يوم أو يومين، ثم إن الذي أقر أنكر وذاك الذي له الحق لم يعلم بسماع هذا إياه، فهذا نقول إنه عنده شهادة لم يعلم بها صاحب الحق ويذكر في ترجمة المعري أنه كان رجلًا قوي الحافظة وأنه تخاصم رجلان فارسيان في المسجد يرطنان رطانة الأعاجم وأنه مع النزاع أقرّ أحدهما للآخر بحق ثم أنكر، فارتفعا إلى الحاكم فقال الحاكم هل عندك شهود؟ يقول لصاحب الحق قال ما عندي قال أين أقر لك قال في المسجد، قال مافي في المسجد أحد قال ما فيه إلا رجلًا أعمى ولا أدري وش عنده؟ قال هاتوه فأتوا به فقال أنا لا أدري ما يقولان، لكن أنا أحكي لك كلامهما هو عربي وهؤلاء عجم، قال يالله بدأ يرطن عليه نعم وتبين الحق فهذه إن صحت تدل على قوة الحافظة، يعني هو ليس كلامًا عربيًّا يفهمه الإنسان لأن الكلام العربي تفهم المعنى ويمكن تعبر عنه بلفظ مقارب أو باللفظ نفسه، لكن كلام غير عربي وهذا رجل غير عربي هذا من العجائب إن صحت القصة لكني قرأتها في ترجمته قديمًا، على كل حال نقول يمكن أن يشهد الإنسان لشخص بحق وهو لا يدري عن شهادته أليس كذلك؟ طيب إذن يحمل على نقول الأفضل لمن شهد شهادة لا يعلم بها صاحب الحق أن يؤديها قبل أن يسأل، بل نقول يجب في هذه الحال أن يؤديها أو على الأقل يعلم صاحب الحق، وأما القسم الثاني فإنه إذا كان عنده شهادة لشخص يعلمها فالأفضل ألا يتسرع حتى يسأل إما من قبل الخصم وإما من قبل الحاكم، وأما أن يتسرع فهذا يدل على أنه رجل خفيف وأنه لا يتأنى في الأمور فالأفضل أن يتأنى، وحمله بعض العلماء في الأول على أن المراد بذلك الشهادة في حق الله، يعني بذلك أهل الحسبة فإنهم يشهدون على المنكر وإن لم يستشهد، ولكن الصحيح أنه عام وأن المراد بذلك من كان عنده شهادة وليس يعلمها صاحب الحق.