فوائد حديث : ( إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ). حفظ
الشيخ : ففي هذا الحديث فوائد أولًا: ثبوت علم الله عز وجل لمن يخالف قلبه ما ظهر من جوارحه، ولهذا يخبر الله عنهم، ومن فوائده: أن الله تعالى قد يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عن أناس ظواهرهم تخالف بواطنهم بالوحي، ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الرؤيا الصادقة إذا ظهرت بقرائن على صدقها فإنه يؤخذ بها، لكن بشرط أن يكون هناك قرائن ، ومثّلوا لذلك بعمل أبي بكر رضي الله عنه بوصية ثابت بن قيس بن شماس، ثابت بن قيس بن شماس قتل في اليمامة في غزوة اليمامة ومر به أحد الجنود وأخذ درعه ووضعها في جانب العسكر ووضع عليها برمة، ورآه أي رأى ثابت بن قيس بن شماس بعض أصحابه في المنام بعد أن قتل رآه فأخبره ثابت بأنه مر به أحد الجند وأخذ الدرع ووضعه تحت برمة بجانب العسكر وحوله فرس تستن وكأنه يوصيه بأن يأخذه، فلما أصبح الرجل وذهب إلى المكان وجد الأمر كما قال، وفي هذه الرؤيا أوصاه يعني ثابتًا أوصاه بأمور يعهد بها إلى أبي بكر ضي الله عنه فعمل بها أبو بكر، قال العلماء وأن يعهد أحد مثلت وصيته بعد وفاته إلا ثابت رضي الله عنه، وسبب ذلك أنه وجد قرائن تدل على صدقه، فإذا وجد قرائن تدل على صدق الرؤيا عمل بها، لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، ومثل ما ذكر ابن القيم رحمه عن شيخ ابن تيمية رحمه الله أيضًا أنه أشكل عليه بعض المسائل في الفقه والعلم، ومنها أنه تقدّم جنائز من أهل البدع لا يدرى أمسلمون هم أم كفار، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فسأله عن أشياء منها هذه المسألة فقال له: " عليك بالشرط يا أحمد " يعني بمعنى لا تجزم بالدعاء بل اشترط فقل: " اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه " وله شاهد من الوحي في اليقظة الشاهد ما جاء في آية اللعان لقول الله تبارك وتعالى: (( والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين )) والمرأة تقول: (( الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين )) فهو دعاء مقيد بشرط، وكذلك في قصة الثلاثة الأبرص والأقرع والأعمى قال الملك لهم: " إن كنت كاذبًا " إيش؟ " فصيرك الله إلى ما كنت " فدل هذا على جواز الاستثناء في الدعاء، إذن فإذا قدّم للإنسان شخص اشتهر عنه أنه لا يصلي ومعلوم أن ترك الصلاة كفر وأن من ثبت عندنا أنه لا يصلي ومات على ذلك لا نصلي عليه لأنه كافر ونكفّره بعينه ولا نستوحش من هذا، لأننا لو استوحشنا من هذا وقلنا نكفّر الفعل دون الفاعل هذا خطأ لم يبق أحدًا كافرًا نكفّره بعينه، ونقول لا يغسّل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين، فإذا قدّم إليك رجل تشك فيه فلك أن تقول: " اللهم إن كان مسلمًا فاغفر له وارحمه " طيب ومن فوائد هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه: أن الواجب أخذ الناس بظواهرهم لقوله: " وإنما نأخذ بما ظهر لنا منكم " ويؤيد هذا القول من أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين حتى قيل له في قتلهم قال: ( لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ) وكذلك يشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع ) فنحن في هذه الدنيا لا نعامل الناس إلا على ظواهرها، أما في الآخرة في العمل على البواطن، وجه إدخال هذا الأثر في باب الشهادات أن الأصل في المسلم هو العدالة وقبول الشهادة، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء هل الأصل في المسلم العدالة أو الأصل فيه عدم العدالة؟ في هذا قولان للعلماء منهم من قال: إن الأصل أنه ليس بعدل أي مسلم فلا تقبل شهادته حتى يتبين لنا عدالته، لأن العدالة شرط وجودي فلابد من وجوده، وقد اشترطه الله في قوله: (( وأشهدوا ذوي عدل منكم )) فلا بد من وجوده، ومنهم من قال: إن الأصل في المسلم أن يكون قائمًا بطاعة الله ممتثلًا لأمره والفسق طارئ عليه، فالأصل فيه العدالة والذي يظهر لي أن يقال إن هذه مسألة تختلف باختلاف الناس، فمن لم يظهر منه سوء حملناه على إيش؟ على العدالة وقبلنا شهادته لكن للخصم المشهود عليه أن يطعن فيه ويجرحه ثم يعطى مهلة لإقامة الدليل أو لإقامة البينة على جرحه، فإن ثبت فحينئذ نرد شهادته وهب الذي نقوله فيمن لم تظهر عدالته وتتبين لجميع الناس وفيمن لم يظهر فسقه وانحرافه، أما من ظهرت عدالته وبرّز وصار معروفًا عند الناس فهذا لا إشكال أن الأصل فيه العدالة، ولهذا لو أن أحدًا من الناس طعن في الإمام أحمد وقال لا ندري هل هو عدل فنقبل روايته أو لا؟ لا حاجة لهذا لا حاجة إلى أن نطلب التعديل من مثل الإمام أحمد أو نحوه من العلماء الأئمة الثقات، وكذلك لو طعن إنسان في شخص معروف بالفسق والفجور ما حاجة أن نقول هات البينة، لأن ذلك أمر واضح واقع من الناس كلها.