شرح قول المصنف : صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
الشيخ : : " صراط الذين أنعم الله عليهم " أي :طريقهم وأضافه إليهم لأنهم سالكوه فهو طريقهم لأنه جادتهم فهم الذين يمشون فيه كما أضافه الله إلى نفسه أحيانا (( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ )) باعتبار أنه هو الذي شرعه ووضعه لعباده وأنه موصل إليه كما تقول هذا طريق مكة لأنه موصل إلى مكة فهو صراط الله تعالى باعتبارين وصراط المؤمنين باعتبار واحد، صراط الله باعتبارين هما : أنه وضعه لعباده وأنه موصل إليه، وصراط سالكيه صراط المؤمنين لأنهم هم الذين يسلكونه وحدهم .
وقوله : " الذين أنعم الله عليهم " النعمة : كل فضل وإحسان من الله على عباده فهو نعمة وكل ما بنا من نعمة فهو من الله ونعم الله قسمان : عامة وخاصة والخاصة أيضا قسمان خاصة أخص وخاصة أعم .
العامة : هي التي تكون للمؤمنين وغير المؤمنين ولهذا لو سألنا سائل : هل لله على الكافر نعمة ؟ قلنا : نعم لكنها نعمة عامة وهي نعمة ما تقوم به الأبدان لا ما تصلح به الأديان نعمة عامة وهي ما تقوم به الأبدان مثل الطعام والشراب والكسوة والمسكن وما أشبه ذلك هذه يدخل فيها من ؟ المؤمن والكافر كل يدخل فيها .
النعمة الخاصة : ما تصلح به الأديان من الإيمان والعلم والعمل الصالح، من الإيمان والعلم النافع والعمل الصالح هذه خاصة بمن ؟ بالمؤمنين .
ثم هذه النعمة تنقسم إلى : خاصة أخص، وخاصة غير أخص، فنعمة الله على النبيين والرسل نعمة هي أخص النعم من هذا الباب واستمع إلى قوله تعالى : (( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً )) هذه النعمة التي هي أخص لا يلحق المؤمنون فيها النبيين بل هم دونهم .
طيب قول المؤلف : " صراط الذين أنعم الله عليهم " : هي كقوله تعالى : (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )) فمن هم لا يفسر القرآن بمثل تفسير القرآن (( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ )) النبيون هنا : كل من أوحى الله إليهم ونبأهم فهو داخل في هذه الآية النبيين فيشمل الرسل، والرسل أولو عزم وغير أولي عزم على قول الجمهور فهنا نبيون ورسل وذو عزم ذوي عزم من الرسل كلهم داخلون في قوله تعالى : (( فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ )) لأن كل رسول نبي ولا عكس وعلى هذا فيكون النبيون شاملا لمن ؟ للرسل أولي العزم وغيرهم وشاملا أيضا للنبيين الذين لم يرسلوا وهؤلاء أعلى أصناف الخلق .
ثانيا : الصديقين : صديق على وزن فعيل كسكير وسكيت وما أشبه ذلك من الصيغ فهو صيغة إيش ؟ صيغة مبالغة، فمن هو الصديق ؟ أحسن ما يفسر به الصديق قوله تعالى : (( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ )) وقال تعالى : (( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ )) فمن حقق الإيمان ولا يتم تحقيق الإيمان إلا بالصدق والتصديق، الصدق بماذا ؟ بالعقيدة والإخلاص وهذا من أصعب ما يكون علينا الصدق بالعقيدة والإخلاص صعب حتى قال بعض السلف : " ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص " كثير من الناس يعمل ويصدق في الاتباع لكن الإخلاص ضعيف فلا بد من الصدق في المقصد وهو العقيدة والإخلاص لله عز وجل، صدق في المقال لا يقول إلا ما طابق الواقع سواء على نفسه أو على غيره فهو قائم بالقسط على نفسه وعلى غيره على أبيه وعلى أمه وعلى أخيه وعلى أخته لا يقول إلا الصدق، صادق في الفعال وهي أن تكون أفعاله مطابقة لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ومن صدق الفعال أن تكون نابعة عن إخلاص فإن لم تكن نابعة عن إخلاص لم تكن صادقة لأن فعله يخالف قوله، فالصديق إذا من صدق في معتقده وإخلاصه وإرادته وفي مقاله وفي فعاله، وأفضل الصديقين على الإطلاق أبو بكر رضي الله عنه هو أفضل الصديقين لأن أفضل الأمم هذه الأمة وأفضل هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه فيكون هو أفضل الصديقين .
الصديقية مرتبة لا تكون إلا للرجال ولا تكون للرجال والنساء ؟ تكون للرجال والنساء قال الله تعالى في عيسى ابن مريم : (( وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ )) ويقال : الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها والله تعالى يمن على من يشاء من عباده أسلأل الله أن يجعلني وإياكم منهم .
أما الشهداء فمن هم الشهداء ؟ هل هم الذين قتلوا في سبيل الله ؟ لقوله (( وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ )) أو أنهم الشهداء أي : العلماء لقوله تعالى: (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ )) فجعل أهل العلم شاهدين بما شهد الله لنفسه، ولأن العلماء يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الأمة بالتبليغ يعني بمعنى أنهم يشهدون للرسل أنهم بلغوا وعلى الأمة أنهم بلِّغوا فلهم شهادتان شهادة للرسل وشهادة على الأمم ولا ينال ذلك إلا بالعلم ولهذا كان ينبغي لنا أن ندرس سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لنعرف كيف بلغ الأمة عليه الصلاة والسلام البلاغ المبين .
لو قال قائل : اجعلوا الآية عامة لمن قتلوا في سبيل الله ومن وفقهم الله للعلم نوافقه ؟ نوافقه ليش ؟ لأن اللفظ صالح للوجهين ولا يتنافيان فإذا كان صالحا لهما ولا يتنافيان فليكن لهما جميعا فيكون شاملا للذين قتلوا في سبيل الله وللعلماء الذين شهدوا لله بالوحدانية وشهدوا للنبي صلى الله عليه وسلم بالبلاغ وشهدوا على الأمة بأنها بلِّغت .
أما الصالحون فإنه أعم الصالحون يشمل كل الأنواع الثلاثة السابقة ومن دونهم في المرتبة عندنا أربع مراتب الآن فالأنبياء صالحون ولا لا ؟ والصديقون صالحون، والشهداء صالحون لكن المرتبة الأخيرة التي هي دون الثلاث نقول هم صالحون ولا نقول شهداء ولا صديقون بل هم صالحون،الصالحون من هم ؟
هم الذين قاموا بحق الله وحق عباده لكن لا على المرتبة السابقة والصديقية والشهادة فهم دونهم في المرتبة، طيب هذا الصراط الذي جاءت به الرسل هو صراط هؤلاء الأصناف الأربعة، فضدهم لا يمشون على ما جاءت به الرسل بل يقفون حيث .